شركة اللحوم التي زارها مؤخرا رئيس الدولة هي مؤسسة عمومية تختصر واقع مؤسسات عمومية أخرى لم "تُفلح" في تحقيق فائدة لا لنفسها ولا الدولة ولا للمواطن.. هي من بين المؤسسات والهياكل العمومية التي كان الهدف من إحداثها تنظيم وتعديل سوق المواد الاستهلاكية الحساسة وأن تكون ذراعا مالية للدولة عبر بعض الأرباح التي تحققها وأن توفر لنفسها نفقات أجور أعوانها ومصاريف مستلزمات عملها. لكن هذه المؤسسات تحولت في السنوات الاخيرة الى عبء جاثم على صدر الدولة والمواطن بلا جدوى ولا فائدة تُرجى منها .. كان من المفروض أن تكون شركة اللحوم سندا للدولة والمواطن : تُربي المواشي وتنتج اللحوم الحمراء أو توردها، و"تُغرق" السوق بالإنتاج فتنخفض الأسعار ويأكل التونسي اللحم كسائر شعوب العالم ولا يُحرم منه مثلما هو الحال اليوم، وتحقق ميزانية الدولة بعض الأرباح.. وكان من المفروض أن يكون تسييرها بالطرق العصرية وبواسطة كفاءات حقيقية وباعتماد التكنولوجيا الحديثة.. وكان من المفروض أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لشركة السكر وشركة عجين الحلفاء والورق وشركة الفولاذ وشركة الفسفاط وشركة أسواق الجملة وديوان التجارة ودواوين الحبوب والزيت و الاعلاف وشركات النقل العمومي وشركات الإحياء والتنمية الفلاحية ودواوين الأراضي الدولية والصيدلية المركزية وغيرها من المؤسسات العمومية الاخرى... وكل ذلك حتى لا يُفسح المجال أمام "كارتالات" الاحتكار والمضاربة والسمسرة ليعبثوا بقوت التونسي وبمعيشته .. غريب واقع بعض المؤسسات العمومية في بلادنا والأغرب منه تعاطي الدولة معها بشيء من التساهل واللامبالاة. فأغلب هذه المؤسسات والهياكل العمومية مفلسة منذ سنوات ولا تنتج وتتكبد الدولة سنويا مبالغ طائلة من أموال دافعي الضرائب لخلاص الأجور والامتيازات داخلها. وفي المقابل لا يوجد داخل هذه المؤسسات غير مظاهر "الخراب" وسوء التصرف وغياب الحوكمة الرشيدة نتيجة ضعف وفشل مسؤوليها وموظفيها ومهندسيها ، وغير مظاهر الفساد الذي بلغ فيها مستويات غير مسبوقة. اليوم تقف الدولة شبه عاجزة أمام وضعية هذه المؤسسات في ظل الإفلاس المالي الكبير الذي تعاني منه وفي ظل تحوّل الفاسدون داخلها وفي محيطها إلى "عصابات" قوية لم تفلح أجهزة الرقابة في ردعها. واليوم يقف المواطن وقد فقد كل امل في ان يصلح حال هذه المؤسسات وفي إمكانية عودتها للقيام بدورها في توفير المواد الاستهلاكية وفي تعديل السوق والضغط على الأسعار.. فلماذا بلغ الوضع إلى هذا المستوى؟ الا توجد كفاءات و"أدمغة " داخلها كان بالامكان ان تتولى إصلاحها وانقاذها ؟ الا يمكن القضاء على الفساد داخلها؟ تحتاج هذه المؤسسات اليوم – حتى تسترجع عافيتها ودورها- إلى سياسة جريئة وشجاعة وسريعة من الدولة.. سياسة يقع القطع فيها مع مظاهر التسيب واللامبالاة وسوء التصرف داخلها وكذلك ردع الفاسدين فيها بشدة وصرامة وإيجاد حلول فنية ومالية لوضعها مجددا على السكة الصحيحة وضخ نفس جديد من الكفاءات داخلها.. فهذه المؤسسات لها ارصدة عقارية بقيمة مالية عالية لكنها مُهملة (شركة اللحوم أبرز مثال) وبالامكان التفويت فيها وتوفير اعتمادات مالية لاصلاحها. وهذه المؤسسات لها خبرة تاريخية وتقاليد عمل يمكن الاستفادة منها لتطوير نشاطها.. في كل دول العالم، ومهما بلغت درجة الليبرالية الاقتصادية فيها، توجد شركات وطنية حافظت عليها الدولة وتديرها بنفسها وتهتم بالقطاعات والمجالات الحساسة التي يُخشى من تغول الخواص فيها على حساب المصلحة الفضلى للمواطن المستهلك. وهو ما يؤكد أهمية الحرص في بلادنا على العناية بهذا الملف اقتداء ببقية دول العالم لان مزيد اهماله والتعاطي معه بلامبالاة سيفسح المجال نهائيا وبلا رجعة أمام توحش مُنفلت للقطاع الخاص وعندئذ سيقع سحق ما تبقى من مقدرة شرائية للمواطن وإنهاء ما بقي من دور اجتماعي للدولة .. فاضل الطياشي