بصراحة أصبح الأمر يدعو الى سؤال جديد : لماذا نضحي... وبماذا نضحي؟ أما لماذا؟ فقد أصبحت المناسبة الدينية العظيمة فرصة لأكل أكثر كمية ممكنة من لحم الضأن عوض أن تكون فرصة للعبرة! وأما بماذا؟ فقد عوضنا التضحية بخروف العيد بتضحية بالأموال والوقت، وحتى بالقيم! وهكذا وعوضا عن ذبح خروف أصبحنا نذبح معه، وكل عيد إضحى، الرسالة الكبيرة للمناسبة العظيمة، والدرس الروحي الذي ارتبط بأب الأنبياء سيدنا إبراهيم خليل الله، وبولده الرسول النبي البار سيدنا اسماعيل! وهكذا نقلنا بسلوكيات «منحرفة» درسا ثانيا خالدا إلى مناسبة استهلاكية تتكرر كل سنة، وتستنفر لها وبسببها كل الأطراف ولا يتعدى الحديث حولها، الثمن والسلعة والسوق، عوض أن يدور كله حول المعنى الروحي والمغزى الديني لها. وكأن أعيادنا (التي أصبحت بالمناسبة كثيرة ومتعددة) لم تعد تتعدى كونها مناسبات استهلاكية لا أكثر ولا أقل، يضيع فيها الجهد والمال ويضيع خلالها المعنى والمغزى والرمز!... لقد ارتبط هذا العيد بمعاني التضحية والفداء والتسليم والانصات لأمر الله مهما كان شديدا على النفس صعبا على الروح، كما ارتبط باختبار الله لرسولين كريمين، وبمدى ظنهما فيه، فكانا في مستوى المحنة، وكانا في مستوى ضنك الامتحان. ولا نعتقد أن هذا الدرس يمكن أن يتحول بعدهما، ليشكل صورة لا تتعدى شعوبا تمسك بموسى بقصد ذبح خروف، وصبية تمرح حوله قبل وبعد القضاء عليه، بل وتحدد حتى مواصفاته من حجم وقرون وإلية وغيرها! إن الأمر يصبح بهذه الصورة مدعاة للسخرية ويتحول بصراحة الى عبث لا يليق! إن لهذه المناسبة قداستها، ولا يمكن أن يتحول المقدس، إلى مشهد مادي صرف تجري خلاله دماء حمراء كثيرة ولا يشتم منها وبعدها إلا رائحة شواء، وأصناف قديمة ومبتكرة لأكلات تتنوّع، وتختلف من جهة الى أخرى، ومن منطقة إلى ثانية، بل ومن أسرة إلى أسرة أخرى، إننا بهذا الصنيع نكون قد أسرفنا في ما هو مادي، وأضعنا كل ما هو رمزي وديني، ونسينا أننا نكون قد آتينا محرما عوض أن نأتي مزيد القرب من الله ومزيد الطاعة له. نسأل الله أن لا نكون من الذين قال فيهم : {الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. ونسأله أن لا نكون من الذين قال فيهم الله تعالى على لسان نبيه ابراهيم {قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}.