الحماية المدنية : 143 تدخل في 24 ساعة    وزير التعليم العالي يشدد على ضرورة تسريع إنجاز المشاريع المتعلقة بالحي الجامعي "رأس الطابية" بتونس    بشرى سارة: صابة قياسية للتمور هذا الموسم..    فنزويلا: إطلاق حملة لملاحقة المتواطئين في اختطاف مادورو    يضمّ أخطر المجرمين... ماذا نعرف عن السجن المحتجز فيه مادورو؟    عاجل: هبوط اضطراري لطائرة تونسية...علاش؟    كأس أمم إفريقيا: الجزائر تدخل اختبار الكونغو الديمقراطية بطموح العبور إلى ربع النهائي    سيقود الفريق حتى 2032... شكون هو روسينيور، مدرب تشيلسي الجديد؟    البث التلفزي لمباراة الجزائر والكونغو الديمقراطية..قائمة القنوات المفتوحة والترددات..#خبر_عاجل    الكتلة الهوائية الباردة في تونس... شوف المناطق اللي باش تبرد أكثر    وزارة الثقافة: إلحاق بيت الرواية وبيت الشعر بمعهد تونس للترجمة    حذاري: أدوية السكري الشائعة تنجم تزيد الحالة سوء مع الوقت...شنوا الحكاية ؟    عاجل/ نشرة متابعة: انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة وأمطار غزيرة بهذه المناطق..    نشرة متابعة: إنخفاض ملحوظ في الحرارة مع أمطار محليا غزيرة    بلال العيفة يكشف معطيات عن ارتباك إداري داخل المنتخب الوطني    الإفراج عن المتهمين في قضية جمعية "تونس أرض اللجوء" بعد الحكم عليهم بالسجن    إنتقالات: لاعب جديد يعزز صفوف الملعب التونسي    كأس أمم إفريقيا: برنامج مواجهات اليوم من الدور ثمن النهائي    عاجل: شنيا حقيقة الحيوانات المفترسة الي رجعت إلى قابس؟...تفاصيل صادمة    انطلاق العمل بتطبيقة تمكن التونسيين المقيمين باليابان من تسلم وثائق الحالة المدنية دون الرجوع الى المصالح المختصة بتونس    زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب هذه المنطقة..#خبر_عاجل    جريمة بنزرت: عون الحرس شنوّا يعمل في دار الضحية؟    استشهاد 256 صحفيا منذ بدء العدوان الصهيوني على غزة..    44 يومًا وتبدأ رحلتنا مع رمضان 2026... تعرف على أول أيامه    عاجل/ تحذير صادم من عالم الزلازل الهولندي.. زلزال عنيف في إفريقيا قريبا..    طريقة تنظيف'' air fryer'' مثل المحترفين... بسيطة وفعّالة    صادم/ العثور على 5 أطفال جثث هامدة مع والدهم..وهذه التفاصيل..    عاجل/ منخفض جويّ وتقلّبات منتظرة بداية من مساء اليوم..    10 تطبيقات تهلك batterie تاليفونك حتى وأنت ما تستعملهاش    عاجل-نائب يوضح: ما حقيقة الأداءات الجديدة على المحروقات داخل الجزائر؟...شنيا تأثيرها على التوانسة؟    سعيد: "التحدّيات كبيرة لتحقيق أهداف الثّورة.."    طبرقة وجهة لتربص الفرق الأوروبية    عندك كحة ''شايحة''والا بلغم.. 6 أنواع من السعال تحدد نوع العلاج وأهم الأعراض    فنيزويلا: تحليق مسيرات مريبة فوق كاراكاس... ماذا حدث؟    عاجل: تعرف على المرشح الأبرز لخلافة سامي الطرابلسي    محرز الغنوشي: ''تتأكد اليوم التقلبات الجوية ...