انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور عبد الوهّاب بن حفيظ ل«الشروق»: أخطاء اليسار وقناة نسمة والتصويت العقابي ...سرّ الحضور الكبير للنهضة
نشر في الشروق يوم 29 - 10 - 2011

سوء تقدير الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في إلغاء الأصوات التي حصلت عليها العريضة الشعبية في سيدي بوزيد كان وراء الاحتقان الذي تعيشه المدينة منذ يومين.
هذا ما يراه الدكتور عبد الوهّاب بن حفيّظ أستاذ علم الأجتماع ورئيس منتدى العلوم الاجتماعية التّابع لمركز الدراسات والبحوث الاجتماعية الذي خصّ «الشروق» بهذا الحوار الذي نقرأ فيه نتائج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وتفاصيل المشهد السياسي الجديد.
كيف تقرأ النتائج التي أفضت إليها الانتخابات في ضوء التجاذبات الحزبية الحاصلة بعد الإعلان عن النتائج؟
نتائج الانتخابات لا يجب ان تقرأ إلاّمن خلال صنفين من التصويت، التصويت الانخراطي الذي هو نتيجة طبيعية لتعبئة انتخابية ناجحة على أساس شعار لافت أو برنامج لافت Le vote adhésion والتصويت العقابي.Le vote sanction الذي يأت كرد فعل . لذلك، فانه في الحالة الأولى يقوم الناخب بالتصويت على أساس برنامج وفي الحالة الثانية يصوت نكاية وعقابا موجها بعنوان القطيعة مع ماض ما. لكن هناك ما هو أهم وألفت للنظر. فالتجربة في تونس ، أغنت السياسات المقارنة بظاهرة لم تكن معروفة في سوسويولوجيا الانتخاب وتتمثل في ما يمكن أن نسميه بالتصويت «مع تحويل الوجهة»، بحيث وظفت العريضة الشعبية مثلا ووظف رئيسها بالذات من أجل وصول قواعد انتخابية للحزب الحاكم السابق إلى المجلس التأسيسي. نحن إذن أمام ثلاثة أصناف من التصويت: انخراطي، نتيجة لاستثمار الأحزاب الكاسبة لماضيها النضالي، وعقابي، نتيجة لسوء إدارة الحملة من قبل الأحزاب اليسارية الأخرى، بحيث قامت التعبئة المضادة كرد للتعبئة ضد «المقدس»، واخيرا كان هناك تصويت مع تحويل الوجهة من خلال الطفرة الانتخابية للعريضة الشعبية، وهي من دون شك حالة فريدة في السلوك الانتخابي المقارن، حيث يختلط عمل الشبكات التجمعية مع العمل شبه السري مع التصويت العلني.
بعيدا عن الأرقام، هل هناك مدلول سوسيولوجي يمكن أن يفسر تشكل الأغلبية الجديدة وهل هي فعلا أغلبية؟
نحن أمام مرحلة جديدة هي أكبر من الحراك الحزبي والسياسي، إنها تتعلق بتغير عميق في الثقافة السياسية للتونسي. كنا دائما نقول بأنه ثمة في كل بلد أغلبية اجتماعيةUne majorité sociale وأغلبية ثقافيةUne majorité culturelle وأغلبية سياسية Une majorité politique. وخلال نصف قرن مضى لم تكن الأغلبية الثقافية تتلاءم وتتناسب مع الأغلبيات السياسية المصطنعة بالانتخابات المزورة. أما الآن، فيمكن أن نلاحظ بأن الجغرافيا الانتخابية قد يكون لها معنى وأنه ثمة خطوات حقيقية نحو إيجاد ملاءمة موضوعية بين تشكل الاغلبيات السياسية والثقافية والاجتماعية. فالملمح السوسيولوجي لناخب الأحزاب الغالبة (النهضة، التكتل والمؤتمر) هو من دون شك، من فئات أدنى السلم التى عانت من «الحقرة» والطبقة الوسطى. أما الأقلية السياسية الجديدة، فهي سوسيولوجيا منحدرة في الغالب من برجوازيات المدن.
