تونس الشروق: أشاد وزير الداخلية السوداني اللواء الركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين بالعلاقات القائمة بين تونس والسودان. وكان يتحدث ل «الشروق» على هامش مشاركته في الدورة الحادية والعشرين لمجلس وزراء الداخلية العرب. وذكر المسؤول السوداني بالزيارة التي أداها إلى تونس في مارس من السنة الماضية وبالعلاقات القائمة بين البلدين. وأشار إلى تكثف اللقاءات والزيارات، منذ سنتين بين المسؤولين في تونس والسودان، بتوجيه من الرئيس زين العابدين بن علي والرئيس عمر حسن البشير. وقال إن هذه العلاقات أثمرت مساحات واسعة جدا للتعاون الأخوي بين البلدين. وأكد حرص بلاده على الاستفادة من التجربة التونسية في جميع المجالات، وعلى الاستفادة من العلاقات القائمة تجاريا واقتصاديا واستثماريا. الوزير السوداني تحدّث ل»الشروق» أيضا عن قضايا الارهاب وعن العراق، وعن الأوضاع في الجنوب السوداني. * هل لكم ان تشرحوا لنا موقف السودان إزاء القضايا الأساسية المطروحة في دورة مجلس وزراء الداخلية العرب؟ هذه الدورة، متميزة جدا لأنها جاءت بعد أحداث ضخمة جدا في المنطقة العربية. وأهم تلك الأحداث، هو احتلال العراق، وهو حدث مازلنا نعيش آثاره حتى الآن. هو حدث له، بكل المقاييس، ما بعده، وهو حدث سوف يعيد بالتأكيد تشكيل المنطقة بصورة أو بأخرى ولعل آثاره ظهرت الآن في أكثر من موقع. ومن الواضح جدا أن هناك امتدادات لاحتلال العراق وهي تأكيد للأحادية، وللهيمنة الأمريكية، وتقوية للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وبالتأكيد سوف تدفع كل دولة ثمن ما حدث بقدر ما. هذه الدورة جاءت في ضوء كثير من عمليات الارهاب في بعض الدول العربية، مما جعل التركيز على مسألة الارهاب في هذه الدورة قوي جدا، وكل كلمات الاخوة الوزراء، ما خلت من اشارات واضحة بشأن الارهاب، وقد اتفقوا جميعا على ان المسألة أصبحت خطيرة للغاية وتمس كل الدول، وأصبح لها آثار كبيرة جدا على كل الدول، ورغم التفاوت فإن الأثر يمسّ كل الدول ولذلك برز اتجاه قوي جدا في معظم الكلمات عن ضرورة تكوين آلية خاصة، وسلوك سبل معينة على جميع المستويات للتضييق على هذه الظاهرة، عدة اقتراحات إذن تدل أن هذه القضية واضحة جدا.. والغرب أيضا يمارس نوعا من الضغط على الدول العربية لتخطوا خطوات أوسع وأكبر في هذا الاتجاه. صحيح ان الدول العربية بدأت باتخاذ هذه الاجراءات بدافع ذاتي، ولكن لا ينبغي أن نتجاهل الضغط الدولي، باعتبار ان القضية عالمية. كما بدأ الحديث عن جذور لهذه الظاهرة، ودواعي هذه الظاهرة، وما إذا كان ذلك تمرد على أوضاع معينة من الشباب، أو رفض للواقع العربي الحاضر، أو رفض للانكسار العربي عامة.. إذن اعتقد ان من أهم ما ميّز هذه الدورة بروز قضية الارهاب. وكلنا يشعر ان السنة التي مضت كانت سنة مثقلة بالأحداث ليس على مستوى العراق فحسب، وإنما أيضا على مستوى فلسطين، وما حدث بها، حيث ظهر الارهاب الصهيوني بصورة أقوى وأعنف، كما امتدت يد الارهاب إلى سوريا أيضا، خلال هذه السنة، وذلك الأمر هزّ الوجدان العربي هزّة شديدة... وكذلك أعلنت ليبيا عن رغبتها في تدمير أسلحة الدمار الشامل، وهنا أيضا اختلفت الآراء، والكل يتحدث من منطلق معين.. ولكن كل ما يحدث هو من آثار غزو العراق.. المنطقة العربية، هي في مرحلة مخاض حقيقي، ولا أعتقد أن هناك مسألة قد تبلورت فعلا الآن. * فعلا معالي الوزير، من خلال اللقاءات الثنائية التي أجريتموها، ومن خلال الكلمات التي ألقيت، هل لاحظتم وضوح رؤيا عربية ازاء الارهاب مثلا؟ لا يمكن أن أجزم بأن الرؤيا واضحة تماما، ولكن المؤكد اننا كعرب، قد لمسنا خطر الارهاب على الجميع. تلمس الخطر والاحساس به هو صورة واضحة وجلية جدا لكن أبعاد الحل والرؤيا مازالت تحتاج إلى مزيد من البلورة. * تحدثتم قبل قليل عن وجود ضغط دولي على الأطراف العربية، وفي هذه الظروف الدولية العصيبة المتسمة بالضغط، تقلّصت المساحة بين المسؤول والمواطن في العالم العربي، إزاء هذا الضغط الخارجي فهل لكم أن توضحوا لنا الصورة، حول ما هية هذا الضغط، وحول ما هو مطلوب أمريكيا تحديدا من العرب؟ هذه المسألة هي نتيجة لأحداث توالت منذ حرب الخليج، وربما قبل ذلك، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي والأحداث التي تلت ذلك في منطقتنا، وكذلك احداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم غزو أفغانستان.. وكل هذه الأحداث لعبت دورا في بلورة هذا الاتجاه. وبالتأكيد كل مواطن يشعر بهذا الأمر فالدبلوماسية لم يعد بإمكانها ان تغطي خطوات غاية في الهجومية والوضوح. المسألة واضحة جدا فالمواطن يرى هذه الأمور عبر الأنترنت وشاشات الفضائيات. والمسافة الآن بين المواطن والمسؤول الحكومي قد تقلصت جدا وخاصة على مستوى امتلاك المعلومة فالمعلومة تكاد تكون مشتركة بين المواطن والمسؤول. ولذلك تشعر أنك عندما تجلس إلى المسؤول العربي فانه يعكس وجهة نظر الشارع العام، حيث تشعر انه يعكس وجهة نظر المواطن وصحيح ان المسؤول يتحمل المسؤولية أكثر، ولكن المواطن يعبر عن رأيه. وبشأن ما هو مطلوب من العرب، فأخشى ان المسافة قد تقلّصت أيضا بين ما هو مطلوب أمريكيا وما هو مطلوب صهيونيا وهذه مسألة لابد أن نأخذها في الاعتبار، إذا كانت المسألة، هي فقط مكافحة الارهاب ووقف النشاطات الارهابية، فإن هذه الدول المتأثرة من الارهاب هي أحرص على مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، ولكن عندما تكون هناك مطالب أمريكية ومطالب صهيونية، فتلك هي الخطورة وأنا أعتقد ان الصهيونية تصطاد في كل هذه المعاني، وفي كل هذه المياه العكرة وتلك هي الخطورة. اننا نشعر بامتداد اليد الصهيونية في كل موقع لتلعب دور ما. والخطورة ان الادارة الأمريكية، تعمل في بعض الأحيان على تحقيق أجندة ليست أجندة أمريكية ولكنها تكون في بعض الأحيان صهيونية. وهنا مكمن الخطر. نعم لم يعد خافيا، ان الأمريكان قد دخلوا المنطقة من أجل ثروتها وبترولها. وكل مواطن يدرك ان ذلك لا يحدث لاحقاق الحق ولاحلال الحرية والديمقراطية... بعد احتلال العراق المسألة أصبحت واضحة جدا فليس الأمر متعلقا بحرية أو عدل أو حقوق انسان، أو ديمقراطية.. المسألة هي الكيل بمكيالين، وهي قضية واضحة جدا في السياسة الأمريكية. ولكن أعتقد انه على الغرب ان يدرك انه قد يحقق بعض الأهداف بالقوة، ولكن لن يكون ذلك لأمد طويل، لأن قهر الشعوب مسألة صعبة جدا. وأعتقد ان أحد الأشياء الهامة لمعالجة الارهاب أو العداء العربي لأمريكا، هو معالجة القضية الفلسطينية. المواطن العربي يصحى وينام على أنين الشعب الفلسطيني، وهو يشعر ان ذلك هو الظلم الأمريكي، وبذلك تتراكم الأحقاد لدى هذا المواطن، ومن الصعوبة ان نجنّد حارسا لكل مواطن عربي أو مسلم. أعتقد ان خط الدفاع الأول في مواجهة الارهاب هو تحقيق العدل على المستوى العالمي. وإذا لم يتحقق ذلك فتظل هذه الظاهرة تتمدّد وتتوالد، لأن الباعث الحقيقي لها هو الشعور بالظلم، والمظلوم أحيانا ما يتصرّف بدون عقل أو وعي.. صحيح ان الاحداث الارهابية تأتي بنتائج عكسية وتمسّ أبرياء، ولكن المظلوم يتجاوز كل ذلك بسبب ذلك الظلم. وأعتقد ان أول خطوة هي معالجة هذا الظلم، حتى لا يشعر العربي أو المسلم بأنه مضطهد، في ارضه او عرضه او دينه... فالتدابير الامنية وحدها لا تكفي، واعتقد انه ينبغي رفع الظلم أولا. * خلال كلمتكم في جلسة الافتتاح أفردتم الوضع في العراق بفقرات مطوّلة، فما هو الموقف في السودان ازاء ما حصل ويحصل في العراق؟ نحن نؤمن بأن أهل العراق هم ادرى الناس بالعراق ويجب ان يكون الخيار، لأي نظام حكم في العراق، هو خيار الشعب العراقي. هذه مسألة بديهية. شعب العراق، له جذور تاريخية وحضارية ضاربة في التاريخ وهو صاحب ارث حضاري كبير، وبالتالي، فإن مجرّد الوجود الامريكي في هذا البلد، مهما كان مبرّر هذا الوجود، هو استفزاز كاف جدا للمواطن العراقي. ولا أعتقد أن المسألة قد انتهت باعتقال صدّام. المسألة لم تنته. المقاومة الموجودة هي مقاومة للاحتلال، بعد احساس المواطن العراقي بالاهانة، ففي القرن الواحد والعشرين، يكون العراق صاحب الحضارات والامجاد والتاريخ، بلد محتل. وهذا الشعور كاف لوحده بأن يزلزل الارض تحت اقدام هؤلاء. ولذلك اعتقد أنه ينبغي البحث عن معادلة يخرج بها الاحتلال من العراق، ثم بعد ذلك ترتب الاوضاع بحيث يتم ضمان المشاركة الكاملة للمواطن العراقي، بكل خلفياته وانتماءاته، لأن المعادلة الوطنية ذاتها في العراق، معقّدة. ولذلك أقول ان أهل مكّة أعلم بشعابها، وأهل العراق، أدرى الناس بالعراق ظاهرا وباطنا. ولذلك أعتقد أنه ينبغي أن توكل إليهم وحدهم المسؤولية في العراق. * وحسب رأيكم هل تعتقدون انه من السهل اخراج الامريكيين الآن من العراق وجعل العراقيين فقط مسؤولين على العراق؟ طبعا أنا لا أعتقد ذلك، لأنني على قناعة بأن الامريكيين لم يدخلوا العراق ليخرجوا منه، ولم يدخلوا الى العراق ليحرروا الشعب العراقي. ولكن تظل المسؤولية في القيام بذلك على مجلس الحكم الموجود في العراق والاخوة الذين يتولون الأمور ظاهريا في العراق. ولا أعتقد ان الشعب العراقي سيهدأ وسينقاد للاحتلال، ولي شعور حقيقي بأن الدوافع التي دخلت بها الولاياتالمتحدةالامريكية العراق هي دوافع لاحتلال المنطقة، والسيطرة على النفط والمنطقة عموما... وفي حقيقة الامر اشعر بالحزن عندما أستمع الى من يتحدّث عن اعانة العراق، ومساعدته... هذا العراق الذي ظل يعين الناس منذ القدم... العراق هو الدولة التي تنتج تقريبا مليوني برميل في اليوم من النفط... هذا العراق ليس محتاجا لأن يدفع له هذا الطرف او ذاك... حتى على مستوى العلم فإن العراق بلغ ما لم تبلغه الدول العربية... إذن الامريكيون دخلوا للاستيلاء على ثروة العراق، ولحماية اسرائيل... ومهما تحدّثوا عن صدّام، فإن السبب الرئيسي الذي جعل الامريكيين يدخلون العراق، ليس في صالح العراقيين، وصحيح انهم لم يتوقعوا المقاومة الحالية ولكن ذلك هو رد الفعل الطبيعي على الشعور بالظلم. وأي مواطن عادي في العراق سيقول لك ان الامريكيين لم يدخلوا العراق لتحريره. * في ضوء هذا الوضع الدولي العام، نأتي الى السودان، ومسألة المفاوضات مع المتمردين في الجنوب، فنود أن نعرف لماذا لم يتم ابرام اتفاق وكان يتم الحديث عن التوصّل الى اتفاق قبل نهاية السنة المنتهية منذ أيام، ثم في ضوء هذا الاطار الدولي العام، الذي أصبحت فيه الضغوط الامريكية في كل مكان، كيف تتعامل الخرطوم ازاء هذه المسألة، وهي التي تدرك ان المتمردين يحظون بدعم امريكي واسع، وان هؤلاء يريدون فرض اشياء بعينها؟ بداية اريد أن أقول ان مسألة جنوب السودان لم تلق حظها في الوعي العربي باعتبارها قضية قومية هامة جدا، من حيث انها بوّابة العروبة والاسلام نحو افريقيا ومن حيث امكانيات زيادة مياه النيل... هذه القضية لم تأخذ هذا البعد القومي العربي والاسلامي في الثقافة العربية... ثم ان اتفاقية مشاكوس (كينيا) وضعت اطارا عاما جيدا، فهي حسمت قضايا اساسية: قضية تقرير المصير كخيار بالنسبة لمواطني جنوب السودان، وحسمت قضية علاقة الدين بالدولة بصورة واضحة، وحسمت مسألة ما هو الجنوب، وهو حدود 56 التي تركنا عليها الاستعمار وبقيت بعد ذلك قضايا مهمّة وهي الترتيبات الامنية، وقضايا توزيع الثروة وقضايا توزيع السلطة وقضايا المناطق التي امتدت عليها الحرب، وقضايات العاصمة القومية... رغم ان هذه القضية حُسمت في مشاكوس حيث حسمت ما هو نوع الدستور المطلوب لشمال السودان ولجنوب السودان، والعاصمة القومية هي بالتأكيد في شمال السودان.. الآن حسمت قضية الترتيبات الامنية وأخرى حسمت قبل يومين وهي توزيع الثروة، لكن مازال أمامنا قضايا السلطة والمناطق الثلاث وربّما تثار مسألة العاصمة مرّة أخرى رغم انها حُسمت، لأننا تعوّدنا ان قضايا تُحسم ثم يُعاد طرحها من جديد، حتى قضية تقاسم الثروة، حسمت قبل اسبوعين تماما، وبالتفاصيل وبلّغنا في الخرطوم، ان كل شيء على ما يرام وسيتم التوقيع، ولكن عندما ذهب الوفد وصيغت الافكار على الورق وحان التوقيع، حدث التراجع وكان يفترض ان يحصل التوقيع قبل نهاية السنة الماضية ومازال الامر مستمرا... المهم الآن ان هناك وقف اطلاق نار ووقف لنزيف الدم في السودان وهذا مهم جدا. ونحن نعتقد أننا ما دمنا نجلس للتفاوض وما دمنا اوقفنا نزيف الدم، فقد حققنا انتصارا ضخما. وهي خطوة هامة. أما الموقف الامريكي فقد تحوّل، فخلال سنة 91 و92 في أبوجا، كاد وفد التفاوض ان يصل الى اتفاق، وكان زعيم التمرّد في امريكا، ومن واشنطن رأسا تحوّل الى أبوجا، واوقف المسألة، لأن الموقف الامريكي في ذلك الوقت كان يعتبر ان قضية الجنوب، هي احدى أسلحة اسقاط النظام في السودان، لأن سياسة هذا البلد كانت تعمل على اسقاط النظام في الخرطوم من خلال دعم حركة التمرد، وتشويه علاقات السودان بجواره والضغط الاقتصادي والمؤسسات النقدية الدولية... ثم بعد فترة يئست، حتى بدأ كلينتون في اخر عهده نوع من الحوار مع النظام، ونوع من تغيير الموقف، «من تغيير النظام» الى «تغيير سلوك النظام من خلال التعامل معه». وكون واشنطن تحولت من موقف العداء، الى نوع من الانخراط لحل المشاكل، فإننا نقبل ذلك ولكن لنكن واعين تماما بالاهداف والمرامي، لأن هدفنا هو ايقاف سفك الدماء. * وما هي الاهداف الامريكية؟ الامريكيون يريدون هذه القضية جزءا من الحملة الامريكية في الانتخابات القادمة... وكذلك ضغط الشركات الكبرى البترولية والاستثمارية التي تريد العلم في السودان... وخلال عامين سيصدّر السودان نصف مليون برميل والمناطق التي لم يتم استكشافها بعد شاسعة جدا، اذن هناك اغراض سياسية واقتصادية... وكلها تظافرت على اساس ايجاد حل ونحن حريصون على ان هذه اليد التي مدّت للمساعدة، لا نرفضها، خاصة اذا كانت تريد ان تساعد وتحاور... * حركة التمرّد تلاقي الدعم الكامل من الطرف الامريكي، وربّما في مثل هذه الظروف الدولية يحاول الامريكيون فرض حل، لا يوافق عليه السودانيون. نعم حركة التمرد تحظى بدعم امريكي قوي، كما ان هناك تعاطفا من اليمين الامريكي معهم ولكن سياستنا نحن ان نبقى في المفاوضات والا نغادر طاولة المفاضوات، لأن الحوار دائما أسلم من البندقية. ولكن سنظل نتمسك بثوابتنا وستظل لدينا خطوط حمراء معروفة. وسوف نظل مرنين من أجل التوصل الى حل عادل ودائم.