عاجل/ دعوة لمؤتمر استثنائي: المعارضة النقابية تتحرك لإعادة تشكيل اتحاد الشغل..وهذه التفاصيل..    تعيين الدبلوماسي التونسي محمد بن يوسف مديرا عاما للمعهد الثقافي الإفريقي العربي بباماكو    حمدي حشّاد يكشف تفاصيل مرتفع ''الأزور'' وتأثيره على تونس    محكمة الإستئناف : حجز قضية عبير موسي المرفوعة ضدّها من قبل هيئة الانتخابات إلى 18 فيفري الجاري للمفاوضة والتصريح بالحكم    عاجل: لأول مرة... صبري اللموشي يوضح حقيقة الأخبار المتداولة حول رفضه اللعب مع المنتخب سنة 1994    عاجل: وفاة بوبكر بن جراد أحد أعمدة الكرة التونسية    عاجل-فلكياً: رمضان فيه 29 يوماً من الصيام كيفاش؟    فضيع... فيديو يوثّق قيام منحرفين ببراكاج ضد امرأة    أرقام غير مسبوقة في البنوك... التوانسة يغيّروا عاداتهم المالية...شوفوا التفاصيل    كيفاش تحضّر بدنك لمن غير تعب؟ خطوات عملية لكل يوم    جندوبة: نقص مادة الأمونيتر يثير قلق الفلاحين.. ومنظمتهم تطالب بالتدخل    الحماية المدنية: 528 تدخلا خلال ال24 ساعة الماضية    عاجل: الترجي يعلن عن تفاصيل شراء تذاكر مباراة رابطة الأبطال السبت القادم    رئيس مدير عام لمركز النهوض بالصادرات: ''تونس تفرض قيمتها في اليابان.. حضور قوي في أوساكا 2025''    341 مخالفة اقتصادية خلال شهر جانفي بهذه الولاية..    تونس: السجن ل 3 أشخاص حوّلوا البريد لأداة تهريب المخدّرات!    عاجل : وفاة ممثل تركي مشهور عن عمر 45 عامًا    وزيرة الشؤون الثقافية تؤكد على أهمية التشاور بين المؤسسات الراجعة لها بالنظر وعلى أهمية العمل الأفقي لما فيه مصلحة الفعل الثقافي    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن وخطايا ثقيلة ضد مرتكبي هذه المخالفات..    بعد 6 سنوات من التراجع: سدّ سيدي البراق بنفزة يسجّل ارتفاعًا قياسيًا في مخزون المياه    طبيب تونسي: الجراحة الروبوتية تُقلّل من النزيف والألم بعد العملية    مفاجأة بعد أسبوع واحد فقط من تقليل الملح.. هذا ما يحدث لضغط دمك..!    عاجل/ بشرى سارة: نحو تعديل أسعار المساكن الاجتماعية وتسهيل اقتنائها..    القصرين: تخصيص 4193 مساعدة ضمن برنامج "قفة رمضان" وبرمجة موائد إفطار يومية لفائدة العائلات محدودة الدخل    الرابطة الثانية: تعديل في برنامج مواجهات الجولة الرابعة إيابا    لجنة الصحة بالبرلمان تستمع لجهات المبادرة في مقترحات تشريعية تتعلق بذوي الإعاقة وإدماجهم    بطولة فزاع الدولية لذوي الهمم: ياسين الغربي يُحرز فضية سباق 1500م كراسي    بطولة بو الفرنسية للتنس: معز الشرقي يتأهل إلى الدور ثمن النهائي    بشرى سارة للشباب العاطل عن العمل..#خبر_عاجل    جمعية أحباء المكتبة والكتاب بزغوان تطلق مسابقة رمضان 2026 "أولمبياد المطالعة العائلي"    الدجاج يسيطر على طاولة التوانسة: إرتفاع الاستهلاك ب 50 %    عيد الحب 2026: سؤال من 6 كلمات لازم تسألوا    وثائق جديدة.. جيفري إبستين حقق حلم الفيزيائي ستيفن هوكينج على جزيرته    الخارجية الفرنسية تبلغ النيابة العامة بظهور اسم دبلوماسي في ملفات إبستين    الذهب يتماسك فوق 5 آلاف دولار للأونصة    علاش الصغير يُمرض بالحصبة رغم انه ملقّح؟    عاجل/ من بينها نفوق 200 الف دجاجة: أرقام مفزعة لخسائر الفراولة والماشية بعد فيضانات جانفي بنابل..    عاجل: الإدارة الوطنية للتحكيم تكشف حقيقة لقطة هدف الافريقي    فاجعة: كلب مسعور يمزق أجساد 13 شخصاً..!    رمضان 2026.. هذه أهم المسلسلات اللى يستنى فاها التونسي    عاجل: إمكانية اسناد اللون البرتقالي التحذيري لهذه المناطق    عاجل/كلاسيكو "الجدل التحكيمي": إدارة التحكيم تحسمها بخصوص مباراة الافريقي والصفاقسي..(فيديو)    ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران    كاس ألمانيا: فرايبورغ يتأهل للمربع الذهبي على حساب هرتا برلين    مداهمات أمنية تُطيح بشبكات ترويج مخدرات بالوسط المدرسي بسيدي حسين    عاجل/ تونس تحت تأثير منخفض جوي جديد..أمطار وانخفاض حاد في الحرارة..    عاجل/ إطلاق نار في مدرسة بكندا..وهذه حصيلة الضحايا..    الطقس اليوم.. أمطار متفرّقة ورعدية تشمل هذه المناطق..#خبر_عاجل    رئيس هذه الدولة يُعلن نجاته من محاولة اغتيال..شكون؟    تعزيز مقاربة "الصحة الواحدة" بين تونس ومؤسسة ميريو الفرنسية    هجوم أمريكي غير مسبوق.. سيناتور يتوعد مصر وتركيا وقطر    إطلاق «سينما الأجنحة الصغيرة» في غزّة .. عندما تتحوّل السينما إلى مساحة شفاء وأمل لأكثر من نصف مليون طفل    قناة "تونسنا" تطلق "هذا المساء وصابر الوسلاتي أول الضيوف    رؤية هلال رمضان مستحيلة...علاش؟    الدورة الثانية لمعرض 100 بالمائة هواري من 12 الى 15 فيفري 2026 ببهو دار الثقافة بالهوارية    عاجل-باجة: اكتشافات أثرية ب هنشير الماطرية تكشف أسرار المعبد الروماني    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حركة النهضة في تونس : من السّجن ... إلى الحكم (12)
نشر في الشروق يوم 07 - 05 - 2012