هناك شيء لم تتحدثوا عنه، ضمن هذه الخارطة الانتخابية ، اين نضع مفاجأة العريضة الشعبية من الناحية السوسيولوجية وكذلك القاعدة الانتخابية التقليدية للتجمع الدستوري؟
هؤلاء يخضعون أيضا لذات التوزيع الجغرافي الانتخابي. فمثقفو التجمع من ذوي الميولات الليبرالية كانوا قد صوتوا في جانب هام منهم للتكتل من اجل العمل والحريات الى جانب النواة الواسعة من أبناء الطبقة الوسطى المتعلقين فعلا بكاريزما مصطفى بن جعفر،ومنهم من رمى بالقارورة فارغة أيضا لدى قائمات أحزاب أخرى مثل آفاق والمبادرة وحتى التقدمي. أما الكوادر الوسطى التي كانت تعمل ضمن الأطر الترابية للتجمع فجانب كبير منها، وخصوصا في الضواحي المهمشة والمدن الجديدة، لم تتردد في التصويت لحركة النهضة لأسباب تتعلق بالتموقع الثقافي والنفسي والجواري لمرشحي هذه الحركة. في المقابل كانت القاعدة الريفية التجمعية قد صوتت للعريضة الشعبية والتي وجدت فيها تلاؤما بين ضمان الدخول من خلال عنوان سياسي جديد ، وبين طبيعة الوعود الشعبوية للقائمة والتى تتلاءم مع الحاجات الملحة لريف القيروان وسيدى بوزيد والقصرين. من المهم هنا أن نعي مخاطر تحويل الوضع إلى مشكلة جهوية غير قابلة للحل.
هل ترون أن قرار إلغاء القائمات في هذه الحالة صائب؟
يجب أن لا ننسى أولا وقع المفاجأة والتي عكست الحجم الحقيقي للتصويت على العريضة . هناك قاعدة انتخابية تابعة للحزب الحاكم السابق عبرت نفسها في الساحل ولم يطرح ذلك إشكالا، فلماذا يتم إلغاء قائمات العريضة التي تأكد حضورها في الأوساط الريفية وغير المدنية. في ظني ان الهيئة عملت تحت ضغط جانب من الرأي العام. وعليها الآن ان تعمل على التهدئة وعدم «احتقار» الأطراف التي وراءها وإحالة الموضوع على القضاء. لا شك بأن شخصية من وراء العريضة مثيرة للجدل والجميع يعرف ذلك، كما أن حظوظه السياسية كشخص هي شبه منعدمة، لقد تم توظيف عنوانه كأصل تجاري لا أكثر، من أجل تأمين وجود «التجمعيين» من غير منطقة الساحل، للتواجد في المجلس. وعلى الوزير الأول وبالتوافق مع الهيئة أن يسعى في اتجاه حل قضائي مستعجل وعدم الاكتفاء بقرار الهيئة الذي تسبب في ردود أفعال عنيفة.
هناك مخاوف كبيرة على حداثة المجتمع وتقاليده في الانفتاح ونمط العيش من صعود الإسلاميين ،هذه المخاوف الى أي حد يمكن تبريرها؟
هناك شقين في السؤال، الأول يتعلق بحظوظ تحول حركة دينية إلى حزب مدني، ومنها ما يتعلق بنمط العيش. بالنسبة للجانب الأول، نعم بإمكان الحركات الدينية أن تتحول إلى حركات مدنية على غرار ما حدث للديمقراطيات المسيحية وأيضا لبعض الأحزاب الدينية – القومية الارتودوكسية. لكن ذلك سيتطلب وقتا يتأكد فيه الانتقال من ثقافة الفرقة الناجية وفق الثقافة السياسية السنية الى ثقافة «الحزب» المختلف. هناك من هذه الأحزاب من نجح (حالة تركيا) وهناك من فشل بعد انتصار ( اندونيسيا ) وبالنسبة للنهضة يبدو أنها بالفعل قد خطت خطوات في هذا السياق لا تقل عن تلك التي نجدها لدى أحزاب تحمل عنوان العلمانية. وإلا فكيف نفسر دعمها للتناصف بين الرجل والمرأة في حين لم تساند هذا المبدأ أحزاب أخرى مثل الديمقراطي التقدمي؟ في المقابل أن يكون لها قواعد راديكالية هذه مسألة أخرى، وقائمة، لكن ليس إلى درجة الخوف من مصير مكتسبات، هي في الحقيقة قليلة، لأن المطلوب تعزيزها.