وهذه المناطق المعنية أكثر''    اليوم: تحويل جزئي لحركة المرور على مستوى مفترق المروج 1 و2... التفاصيل    تمديد استثنائي ونهائي لآجال التسجيل في الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب 2026    الكوتش وليد زليلة يكتب ... الرحمة والرفق أساس التربية النبوية    جدلية الحاضر والمستقبل في رواية "مواسم الريح" للأمين السعيدي    عطية وإبراهيم يوقعان على أول أهدافهما مع مصر... والفراعنة إلى ربع النهائي ورقم قياسي جديد لصلاح    طقس الليلة    بعد توقّف دام 4 سنوات: عودة المهرجان الدولي للقصور الصحراوية    فتح باب الاكتتاب في صندوق تعويض الأضرار الفلاحية بسبب الجفاف    مشروع توسعة المدخل الجنوبي للعاصمة: بلاغ مروري    التضخم يتراجع إلى 5,3 بالمائة خلال سنة 2025 وفق معهد الإحصاء    عرض فيلم "سماء بلا أرض" يوم الثلاثاء 6 جانفي بحضور المخرجة أريج السحيري    قابس: تقدم موسم جني الزيتون بنسبة 56 بالمائة    للتوانسة: التمور متوفرة من المنتج للمستهلك بأسعار تبدا من 4 دنانير    المنستير تحتضن اليوم السابع للصيدلة السريرية حول "اضطرابات الدهون" نهاية جانفي الجاري    كيفاش تستعد للتقاعد مالياً ونفسياً؟    فتح باب الترشح للمشاركة في الدورة 43 من مهرجان بنزرت الدولي    مواعيد مهمة: رمضان، ليلة القدر، عيد الفطر الى يوم عرفة وعيد الاضحى    رقم معاملات قطاع التأمين في تونس يتجاوز 3 مليار دينار وسط تقدم ملحوظ للتأمين على الحياة أواخر سبتمبر 2025    اجتماع خاصّ بالاستعدادات لشهر رمضان    غدوة الأحد الدخول ''بلاش'' إلى المواقع الأثريّة والمتاحف    ليلة فلكية استثنائية: أول قمر عملاق يزين سماء 2026    نسبة اجراء اختبار الكشف عن سرطان عنق الرحم في تونس لاتتجاوز 14 إلى 16 بالمائة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الانزلاق
نشر في الشروق يوم 16 - 04 - 2012

جاء صاحبي ليس كعادته شاحب الوجه، ممتقع اللون، فبادرني قائلا: لم يغمض لي جفن ليلة أمس، وسيطرت علي الكوابيس بعد أن شاهدت تلك الصور المرعبة، وتحول شارع بورقيبة إلى ساحة وغى لم أكن أتصور أن أعيش وأنا في خريف العمر يوما أسود، وفي ذكرى وطنية مجيدة 'ذكرى سقوط شهداء التاسع من أفريل 1938.

قلت التقط أنفاسك، وهدئ من روعك، فالخطب لا يفهم بالعاطفة، وأحداث التاريخ لا تدرك عبرها إلا بالنظرة العقلانية الفاحصة .
قال : بعد هذه المشاهد المفزعة، والسواد الزاحف ماذا يبقى من العقل والعقلانية !
قلت: أنت تعرف أنني لست من أنصار الحنين إلى الماضي، وكذلك لست من أنصار الاستنجاد بالعبر التاريخية وأنا الغارق حتى شوشة الرأس في خضمها إلا في حالات نادرة، ومنها هذه الحالة، واسمح لي أن أعود بك إلى التاريخ قليلا لتدرك خطورة ما وقع يوم الاثنين الماضي. انطلقت يوم الثامن من أفريل 1938 من معقل الحركة الوطنية الحلفاوين باب سويقة مظاهرة شعبية، والتحمت بها جماهير أخرى في طريقها إلى الإقامة العامة الفرنسية (السفارة اليوم)، ولما مرت من باب بنات نزل المناضل محمود الماطري من عيادته، وتزعم المظاهرة، وخطب في الجماهير أمام الإقامة العامة، طالبا من المتظاهرين أن يتفرقوا في هدوء بعد أن بلغوا رسالتهم، ثم تلاه في لهجة حماسية معبئة زعيم الشباب المرحوم علي بلهوان، وكانت الحشود الشعبية محاصرة من كل جهة بقوى الإدارة الاستعمارية بشتى أصنافها، ولم يسجل لنا التاريخ أنها اعتدت على المواطنين في ذلك اليوم.