تحمل حركة النهضة في جرابها تجربة تاريخية حديثة بدأت في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي حين تأسست الجماعة الإسلامية في تونس زمن حكم «بورقيبة» كحركة دعوية ، وكان المشهد السياسي آنذاك في تونس تحت سيطرة الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في مقابل حركات يسارية وقومية معارضة، في دولة الزعيم الوطني والفرانكفوني الذي يبني الدولة الحديثة المتمدنة، محمولا بتجربة «كمال أتاتورك» في تركيا وبإعجاب مدهش بالأنموذج الفرنسي... وكانت بداية استعادة الإسلام في تونس متأثرة بفكر الإخوان المسلمين في مصر مع «حسن البنّا» و»سيد قطب» وبمقولات «أبي الأعلى المودودي» وكتابات الإسلاميين ، مثلما انبهرت بأصداء الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة «آية الله الخميني» ...
كان استرجاع العامل الديني كذلك ردّة فعل الضمير الجماعي في تونس ضد مواقف بورقيبة من الإسلام، في خصوص مفاهيم الحرّية ومجلة الأحوال الشخصية وفي تعدّد الزوجات ومسألة التبنّي وصوم رمضان، وخاصة هدمه لموروث المؤسسة التعليمية لجامع الزيتونة الأعظم وتصفيته الموجعة «لليوسفيين» بشراسة، وانتهج الزعيم بتونس سبيلا يبتعد عن المجال العربي الإسلامي نحو تكوين دولة قطرية حديثة تنفصل عن هويّتها التاريخية وتقترب بخطى حثيثة من الثقافة الغربية... لقد تصوّر بورقيبة أنّ الثقافة لا تكون إلّا فرنسية واعتقد أن اللغة العربية هي أحد عوائق الحداثة والتنمية، فأسّس لنظام تعليمي أنتج أجيالا مثقفة إلا أنها مغتربة عن ذاتها، يتأبط فيها المثقف جريدة فرنسية ويتلفظ في لغته العامية بلهجة باريسية خالصة وتسمّى فيها أشياء العالم بمسمّيات العمّ «فولتير»، كان بورقيبة مناوئا للعروبة وللإسلام بل كان يبحث لتونس عن هويّة حديثة في منطق أبويّ.

