القول بأن التغيير انسان ليس شعار مناسبات. والقول بأن الانسان التونسي هو غاية العملية التنموية في المشروع المجتمعي للتغيير ليس مجرد كلام عابر يطلق للدعاية او للاستهلاك ما يفتأ أن ينطفئ كما تنطفئ الفقاعة الهوائية... على العكس من ذلك تماما، فإن اختزال مشروع التغيير في الانسان التونسي أداة للتنمية وغاية لها، يكفي ليكون عنوانا كبيرا لارادة سياسية واضحة ومصممة تستهدف تغيير الواقع وتذليله بما ينعكس خيرا وانجازات على عموم التونسيين والتونسيات وبما يؤدي الى تحسين نمط العيش وتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية على الجميع... ايضا في توفير مناخ ملائم يمكن كل مواطن تونسي من حرية التعبير وحرية التنظم في احزاب سياسية شرعية ومعترف بها... مناخ تسوده الديمقراطية والتعددية وتحكمه دولة القانون والمؤسسات... وهو ما يمثل تكريسه اكتمالا لمشروع التغيير بعد ان قطعت التجربة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي مدى صار معه الحديث عن معجزة تنموية تونسية حديثا مشروعا... وصار معه الحديث عن انموذج تونسي للتنمية حديثا يجعل انظار جل شعوب العالم الثالث تتطلع الى هذه الدرة على ضفاف المتوسط استلهاما من التجربة او رغبة في استنساخ آلياتها ومكوناتها. ومع القول بأن الانسان غاية التنمية وبتلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي لصنع رخاء الانسان بعد سد حاجاته الاساسية، فإنه يصبح من نافلة القول بأن تكوين العقل في الجسم السليم يصبح من الاولويات المطلقة... وصولا الى نحت معالم شخصية هذا الانسان وتمكينه من ضرورات وأدوات تحصيل العلم وصقل مواهبه وتنمية رصيده الثقافي والفكري بما يمكنه من أن يكون قادرا على الاستيعاب والتجاوب مع الطروحات السياسية والاختيارات والمناهج التنموية التي تعرض عليه... وهي غاية تجد اكتمالها في تمكين هذا الانسان من تنشئة جسمية وبدنية سليمة وصولا لتحقيق المعادلة المثالية في ايجاد شعب تتوفر لافراده امكانيات تنشئة عقل سليم في جسم سليم... وهذا مجال حيوي واساسي من المجالات التي ركز عليها التغيير وضرب فيها بأسهم صائبة. في مجال العمل على توفير مناخ ينمّي العقل ويطور الملكات الفكرية يجعل الثقافة حقا مشاعا بين كل التونسيين بشكل يمكن كل فرد من تنمية رصيده الثقافي بما يجعله قادرا على ممارسة مواطنته كاملة غير منقوصة... وبما يمكنه أيضا من الاسهام الفاعل في مسيرة مجتمعه واثرائها بالشكل الذي يراه وبالشكل الذي يحدث التراكمات المطلوبة لتغيير العقليات وبالتالي تغيير الواقع والاشياء وصولا لتحقيق المجتمع المزدهر اقتصاديا واجتماعيا والمقتدر علميا والمتمكن فكريا والمتمسك بجذور هويته العربية الاسلامية ثقافيا وحضاريا... في هذا المجال الحيوي لأنه يعنى بالركيزة الاساسية للمجتمع فانه يكفي استعراض بعض الارقام التي تكفي مبدئيا للتدليل على مكانة صقل العقل وتغذيته بالعلم والمعرفة وإشباعه بالزاد الثقافي اللازم لاكتماله ويتعلقان بحجم الموارد المخصصة في تونس العهد الجديد لمجالات التربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي... ففي مجال التربية والتعليم خصصت نسبة 20 من ميزانية الدولة لهذا القطاع.. وبالنتيجة باتت معاهدنا الثانوية ومدارسنا الاعدادية تضم أكثر من مليون ومائة ألف تلميذ وتضاعف عدد الطلبة ست مرات لتفوق نسبة التدريس