وماذا في ما يتعلق بتهديد نمط العيش، ثمة من بدا بالفعل يتخوف من بعض التجاذبات بالنسبة للمستقبل؟
نمط العيش بدأ يتغير مع بن علي خلال أيام حكمه الأخيرة، وبالتزامن مع الصعود السياسي لأحد أصهاره والانفتاح على الاستثمار الخليجي قبل الأزمة المالية العالمية لسنة 2009 . ومع كل المخاوف التي يطرحها مثل هذا التغيير ومدى مسه من الحريات الفردية، فإن الحل يظل دائما في وجود قوى رقابية وحقوقية تدافع عنها. من جانب آخر علينا ان ننتبه الى الاستعمال المشط لنمط العيش كتعبير غامض على خصائص الصراع الاجتماعي. فخلال الحرب الباردة كان الغرب يعمل على التعبئة ضد الاتحاد السوفياتي من خلال الدفاع عن نمط العيش الليبرالي. وتحت هذا العنوان تم خوض حرب الفيتنام، وهو لم يكن السبب الحقيقي بالطبع. كذلك تعمل العديد من النظم الاستبدادية في الخليج العربي على تأبيد الاستبداد دفاعا عن نمط عيش محدد ، في سياق من السكيزوفرينيا ومن النفاق الاجتماعي. في كل ذلك أرى حقيقتان: الأولى هي أن التونسي والعربي عموما لا يستوعبه نمط معيشي واحد. نحن نعيش حالة تداخل موجات وموضات وأنماط Une interférence. لنتذكر كيف أن عديد المحجبات كن على قائمات أحزاب يسارية وأحزاب أقصى اليسار، وكيف أن هناك من غير المحجبات من وجدن على رأس احدى قائمات حركة النهضة . قد لا يكون للأمر دلالة كبرى، ولكن مزاج التونسي يتسع لحالة من تعدد الخيارات. ومن لم يفهم هذه الحقيقة اليوم سيكون تأثيره محدود مستقبلا. ثانيا: إن تصريحات قيادات الأغلبية الجديدة قد أكدت وفي أكثر من مناسبة التزامها باحترام نمط عيش التونسيين واحترام الحريات الفردية. وأرى في ذلك ضمانات مهمة ..البقية ...علينا أن نسمع ونرى.
الحديث عن الاغلبيات يحيل الى الحديث عن الاقلية المرتقبة ودورها المرتقب ، لماذ افشل اليسار وما هو مطروح عليه أن يفعل؟
متابعة المنتدى لاجتماعات الحملات الانتخابية أكدت لنا بعض المعطيات الهامة ومنها غلبة البعد العاطفي على البعد المنطقي الحسابي. ثمة حزب لم يتم الحديث عنه وهو حزب الاعلام. أرى أن دور الإعلام وقناة نسمة كان حاسما. لقد أدى الخط التحريري للقناة الى الخلط بين السياسي والديني فسقط في أسلوب المقاربة الشمولية والسلفية من حيث لا يدري . لقد تمت مواجهة خصم سياسي من خلال مواجهة خاسرة مع المكون النفسي – الثقافي للناس. كما كانت طبيعة الحملات الاديولوجية لليسار بمثابة اللاعب الذي سجل ضد مرماه على وجه الخطإ. لم يمثل اليسار ثقلا سوسيولوجيا حتى نتحدث عن تراجع. المؤسسة الوحيدة التي كان من الممكن أن تلعب دورا هي اتحاد الشغل، الا أنه لم تتطور النقابة الى حزب عمالي كما كان الحال في أوضاع تاريخية شبيهة (على غرار حزب العمال البريطاني)، حيث جاء ظهور حزب العمل محتشما وتطغى عليه نزعة نخبوية ، في حين لم يستفد حزب العمال الشيوعي من مؤتمره ليتفاعل مع اللحظة التاريخية للثورة ليسقط عنوان «الشيوعي» والذي يمثل عائقا بسيكو-ثقافي لو تخلص منه الحزب لكان ربما القوة السياسية الثانية في البلاد، نظرا لعراقته ولرصيده النضالي الهام.