اتّجه اهتمام التياّر الإسلامي الناشئ إلى معاودة استنبات الفكرة الدينية في مجتمع تونسي هجر المساجد وانكفأ عن المقدّس وحاصره التغريب، كانت فكرة موجهة إلى إحياء قوة العقيدة لدى فئة الشباب في المعاهد والمدارس وفي الكشافة، وكذلك في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية داخل المدن، كان عملا منهجيا معقدا وثابتا هدف إلى بناء قاعدة جماهيرية تتبنّى إيديولوجيا دينية صارمة ومكافحة... وقد نشطت الظاهرة الإسلامية في المساجد وضمت إليها بقايا الزيتونيين الرافضين لسياسة بورقيبة، فأعادت إنتاج الدروس الدينية في تحفيظ القرآن وتدبّر أصول الفقه وأصول الدين، وجادلت في حلقات التكوين السياسي هموما سياسية تشتغل بفكرة كليّة هي مفهوم «الأمة الإسلامية»، ونظرت في مسألة محورية هي تصور نظام الحكم في الإسلام ، هنا التحم العامل الديني بالعامل السياسي بما يستجيب لأهم ركائز الإسلام السياسي المعاصر وهو الجمع بين سياسة الدولة والدين كمرجعية مقدسة.

في بداية الثمانينات غيّر التيار الإسلامي عنوانه السياسي من «الجماعة الإسلامية» باعتبارها حركة دعوية إلى تسمية جديدة هي حركة «الاتجاه الإسلامي»، وأعلنت تنظّمها في شكل حزب يطالب بحقه في العمل السياسي والانخراط في المجتمع المدني... تحرّك النظام البورقيبي وألقى بقيادات التنظيم في السجن مثبّتا نظام الحزب الواحد المستبدّ رافضا بإطلاق فكرة التعدد الحزبي، غير أن الحركة قد واصلت جهدها في العمل الاجتماعي والمؤسسات التعليمية وبدأت تكتسح الساحة الطلابية بأفواج من الطلبة القادمين من معاهد ثانوية، وهم يحملون تصوّرا إسلاميا للسياسة واندهاشا عاطفيا بفيلم «الرسالة» للعقّاد وانبهارا بمشهد سقوط «شاه إيران» وحنينا إلى معاودة عهد النبوة الأوّل.

وجاء الإعلان عن تأسيس «الاتحاد العام التونسي للطلبة» في الجامعة كاتحاد طلابي يحمل مرجعية إسلامية، كانت ضربة موجعة للتيار اليساري والتيار القومي في «الاتحاد العام لطلبة تونس» ، فوقعت مصادمات عنيفة بين الاتحاد اليساري والاتحاد الإسلامي في الجامعة آذنت بتغير المشهد السياسي والفكري في الجامعة التونسية...وبعد سنوات قليلة ستتحول الساحة الطلابية إلى قلعة منيعة للإسلاميين شكلت رافدا لحركة تتأهب لمواجهة النظام القائم زمن «بن علي» في بداية التسعينيات.
أخذت الفكرة اليسارية في التراجع جماهيريا وكذلك شأن الفكرة القومية الناصرية والبعثية، أمام اكتساح ثابت وكثيف للحركة الإسلامية التي دفعت إلى الجامعة بأعداد وافرة من الطلبة الذين يحملون وعيا سياسيا ودينيا .

تحولت تلك الجماهير إلى معارض حقيقي ومخيف لاختيارات النظام البورقيبي، بل كانت مناوئا متشددا للحزب الاشتراكي الدستوري أو «التجمع الديمقراطي» لاحقا... في سياق تاريخي شهد هزيمة الجيوش العربية عام 1967 ، واجتياح اسرائيل للبنان وحصار بيروت سنة1982 وفظاعات مجازر صبرا وشاتيلا، كانت إعلانا عن انهيار النظام العربي القائم وسقوطا مدوّيا للمقولات القومية الحالمة وفشلا ذريعا لأنظمة استبدادية موالية للمشروع الأمريكي وللامبريالية الغربية، أو لأنظمة أخرى اصطفّت خلف متراس كتلة اشتراكية كلّيانيّة و قمعية ... إنّها عودة صوفية إلى الله.

