يتجدد موعد آلاف العائلات التونسية في اليومين القادمين مع نتائج الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا، ويتجدّد معها تعبير التونسيين عن تمسّكهم بمكسب التعليم كبوابة نحو الآفاق المستقبلية للأجيال المتعاقبة. وكما هو الحال في مثل هذه الفترة من كل عام، تمثل المناظرات الوطنية، وعلى رأسها الباكالوريا، فرصة لتقييم حال التعليم العمومي في تونس من حيث جودة التحصيل العلمي الذي يتلقاه التلميذ وكذلك من حيث الظروف الملائمة التي توفرها الدولة للقطاع. وعلى مرّ السنين مثّل التعليم العمومي في تونس أحد أهم مكاسب دولة الاستقلال التي راهن عليها الزعيم بورقيبة، وكان لذلك الفضل في مراكمة ثروة بشرية تونسية لعبت دورا أساسيا في البناء الاجتماعي والاقتصادي بالبلاد وشدّت إليها أنظار العالم ولا تزال، باعتبارها إحدى أهم الثروات التي تراهن عليها الدول والمجتمعات مهما بلغت قوتها الاقتصادية والمالية.. غير أن القطاع تعرض خلال العقود الماضية إلى عديد الهزات والتقلبات، بعضها مازال متواصلا إلى اليوم، وحاولت بعض الأطراف "ضرب" هذا المكسب الوطني. لكن رغم كل ذلك ظل التعليم في تونس محافظا على هيبته ومازال أغلب التونسيين متمسّكين به كمكسب وطني لا يجب التفريط فيه ولم تُحبط الأزمات والمشاكل التي يمر بها القطاع بين الحين والآخر من عزائم التلاميذ والعائلات والمربين.. كما ظل امتحان الباكالوريا شأنه شأن الامتحانات الوطنية الأخرى محافظا على بريقه ومصدر فرحة للعائلات وللتلاميذ الذين يجتازونه وكذلك للمدرسين ولمختلف العاملين في الحقل التربوي. وهو ما يؤكد ضرورة المحافظة على هذا المكسب وتوفير كل الظروف الملائمة لدعمه وتطويره. ورغم أن العام الدراسي المنقضي مرّ دون تقلبات او تعطيلات كبيرة إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب تواصل بعض المشاكل والهنات العالقة بقطاع التعليم. فأزمة المعلمين والأساتذة النواب مازالت في انتظار حلّ جذري ينهيها رغم ما حصل بشأنها من تقدم. وأزمة الزمن المدرسي مازالت بدورها تنتظر إصلاحا حقيقيا يجعل من التعليم وسيلة تعلم وليس عبئا على الأولياء والتلاميذ والمدرّسين. وهو ما ينطبق أيضا على أزمة مضمون البرامج التعليمية التي مازالت الى اليوم تقليدية وقديمة ولم تواكب التطورات التكنولوجية والعلمية وأيضا الاختصاصات الجامعية التي تأكد أيضا ان أغلبها أصبح دون انتظارات سوق الشغل. ويعاني التعليم في تونس من غياب الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة، فعديد المدارس والمعاهد مازالت تفتقر الى اليوم للربط بشبكة الانترنات ولا تتوفر بها حواسيب وتجهيزات مخبرية وعلمية متطورة. وتظل الأزمة الأساسية في القطاع هي أزمة البنية التحتية للمؤسسات التربوية التي لا تتوفر بعدد كبير منها الظروف الملائمة للتعليم من حيث توفر الأقسام والطاولات والكراسي، وهو ما يتسبب في الاكتظاظ داخل الأقسام، وكذلك غياب النظافة والصيانة لمختلف المرافق وأيضا غياب الجانب الجمالي عن بعضها.. كما يظل التعليم العمومي أيضا في حاجة الى تحسين ظروف المدرسين من مختلف النواحي حتى يقدروا على القيام بدورهم على الوجه الأفضل وعلى تقديم إضافة يستفيد منها التلميذ.. آن الأوان اليوم للمرور بسرعة نحو الإصلاح التربوي الشامل الذي تعهد به رئيس الدولة منذ مدة وتم في شأنه إحداث المجلس الأعلى للتربية. فالوقت يتقدم بسرعة ومن المفروض ان يقع التعجيل بهذا الإصلاح حتى لا تتراكم المشاكل والأزمات أكثر وعندئذ قد يصعب إصلاحها.. ولا مفر اليوم من أن يبدأ الإصلاح بتخصيص ميزانية أكبر لقطاع التربية والتعليم وحث القطاع الخاص وخاصة المؤسسات التي تستفيد من امتيازات وتشجيعات الدولة وتحقق أرباحا كبرى على المساهمة فيه في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.. لا يمكن للدول أن تتقدم دون تعليم.. فالمكاسب الدراسية والعلمية مثلت على مرّ التاريخ واحدة من الثروات الوطنية التي يستند إليها التطور الاقتصادي والرقي الاجتماعي والتنمية الشاملة في المجتمعات والدول. وما على الأطراف المتدخلة اليوم في قطاع التعليم إلا أن تعي ذلك جيدا. فاضل الطياشي