وماذا عن يسار الوسط، وخصوصا هزيمة الديمقراطي التقدمي؟
لا أفهم ما معنى هزيمة هذا الحزب؟ هل كان له حجم أكبر ثم تراجع؟ أرى ان تضخيم دور هذا الحزب هو بفعل فاعل، والفاعل هو مكاتب الدراسات الربحية التي أرادت توجيه الناخب والتلاعب به ولم تفلح بوضعه في المرتبة الثانية ، في حين كنا في المنتدى قد رتبناه في آخر استطلاعاتنا في المرتبة الرابعة (استطلاع المشاركة الشبابية لشهر سبتمبر 2011).أرى أن النتائج قد عكست الحجم الحقيقي لحزب أساء إدارة حملته الانتخابية وليست له القدرة ولا التواضع لمراجعة أسلوبه في الدعاية والتسويق السياسي و الانتقال من حزب نخبة مناضلة إلى حزب كتلة Un parti de masse . إلى ذلك فان دخول بعض الوجوه الجديدة من محترفي الأعمال والعلاقات العامة على حساب القواعد النضالية وبقطع النظر عن خلفياته الحقيقية لم يكن ينظر إليه لدى الرأي العام بغير الشك والريبة خصوصا مع تأكد تشابك هذه الانتماءات الجديدة مع حجم التمويل الاستعراضي المدعوم باستشارات أجنبية أقلقت القواعد. قناعتي هو أن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية قد بدأ من حيث انتهي الديمقراطي التقدمي ولذلك نجح في خلق توازنات جديدة واستقطب الأصوات غير المناهضة للعنصر البسيكو-ثقافي للمجتمع. في العادة عندما لا يحصل حزب ما على نتائج مرجوة في أي ديمقراطية تستقيل القيادة وتراجع ذاتها...أما في حالة الأحزاب المذكورة فلم تظهر هذه المراجعة. بالعكس هم يستعدون للتشريعية من الآن بنفس الأساليب .
صعود الإسلاميين هل سيكون نهائيا أم تتوقع تحوّلا في الانتخابات القادمة بعد ممارستهم للحكم؟
السؤال الحقيقي هو هل يمكن أن تتحول النهضة أو غيرها الى ما يشبه الحزب الديمقراطي المسيحي لتنازل وتواجه سياسيا وانتخابيا حزبا وسطيا «اجتماعي – ديمقراطي» يوما ما؟ الاجابة في نظري نعم. ولكن ثمة شروط موضوعية تتصل بالفاعلين السياسيين وأخرى ذاتية تتصل بها وبحلفائها. فموضوعيا، لا يمكن لحركة أن تتطور نحو الحالة المدنية اذا لم يتم اختبارها في السلطة لأن السلطة غلابة وهي تطبع طالبها بخصائصها وما يحدث اليوم، هو أن مؤشرات التطور الداخلي موجودة حتى وان اتهمت بازدواجية الخطاب نظرا لكونها حزب كتلة .ليس من السهل التحكم في قواعده. لذلك أرى بأنه من المهم التنبه الى هذه المطبات. فالعنف يأتي غالبا من القواعد المنفلتة. أتوقع أن يكون مؤتمرها القادم وفي ضوء الاستحقاقات السياسية القادمة تجربة أولى يمكن أن تؤكد سيطرة الشق الأكثر اعتدالا من الجيل الجديد. وبمعنى آخر، فان الأب المؤسس لهذه الحركة الشبيه بالزعيم التركي نجم الدين أربكان قد يخلفه يوما وريث سياسي من طينة رجب طيب أوردوغان. لكن موضوعيا هذا لن يحصل الا اذا راهنت الأحزاب والشركاء منها بالخصوص على وعود هذا الشق وتم التعامل معه بمنتهى الجدية .لا وجود لرابح نهائي في السياسة، ثمة رابح مؤقت .وثمة طريقة وحيدة يمكن من خلالها للأغلبية الجديدة أن تصل الى الاستحقاق القادم بتقدير ايجابي وهو تمكنها من إدارة جيدة للمحاسبة والمصالحة.