بعد سلسلة من الأزمات الداخلية في تونس : الاحتجاجات الاجتماعية سنة 1978، والتمرد المسلح في أحداث «قفصة» عام 1980، وانتفاضة الخبز سنة 1984 ... بدا واضحا أن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية لدولة بورقيبة قد انهارت، وأن الصراع حول خلافة الزعيم المريض قد اشتدّ داخل الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، وأصبحت المواجهة حتمية بين السلطة القائمة للدولة البورقيبية المترهّلة وبين الحركة الإسلامية الشابة لاتجاه إسلامي يبتني ذاته ، في مقابل معارضة سياسية تتهاوى وتفقد شرعيتها لدى الجماهير شيئا فشيئا.

اختار نظام بورقيبة أن يواجه حركة الاتجاه الإسلامي بإرادة القوة التي تحتكرها الأجهزة الأمنية فاستدعى الجنرال «زين العابدين بن علي» وكلّفه بإدارة الأمن الداخلي، ثم سرعان ما أضاف إليه وزارة الداخلية برمّتها . كان «بورقيبة» الشيخ قد فقد قوته فأراد أن يتصدّى للمعارضة الإسلامية مستعينا بقائد عسكري وقد اعتقد خطأ أنّ زعامته التاريخية وموروثه النّضالي يشكّلان حصانة ومنعة ضد كل الطامحين في السياسة والحكم ، وهذا الصدام لم يكن بين بورقيبة وبين الاتجاه الإسلامي وحسب وإنّما هو صراع بين نمطين سياسيين حول الهويّة العربية الإسلامية لتونس.

بدأت المواجهة الأمنية بين نظام بورقيبة وبين حركة الاتجاه الإسلامي، مظاهرات يومية لمئات الشباب تجوب أحياء العاصمة تونس ومصادمات عنيفة في سائر المدن الكبرى وبلغ العنف ذروته في تفجيرات النزل السياحية بسوسة صائفة سنة 1987. من قام بذلك ؟ هل صدرت أوامر من قيادة الحركة بتصعيد العنف ضد النظام؟ أم هل هو شباب إسلامي متحمّس من جهة الساحل اتخذ قرارا مستقلا بضرب قطاع السياحة وإضعاف النظام اقتصاديا استجابة للواجب الديني حسب اعتقادهم؟...
إنّنا نفتقد في هذا الموضوع إلى إجابات دقيقة لأنّ تنظيم الاتجاه الإسلامي كان تنظيما سريّا بالأساس، ثم إنّ جهاز أمن الدولة يتحوز قطعا على الوثائق التاريخية التي توفر الأجوبة المقنعة ... والأكيد أنّ من نفّذ تلك التفجيرات كانوا من الإسلاميين.... كان عنفا للدولة قابله عنف مضادّ لحركة تبحث عن الشرعية وفق المنوال الإيراني الذي أسقط الشاه بقوة الجماهير «المتأسلمة»، كانت حرب استنزاف للدولة القائمة في تونس وحرب إنهاك للحركة الإسلامية الفتيّة، ولاح جليّا أنّ بورقيبة بات يحتضر سياسيا وأنّ الصّراع الدائر سوف يفضي إلى أمر مّا في تونس ...

خلال سنة 1987 كانت بعض القيادات الإسلامية وعلى رأسهم «راشد الغنوشي» في غيابات السجن، وتحركت قيادات الصفّ الثاني في اتجاه محاولة حسم الصراع بضربة قاصمة أو بانقلاب يطيح نظام الحكم بالقوة ويرتقي بالحركة الإسلامية إلى سدّة الحكم، وهو ذات ما وقع في الأنموذج السوداني لاحقا مع «حسن الترابي» و»عمر البشير» ... قبل يوم واحد من تاريخ التنفيذ بادر «زين العابدين بن علي» رجل النظام الأقوى بتاريخ 7نوفمبر من سنة 1987إلى الانقلاب على «بورقيبة» مستعينا بآمر الحرس الوطني آنذاك «الحبيب عمار» وبعض القيادات العسكرية . ما هو دور المخابرات الأجنبية في إفشال المشروع الإسلامي الانقلابي؟ وكيف رجّحت الكفّة لفائدة الحركة الانقلابية لبن علي كي يعيد إنتاج نفسه من داخل بنية النظام المتآكلة ؟