بالتعليم العالي 26.4 من بين الفئة العمرية بين 20 و24 سنة بحيث بلغ عدد الطلبة سنة 2003 2004 ما لا يقل عن 300 ألف طالب وهو رقم مرشح لبلوغ 500 ألف طالب في أفق 2010. وفي المجال الثقافي فإن تخصيص نسبة 1 من ميزانية الدولة لهذا القطاع بغية تمكينه من لعب دوره كاملا كركن أساسي من أركان التغيير وكقاعدة أساسية لبناء جمهورية الغد يختزل حجم الرهان الموكول لقطاع الثقافة في تنوير العقول وفتح الآفاق ليتمكن التونسي عموما والمبدع التونسي خصوصا من التعاطي بندية مع باقي الثقافات في زمن العولمة بما يفرضه من إلغاء للحدود والحواجز بين الفضاءات الثقافية وبين الحضارات. المجال الثالث الذي يأتي لتجسيد حجم العناية الموجهة للعقل يتمثل في تخصيص نسبة 1 من الناتج الداخلي الخام لقطاع البحث العلمي بما يمكن الباحثين والدارسين التونسيين من تفجير ملكاتهم الابداعية وإثراءرصيدنا العلمي بمزيد الاكتشافات والاختراعات التي بإمكان مؤسساتنا الاقتصادية التعويل عليها والتي يمكن شيئا فشيئا من تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال. وحين تلتقي أضلع هذه الثلاثية فإنها تكفي لتجسيد كل المعاني والدلالات بشأن مكانة العلم والثقافة في نحت العقل السليم وإرساء مجتمع المعرفة القادرعلى التعاطي بإيجابية مع كل البرامج والطروحات داخليا ومع كل الظواهر والقضايا إقليميا ودوليا. وحتى يجد هذا العقل السليم نفسه في بيئة ملائمة في جسم سليم فإن العناية توجهت منذ البداية الى مجال الشباب والرياضة حيث توجه الرئيس بن علي منذ التغيير وعلاوة على كونه رئيسا لكل التونسيين رئيسا شابا وللشباب في لفتة لها دلالات وتخص تركيز صانع التغيير على دفق الشباب وحيويته وحركيته لدفع عجلة التغيير وتحويل تونس الى ورشة كبرى للبناء والتنمية بما يمكن من اللحاق بركب الدول المتقدمة وهو الرهان الأكبر الذي وضعه بن علي شعارا لعملية البناء والتشييد والذي تنعم تونس الآن بخيراته وهي تقف على مرمى حجر من كوكبة الدول الناهضة. وعلاوة على البرامج والخطط الموجهة لإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية وتمكينه من لعب دوره كاملا في العملية التنموية فإن العناية اتجهت أيضا الى الملاعب والتجهيزات الرياضية والقاعات المغطاة بهدف تيسير تأطير أكبر أعداد ممكنة من شباب تونس وبهدف توفيرها فضاءات وتجهيزات في كل الولايات وفي التجمعات السكنية الكبرى لتمكين شباب تونس من فرص التكوين والتنشئة السليمة وما يتبعه من اكتشاف وتفجير طاقات مبدعة أسهمت أيّما إسهام في رفع راية تونس في المحافل الدولية.. وأسهمت قبل ذلك في تمكين شباب تونس من فرص تنشئة بدنية سليمة.. وتكفي في هذا الباب الاشارة الى أن القاعات الرياضية التي يبلغ عددها الآن 86 قد بنيت منها 81 قاعة في عهد التغيير فيما لم تنجز قبل التغيير إلا 5 قاعات فقط.. وكذلك إن عدد الملاعب المعشبة التي يبلغ عددها الآن 130 قد أنجزت 107 ملاعب منها بعد التغيير في حين أنجزت 23 منها فقط قبل التغيير. وعند هذا الحد تكتمل الدائرة وتتجسد النظرة الاستراتيجية لصانع التغيير والتي راهن فيها على الإنسان التونسي وخصّص مقدرات هائلة لتنمية عقله السليم في جسم سليم حتى يكتسب الرهان على التونسي كل أبعاده ومعانيه.. وهو رهان يروي أبعادا هامة من المعجزة التنموية التونسية ومن أسرار تركيزها على الإنسان أولا والإنسان أخيرا.