كان للثورة التونسية كل الفضل في انتعاش المشهد السياسي حتى أن هناك من وصف المرحلة ب«فترة ازدهار صناعة الأحزاب والصناعات السياسية بصفة عامة» وهو ما ساهم بدوره في ضخ الدماء في شرايين عدد من القطاعات والمهن. «الشروق» بحثت في الموضوع، وكان هذا التحقيق التالي: كان لولادة عدد من الصحف الحزبية أثر جيد على عدد من المطابع، اذ أنها وجدت مصدرا جيدا للمال، وأصبحت مشروعا مربحا رغم تكلفته. ويحضر «عادل الحامدي» وهو أستاذ عمل سنوات في الخليج وعاد الى أرض الوطن لفتح مطبعة، وقال «ان مثل هذا المشروع ناجح جدا خاصة ان لي علاقة جيدة بالاوساط السياسية، وان فتح مطبعة هذه الأيام قد يكون له تأثير جيد على مستقبل هذا المشروع». وخلافا لطباعة الصحف، فإن المطابع تعمل هذه الأيام على طبع المعلقات والكتيبات التي تستعملها الأحزاب في التعريف بنفسها، كما ينتظرها العمل الكثير ونحن على أبواب الحملة الانتخابية السابقة للاستحقاق الانتخابي والذي سيشهد منافسة كبيرة بين 105 أحزاب يعملون قانونيا. وكالات الإشهار فبعد الثورة بأسابيع انطلقت الحملات الاشهارية التعريفية بالاحزاب وأطروحاتها وصرفت الأموال الكثيرة في هذا الشأن، بعد ان كان هذا الامر يحتكره الحزب الحاكم سابقا مستعملا جميع الطرق الشرعية واللاشرعية وجميع مصادر التمويل لها التطوعية ومن المال العام ايضا. وأصبحت الطرقات تمتلئ بالمعلقات الحزبية الاشهارية وأصبح لوكالات الاشهار مصدر جديد للربح وسوق مفتوحة على فرعيها تتنافس فيها الأحزاب. ويرى هيثم النمري وهو عامل بوكالة اشهار ان العمل مع الأحزاب السياسية هو مصدر مهم للربح بالنسبة للوكالة التي يعمل بها. ويعتبر النمري ان هذه المرحلة التي تمر بها البلاد نتائجها صحية لعمل وكالات الاشهار، بل ان هذه الوكالات أصبحت تتعامل مع الأحزاب بطرق انتقائية، فمن له أموال حاضرة، ومن يدفع أكثر، فإنه «سينعم» بمنتوج اشهاري جيد. نوادي السينما عدد من الفنانين وايضا السينمائيين الشبان والهاوين وجدوا مصدرا لتمويل أعمالهم، او وجدوا عملا اضافيا فنيا يكفيهم شر الحاجة خاصة ان سن أغلبهم لا يتجاوز العقد الثالث تقريبا، ويعتبر هنا أسامة بوعزيز عضو المكتب الفيدرالي بالفيدرالية التونسية للسينمائيين الهواة «أن عددا من الشباب انخرط في تحضير أعمال تخص الأحزاب والجمعيات وذلك بتغطية نشاطات عدة هياكل حزبية». ويضيف أسامة «رغم أني لست موافقا على مثل هذا العمل الذي قد يكون له تأثير في استقلالية السينمائيين الشبان، الا ان اتجاههم خارج أطر الجامعة لمثل تلك النشاطات هو عمل حر ولهم كل الحرية في ذلك». وكالات الاتصال وضع استراتيجيات للحملات الانتخابية واستراتيجيات اتصال هو تقليد جديد في الساحة السياسية التونسية وقد بدأ في الظهور اثر الثورة التونسية فاعتمده العديد من الأحزاب خاصة «ميسورة الحال». وعلى صعيد الذكر لا الحصر نذكر كلا من الحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل من أجل العمل والحريات والاتحاد الوطني الحر كما عدد من الأحزاب الأخرى التي تعتمد في اتصالها بالمواطنين وفي تقديم نفسها فرقا نضع استراتيجيات اعلامية واتصالية. ويقول أحد المشرفين على وضع استراتيجيات اتصالية يعمل مع التكتل من أجل العمل والحريات «أن المرحلة الحالية تتطلب عملا منظما وعلميا وأن النجاح في الوصول إلى المواطن بالنسبة للأحزاب وخلق «صورة» جيدة في أذهانهم تتطلب مجهودات كبيرة وعملا منظما وفرقا محترفة قادرة على وضع مثل تلك الاستراتيجيات. الصحافة يعتبر عدد من المتابعين أن الصحافة «صناعة» و إن سلمنا بهذا الأمر فإن صناعة الصحافة تشهد ازدهارا منقطع النظير في هذه المرحلة وتمكنت عدد من الصحف الحزبية فاقت العشرة على تأشيرة العمل القانوني وقد تطلب اصدار كل عدد منها انتدابات صحفية وتقنية ساهمت في التقليص من أزمة «البطالة» التي نخرت قطاع الصحافة لسنوات ويعتبر عبد الرحمان الهذلي وهو صحفي بإحدى الصحف الأسبوعية الحزبية أنه ليس بمنتظم في الحزب الذي يعمل في صحيفته ولكنه وجد وسيطا صحفيا محترما وأجرا محترما اضافة إلى الحفاظ على الاستقلالية. وعشرات من الصحفيين الشبان وجدوا حالتهم مثل عبد الرحمان وانطلقوا في العمل الفعلي في الصحافة ليأخذوا فرصا كما زملائهم وامكانياتهم من خلال صحف حزبية ظهرت بعد ثورة شباب. «تقنيون» هي مهن أخرى أصبحت مطلوبة لدى الأحزاب اذ أن عددا من الأحزاب طلبت «تقنيا في الحاسوب» حتى يعمل معها ويقول التقني عمر متقي «وجدت اعلانات في الانترنات يبحث من خلالها عدد من الأحزاب على تقنيين في الحاسوب وذلك بعرض معالجة الصور التي يظهر فيها زعماء تلك الأحزاب وأيضا بحثوا عن تقنيين ليبتكروا شعارات للأحزاب» فعديدة هي الأحزاب التي ولدت بعد الثورة والتي ابتكرت شعارات تركز لها كما أن عددا آخر منها بحث في تطوير شعاره حتى يتماشى وطبيعة العصر وأيضا التقنيات الجديدة المتوفرة وطلبات الشارع». فرمز الحزب أو شعاره أصبحت له أهمية قصوى في تسويق صورة الأحزاب. الفنادق كثيرة هي الندوات الصحفية واللقاءات والمنتديات وما إلى ذلك من النشاطات التي تتطلب فضاءات مجهزة ومكيفة وأيضا فاخرة في بعض الأحيان وفي «الفنادق» فضاءات مخصصة لمثل تلك النشاطات ويبدو أن الموسم السياحي الحالي ومردوده المتواضع جدا جعل عدد من الفنادق بل أغلبها تفتح المجال إلى الأنشطة الحزبية وتبحث عن مصادر أخرى للجني والربح. وخلافا للعهد البائد الذي كان يمنع النشاطات الحزبية ويضيق الخناق على الفنادق لتجد مصدرا آخر للربح فإن الثورة كان لها الأثر الإيجابي على هذا القطاع أي «القطاع الفندقي» في هذا الموضوع ولكن كان للفوضى وبعض الانفلات الأمني الأثر السلبي عليها إذ أن فنادقا عرفت بعملها المتواصل على مدار العام مع السياح الأجانب عانت طيلة أشهر الصيف من خلوها شبه التام من مثل هؤلاء الحرفاء. «الفايس بوك» ظاهرة أخرى تشد الانتباه تكررت في أكثر من مناسبة وانتفع منها عدد من المدونين...إذا أن عددا من الأحزاب اشترت صفحات في «الفايس بوك» للتعريف بنفسها وحتى تكون صوتها في الفضاء. «الصفحات» التي انتفعت منها الأحزاب هي صفحات ظهرت وكان اشعاعها قويا ومؤثرا أيام الثورة وبعدها وتأثير «الفايس بوك» كان محل متابعة دقيقة للأحزاب التي تبحث عن أكثر من مجال وفضاء للتعريف بنفسها. وقد راجت في الأسابيع القليلة الماضية أخبار أكد أصحابها أن «صفحات فايس بوك» باعها المدونون المشرفون عليها لحركة النهضة وللاتحاد الوطني الحر» هي مجالات وقطاعات انتعشت جميعها من الثورة ومن فترة الانتقال الديمقراطي بما تشهده من منافسة بين الأحزاب للوصول إلى السلطة ولكن هل يتواصل انتعاشها بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة هو سؤال ستجيب عنه الأشهر التي تلي الاستحقاق الانتخابي.