بعد أيام ألقي القبض على مجموعة تسمّت بمجموعة «الإنقاذ الوطني» تزعمها «صالح كركر» وكان من بينها الأستاذ «المنصف بن سالم» ومجموعة من الأمنيين والعسكريين والمدنيين واستشهد الرائد «محمد المنصوري» من الجيش الوطني تحت التعذيب الشنيع بإدارة أمن الدولة . حملت تلك العملية دلالات عميقة وهي أن حركة الاتجاه الإسلامي تطمح بالفعل إلى الاستيلاء على الحكم وأنها قد اخترقت جدران المؤسستين الأمنية والعسكرية في مواجهتها للنظام ...إثر ذلك دخلت الساحة السياسية في هدنة دامت أربع سنوات من عام 1987 إلى عام 1991 وكان كل طرف يتجهز لمنازلة خصمه.

شهد المجال السياسي انفراجا في تونس وأرسل «بن علي» إشارات مطمئنة الى المعارضة ووعودا بالإصلاح واحترام الحريات تؤكد رغبته في التأسيس لنظام ديمقراطي تتعدد فيه الأحزاب والأفكار فأطلق سراح جميع المساجين السياسيين ، ووقّعت حركة الاتجاه الإسلامي على ميثاق وطني امتلأ بوعود الحريات والحقوق ومبشرا بنظام عادل غير أنه خلّب. ثم تنازلت حركة الاتجاه الإسلامي عن خصوصيتها الإسلامية وتحولت إلى مسمّى جديد هو «حركة النهضة» وأصدرت جريدة الفجر لتكون صوت هذا التيار إعلاميا.

بلغت الحركة الإسلامية أوج قوتها سنة 1987 كانت دولة داخل الدولة واكتسحت كل القطاعات في التعليم والصحة والإدارة وحتى المؤسسات الأمنية والعسكرية وبعض التنظيمات المدنية والنقابية ...كانت حركة سياسية ذات قاعدة شعبية واسعة تعتدّ بكثرتها وتجسّد ذلك في انتخابات سنة 1989 حين برزت كأكبر منافس للحزب الحاكم وامتلأت بغرور الذات، وكانت سائر الأحزاب اليسارية والقومية وبعض «اللوبيات» الاقتصادية والفرونكفونية تنظر بخوف إلى إسلام سياسي متشدد ومتعاظم يفرض ذاته في المشهد السياسي التونسي، كانت «فوبيا» حقيقية ستمهد لفكرة الاستئصال والاجتثاث.

في صائفة 1990 التهبت منطقة الشرق الأوسط، فقد تحركت الجيوش العراقية واحتلت الكويت في بضع ساعات ونشأت أزمة عالمية حادة سوف تفتّت عالما ضخما هو الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الموالية له، وتفضي إلى نشأة نظام القطب الواحد وإلى تفرّد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بما فيها المجال العربي والإسلامي وكأنّ سيرورة التاريخ قد توقفت وفق تصوّر «فوكوياما» في نظرية نهاية التاريخ... تحطم الجيش العراقي في الكويت تحت الضربات الجوية الساحقة، وتزعزع نظام صدام حسين، وانتهت الأحلام الوردية لفكرة قومية اعتقدت طويلا في مشروع الوحدة العربية، كانت نكبة مؤلمة وحزينة.