كيف ترى المشهد السياسي الآن بعد نتائج 23 أكتوبر ؟
المطلوب هو الانتقال من حكومة تصريف الاعمال (حكومة الغنوشي) ومن الحكومة المؤقتة (حكومة السيد الباجي قائد السبسي) الى حكومة تأسيسية –انتقالية حقيقية. ثمة مهام تقريرية تتصل بالقرار لا يمكن أن يقوم بها غير سياسي لانها تتصل بخيارات سياسية. حل مشكلة البطالة لا يمكن أن يتم على يد التكنوقراط، لأنه يتطلب خيارات سياسية استراتيجية: استيعاب من خلال تطوير القطاع العام والخدمات العمومية او من خلال رفع القيود الجبائية ودفوعات الحماية الاجتماعية عن الباعثين الجدد؟ أي باب يجب أن يسلك؟ هذا سؤال سياسي لا يجيب عنه سوى سياسي له شرعية وقوة ويمكن أن يدافع عن خياراته. ولا ننسى بان حكومة التكنوقراط السابقة كانت قد اكتفت بتجديد برامج التربصات الموروثة عن العهد البائد. كذلك، كيف سنعمل على حد نزيف بطالة حاملي الشهائد؟ والحال ان منظومة «امد» قد وضعت من اجل تسهيل حراك المهارات مع دول الاتحاد الأوروبي، في وقت تصدر فيه فرنسا اليوم قرارا يمنع الطلاب الأجانب بمن فيهم طلاب المدارس الكبرى من العمل داخلها؟ هنا أيضا لا يمكن للاجابة أن تكون إلا متصلة بقرار سياسي يحدد استراتيجيا ورؤية. أيضا في ما يتصل بالعدالة الانتقالية والمحاسبة ثم المصالحة. من المهم لهذه الحكومة أن تغلق ملف الماضي القريب وأن تنهي حداد المجتمع وتعلن فرحه.
كيف ترون أولويات الحكومة القادمة؟
أرى أن من مهام الحكومة أن تباشر صلاحياتها في اتخاذ القرارات من أجل ضمان حد ادنى من الاستقرار الاجتماعي، مع السماح للمجلس للعمل في ظروف ملائمة لكتابة الدستور المؤسس، ولكن ايضا لكتابة وثيقة الدستور الصغير الذي من شأنه أن يدير أعمال الحكم في المرحلة التأسيسية من أجل الاستقرار السياسي. ثمة مسألة هامة وقد تبدو بخلاف ذلك، وتتعلق في ما عدا أولوية القرار وكتابة الدستور بتنشيط العلاقة مع المحيط الحيوي لتونس. لنكن واضحين. مشكلة الشارع اليوم هي غلاء المعيشة والبطالة وهذا ما أدى الى الثورة. وإقامة علاقات جيدة مع ليبيا والجزائر هو أهم اليوم من أي شيء آخر. العديد من الناس يعتقد بأن المعونات الدولية هي التي ستخرج البلاد من عنق الزجاجة. وهذا غير مؤكد ولا حتمي لأسباب يطول شرحها. ان منفذ تونس في محيطها. ولا ننسى بأن أكبر عدد من السياح هم من الجزائر وليبيا، وأن ما يقارب المليون عاطل عن العمل، بإمكان علاقات جيدة مع المجلس الانتقالي أن تساهم في استيعاب جزء غير قليل منهم. واعتقد ان الأغلبية الحالية بتركيبتها الحالية يمكن أن تساهم في دعم هذا التوجه . ولا ننسى بأن الرقم الايجابي الوحيد للاقتصاد (ارتفاع معدل الصادرات بنسبة 10 بالمائة خلال الأشهر الثلاث الأخيرة)، يعود في جانب كبير منه إلى الشقيقة ليبيا. أتوقع أن يكون منصب وزير الخارجية أهم منصب في وزارات السيادة خلال الفترة القادمة اذا ما تم تحديد شروط لدبلوماسية نشيطة في مجال تسهيل حراك المهارات التونسية في ليبيا أولا وفي دول الخليج العربي والتي تضررت العلاقات معها عقب الثورة. لأول مرة وأكثر من أي وقت تتأكد ديناميات الداخل بتشابك كلي مع ديناميات المحيط الإقليمي المجاور.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.