واشنطن «الشروق» محمد دلبح: تزداد في العاصمة الأمريكية الشكوك إزاء السياسات الداخلية والخارجية التي ينتهجها البيت الأبيض حيث يسود اعتقاد بأن كبار مساعدي الرئيس الأمريكي جورج بوش يعمدون إلى توسيع نطاق السرية الخاصة بتلك السياسات، وقد حفلت مواقع كثيرة على شبكة الانترنيت بتقارير ومقالات تتهم الحكومة الأمريكية بأنها تدار من قبل «عصابة سرية» يتزعمها المحافظون الجدد وخاصة القيادة المدنية في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). فقد أعلنت المحكمة الأمريكية العليا يوم الاثنين أنها ستنظر في محاولة نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد (ديك) تشيني للإبقاء على سرية فريق العمل الخاص بسياسة الطاقة التي يديرها والتي كانت أوكلت لشركة إنرون للطاقة ، التي أشهرت إفلاسها العام الماضي، بالإشراف على التخطيط لها. كما أعلن البيت الأبيض يوم الجمعة الماضي عن تعرض الحاكم الإداري العسكري الأمريكي للعراق المحتل بول بريمر إلى محاولة اغتيال قبل نحو ثلاثة أسابيع، بدون ان يكشف تفاصيل المحاولة. وفي وقت لاحق من اليوم ذاته أعلن الرئيس بوش عن صفقة تجريد ليبيا من برامج تسلحها تم التوصل إليها خلال تسعة أشهر من المفاوضات السرية. كما تبين الأسبوع الماضي أيضا أن حكومة بوش تعمل على إبقاء المزيد من المعلومات الخاصة بالبنتاغون بعيدا عن مجال معرفة الشعب الأمريكي، وأنها أزاحت من موقع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ملاحظات كان أدلى بها مسؤول أمريكي عن أن البنتاغون أساءت تقدير تكاليف إعادة إعمار العراق بصورة كبيرة. إفراط في السرية وفي الوقت نفسه فإن رئيس اللجنة الاتحادية الخاصة بأحداث 11 سبتمبر 2001 الجمهوري، توم كين انتقد في ملاحظات نشرت الأسبوع الماضي السرية الحكومية التي لا داعي لها. وقال كين «لقد قرأت تلك الوثائق السرية للغاية، وفي معظم الحالات كنت أقول عندما أنتهي من قراءتها، لماذا اعتبرت هذه سرية؟، ولذلك فإنني آمل بأن يتم نزع طابع السرية عن الكثير من هذه الوثائق السرية.» غير أن مراقبين يعتقدون أن حكومة بوش يبدو أنها تسير ضد رغبة كين، فالأمل الذي أعرب عنه لا يمكن المراهنة عليه. ويضيف هؤلاء القول بأن حكومة بوش قد نجحت بصورة غير عادية في إبقاء مداولاتها السياسية بعيدة عن أنظار الجمهور وأن ملايين الوثائق الحكومية بما فيها الكثير من السجلات التاريخية التي كانت متوفرة في السابق قد أزيحت عن مجال معرفة الجمهور الأمريكي. وقد أظهر الأسبوع الماضي المدى الكامل لمحاولات حكومة بوش فرض السرية من كونه عملا مقبولا بصورة عامة على كونه عملا مثيرا للنزاع بصورة حادة. وترى دانا نيلبانك من صحيفة واشنطن أن هناك حالتين على طرفي نقيض الأولى الإعلان الليبي بشان تجريد ليبيا من أسلحة الدمار الشامل، حيث يقول حتى أشد المؤيدين للانفتاح الحكومي أنه كان من المفيد معالجة مثل هذه المفاوضات الحساسة بصورة سرية لأن الكشف عنها في موعد سابق لأوانه كان يمكن أن يقوض التوصل إلى اتفاقية. وفي الجانب الآخر هناك فريق العمل الخاص بتشيني الذي قامت مجموعات من الليبراليين والمحافظين بمقاضاته، ولكنه عارض بشدة نشر المعلومات الخاصة بفريق العمل الذي يشرف عليه رغم أنه لم يستحضر أي حق للسلطة التنفيذية أو اهتمامات تتعلق بالأمن القومي. وقد وصف الناطق باسم وزارة العدل الأمريكية مارك كورالو قضية الطاقة بأنها «حاسمة بالنسبة لعمل الرئاسة، ونيابة الرئاسة الفعال.» حدود ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون مورتون هاليبرين، أنه بالنسبة لقضية ليبيا فإن من المقبول تماما الإبقاء على بعض الأمور سرية وينبغي على الحكومة (الأمريكية) أن تكون قادرة على سبيل الافتراض إبقاء المفاوضات الدبلوماسية وخطط الحرب وأنظمة الأسلحة سرية.» غير أن هاليبرين، الذي يعمل حاليا في المركز الليبرالي للتقدم الأمريكي انتقد أعمالا أخرى باعتبارها تعبيرا عن الديكتاتورية، بما في ذلك قرار انتظار أسبوعين قبل الكشف عن تعرض موكب بريمر إلى هجوم من رجال المقاومة العراقية، وقال إن الانتظار ليوم أو يومين أمر يمكن تفهمه ولكن الانتظار لأسبوعين إنما يعتبر جزءا من محاولة لتصوير الأمور بأنها جيدة عندما لا تكون كذلك.» وكان الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان اعترف بأن البيت الأبيض قد علم في السابق بشأن الهجوم على موكب بريمر ولكنه فضل عدم الكشف عنه. وعندما سأله الصحفيون مرارا لماذا اختار البيت الأبيض ذلك، أجاب قائلا «تحدثوا مع سلطة التحالف المؤقتة.»