أثناء الحرب استغلت قيادة النهضة تلك الحماسة الشعبية الملتهبة لنصرة العراق وبدأت في تجييش أنصارها استعدادا للانهيار الوشيك للنظام العربي، وبلغ الغرور حدّا دفع بعض الإسلاميين إلى تبادل التهاني بقرب ميلاد الدولة الوطنية ذات المرجعية الإسلامية . امتصّ نظام «بن علي» تلك الأزمة المضنية بحرفيّة وأظهر في العلن رفضه للتدخل الأمريكي استجابة للضغط الشعبي، وإن كان قد أضمر تعاونا وثيقا مع الإدارة الأمريكية ...
وحين انهالت الصواريخ العراقية على إسرائيل استعان «بن علي» بالجيش التونسي الذي أحكم السيطرة على المراكز الحساسة في العاصمة تونس تحسبا لمسيرات شعبية ضخمة قد توظفها الحركة الإسلامية للإطاحة بالنظام ... وأصاب صاروخ «توماهوك» ملجأ «العامرية» في بغداد وأدى إلى حرق أكثر من ألف عراقي في داخله، وخرج في مدينة سوسة وحدها آلاف المتظاهرين، اكتسحوا المدينة طيلة يوم كامل دون أن يشتبكوا مع الجهاز الأمني، ولم تحسن الحركة الإسلامية توظيف ذلك الاندفاع الشعبي وهيجان الضمير القومي والديني . صمد الجهاز الأمني لبن علي في مواجهة أزمة حقيقية واستطاع الخلاص منها بأخف الأضرار السياسية، في حين أن حركة النهضة الممتلئة بجماهيرها وشعبيتها وقوة تنظيمها الداخلي قد فشلت في توظيف الأزمة لفائدة مشروعها وأساءت تقدير قوة النظام أو استقراء الواقع الدولي آنذاك.

بعد أشهر قليلة من نهاية حرب الخليج الأولى بدأ نظام بن علي تنفيذ حرب قذرة ضد خصمه الإسلامي وكان واضحا أن الأجهزة الأمنية والاستخبارية لوزارة الداخلية قد استعدت جيدا للمنازلة ورصدت كثيرا من الإمكانات لحسم المعركة ضد أتباع الحركة الإسلامية والمتعاطفين معها ... لقد قرر الحلف القائم داخل النظام والمتكون من دستوريين قدامى والبعض من اليسار المتطرف والفرنكفونيين ولوبيات مالية الشروع في عملية تطهير شاملة داخل النسيج الاجتماعي التونسي، واقتلاع الإسلام السياسي من جذوره وتحطيم خصمه اللدود، ولن تقتصر الحملات الأمنية على القيادات السياسية وإنما ستتجاوز ذلك إلى كل فرد يشتبه في تبنيه للفكرة الدينية .

بدأت المواجهة الدامية في أحداث «باب سويقة» وحرق مقر التجمع الدستوري الديمقراطي ،ثم جاءت مجزرة المركب الجامعي بتونس حين أذن بن علي بإطلاق الرصاص الحي على الطلبة المتظاهرين فقتل وجرح عددا من الطلبة. كان مصّرا على كسر شوكة الحركة الطلابية التي توظفها المعارضة الإسلامية كرأس حربة . ولم تكن تلك الأحداث سوى إعلان للحرب الشاملة بين النظام الحاكم بكل تشكيلاته الأمنية والحزبية وبين الحركة الإسلامية المعارضة والطامحة إلى السلطة ... مظاهرات احتجاجية في أحياء المدن الكبرى اتسمت بالعنف المتبادل بين قوات الأمن وشباب ومناضلي حركة النهضة...
لجأ نظام بن علي حينها إلى إنشاء «لجان اليقظة» وهي ميليشيات تابعة للحزب الحاكم تقتصر مهمتها على اقتفاء أثر الشباب الإسلامي في الأحياء والتجمعات السكانية،
ثم اتخذ قرارا بمحاصرة المساجد وغلّق بعضها واعتقل كل من يتردد إليها للصلاة فيها، حتى تحول مسجد المركب الجامعي بتونس إلى خرابة للرذيلة، وأصبح التدين في تونس جرما خطيرا يفوق كل أنواع الإجرام، كان إقصاء واجتثاثا جماعيا يعادل عمليات التطهير العرقي في محاكم التفتيش في اسبانيا ضد مسلمي الأندلس... اعتقل آلاف التونسيين ممن تبنوا فكرة الإسلام السياسي فعذبوا أو أطردوا من أعمالهم أو حرموا حقهم في الدراسة أو قطعت أرزاقهم وطال العقاب الجماعي عائلاتهم، هو عقاب جماعي لكل بقايا الفكر الديني في أرض تونس ...

يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.