انتشر يوم 9 أفريل خبر إيقاف علي بلهوان، وإحالته على المحكمة الفرنسية فهاج الناس وماجوا، وتجمهروا أمام المحكمة بباب البنات، وانضمت إليهم المرأة التونسية، وكان الشعار الأبرز يومئذ المطالبة ببرلمان تونسي على غرار برلمانات الدول الحديثة، وقررت الإدارة الاستعمارية أن تخمد الانتفاضة في المهد قبل أن ينتشر لهيبها، فلعلع الرصاص، وسقط عشرات الشهداء، وكان جلهم من طلبة الزيتونة، وقد انضموا إلى المظاهرة فتناثرت كتبهم بجانب جثثهم في ساحة القصبة، وباب البنات، تلك هي ريادة الزيتونة في سبيل الحرية والإصلاح والتحديث، زيتونة الزعيم عبد العزيز الثعالبي، ونصير المرأة الطاهر الحداد، والمبدع الكبير أبو القاسم الشابي الذي تتغنى بشعره اليوم الثورات العربية، والمصلح محمد الفاضل ابن عاشور، وليست زيتونة أولئك الذين يتاجرون اليوم باسمها، ويحاولون الانتساب إليها، وهي منهم براء.
الزيتونة الأصيلة كانت دائما وأبدا مناهضة لدعاة الفكر الأسطوري الغيبي، ولأولئك الذين يأكلون الدنيا بالدين.
قال صاحبي : من كان يتصور أن يحدث ما حدث بعد مرور أربعة وسبعين عاما على مظاهرة الثامن من أفريل 1938 دون أن يتجرأ زبانية الاستعمار على تفرقتها بالقوة، وبعد إنجاز الشعب التونسي ثورتين : ثورة التحرر الوطني، جانفي 1952، وثورة تحرير البلاد من الطاعون الأسود، جانفي 2011، وما حدث بينهما من تحقيق الاستقلال، وبناء الدولة الحديثة، وإنجاز خطوات ثابتة فوق درب التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
من كان يتصور بعد كل هذا أن تصدر الأوامر للأمن الجمهوري ليهجم بكل شراسة على أحفاد شهداء 1938، وقد جاؤوا لإحياء ذكراهم، والاعتزاز بنضالهم في سبيل الحرية والتحرر.
قلت: لا أكتمك سرا أنني قلت أول وهلة: لماذا أصر الأحفاد على إحياء الذكرى في نفس الشارع الذي تظاهر فيه أجدادهم، ولم يتخيروا مكانا آخر كي يجنبوا البلاد أحداثا مؤلمة هي في غنى عنها، وقد أدركت بعد إمعان أن المكان أصبح يرمز لانتصار ثورة الحرية، وهي الثورة التي يلتحم فيها شهداؤها بشهداء التحرر الوطني يوم التاسع من أفريل، فمعارك الحرية واحدة، وأدركت أيضا أن قلاع الاستبداد لا تبنى مرة واحدة، بل تشيد حجرة بعد أخرى، فإذا قبل أنصار الحرية ألا يتظاهروا في شارع معين، فغدا تمنع عليهم شوارع أخرى بنفس الحجة، وبعد غد يمنع عليهم التظاهر البتة !
قال صاحبي: أنت تعرف أنني لست مسيّسا، ولست مغامرا، ولكن أعلمك من الآن، وبعد أن استوعبت هذه المعاني بأنني سأدب منذ الفجر الباكر، متوكئ على عصاي هذه لأشارك في مظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة المرة القادمة.
قلت: على رسلك يأخي، فالجلاوزة لا يرأفون لا بشيخ، ولا بمعاق، ولا بامرأة، فقد تظاهرنا في مرحلة الشباب الأولى، تظاهرنا في مطلع الخمسينات لإسقاط حكومة مصطفى الكعاك العميلة بطلب من قيادة الحركة الوطنية، وتظاهرنا يوم الخامس من ديسمبر 1952 لما اغتيل الشهيد فرحات حشاد، وتظاهرنا مرات ومرات، ولا تنسى أن في بني عمك من شباب اليوم رماحا ناجعة للذود عن الحرية. هذا لا يعني الاستقالة، والتفرج من بعيد، فالجلوس على الربوة في هذا الظرف الدقيق خيانة في حق الوطن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.