من المؤكد أن أدبا آخر سينشر في بلدان الربيع العربي وأن إبداعا مختلفا سنقرؤه ونشاهده ونسمعه، أقول هذا رغم أن بعض الجهات السياسية لا يعجبها انطلاق كل الأصوات التي تتناقض في فهمها للإبداع بشكل عام وغاياته فيضيق صدرها من لوحة أو قصيدة أو رواية، وكل هذا نسميه «تحصيل حاصل» مادام المران على الديمقراطية في خطواته الأولى، والانسان العربي هو ثمرة الدكتاتوريات وأنظمة الحزب الواحد، ولكن ليس هذا قاعدة بل هو الصورة الشائعة في المجتمعات العربية. لقد انتهت أنظمة ولا عودة لها أو إعادة تفعيلها بأدوات جديدة تسرق من الثورات نبلها ومستقبليتها، فما مات انتهى، والبلدان العربية لا يمكن أن تعود لحكم الفرد وآلته الدكتاتورية الممثلة بحزبه الحاكم الذي يسوقه مادام ينتفع منه في الكسب البحت والمناصب الزائفة ومواقع التأثير.
ولعل المطلع على الحياة الأدبية في البلدان التي شملها الربيع العربي (تونس، مصر، ليبيا، اليمن) والبقية تأتي، أقول إن المطلع يعرف أن هناك أعمالا مخطوطة أنجزها أدباء هذه البلدان ولكنهم لم يجدوا وسيلة لنشرها، فدور النشر المحلية منها والعربية لا تجازف بخسارة أسواق أساسية لتوزيع كتبها هذا عدا مشاركاتها في المعارض السنوية التي لا يفوّت الناشرون فرصة المشاركة فيها.
أما الآن فقد رفع حاجز الخوف وانتهى التردّد وسارع من كان لديه عمل مكتوب لنشره، كما سارع من فكر في كتابة عمل أدبي عمّا عاشه ورآه لإنجازه حتى يقدمه للنشر ليقال عنه بأنه لم يكن معزولا عن الإيقاع السياسي الذي كان يتخبّط فيه البلد.
وقد ظهرت بواكير أعمال كانت على الضد من الدكتاتورية وقمعها للمواطنين، والأهم من هذا أن الأديب لم يعد يتردّد في تناول أي موضوع إذ ليست أمامه قائمة ممنوعات تحدّد اختياراته.
حدثني ناشر تونسي صديق أن داره رغم أنها ليست من كبريات دور النشر في البلاد صارت تستقبل مخطوطات لا قدرة لها على نشرها، والبعض يأتيه بثلاثة مخطوطات دفعة واحدة كانت تنام في أدراجه أو أنه بدأها ولم يتمّها، ثم أسرع لإنجازها من أجل أن يعلن بأنه لم يكن غائبا ولكن الظروف حالت دون إيصال صوته في كتاب يقدمه للقراء.
إن العنوان الذي اخترته لهذا الموضوع أدب «ذوبان الجليد» جئت به من الكاتب السوفياتي الشهير ايليا اهرنبورغ إذ له رواية ذائعة الصيت هي «ذوبان الجليد» عدّها النقاد رواية تراجع الفترة الستالينية وكل ما جاءت به من تدمير للثقافة والمثقفين.
وهنا أذكر أن كاتبا سوفياتيا آخر هو شولوخوف صاحب «مصير انسان» ورباعية «الدون يجري هادئا» قد خشي من ستالين الذي عندما بدأ بقراءة رباعيته هذه وأنه قد يصدر عليه حكما بالاعدام أو النفي لأنه لم يجعل بطلها «قريقوري ميليخوف» ينتمي الى الحزب الشيوعي في الأخير بل تركه تائها مصرّا على محاربة الجيش الأحمر. نذكر أن شولوخوف قد نال جائزة نوبل للآداب رغم شيوعيته.
وذكر أن خروتشوف عندما سمع بالضجة حول رواية بوريس باسترناك «الدكتور زيفاغو» طلب نسخة منها وبعد أن قرأها لام الذين منعوها لأن منعهم لها قد جعل الغرب يتاجر بها فمنحه جائزة نوبل، ولو أنها لم تمنع وتركت لتنشر وتقرأ في الاتحاد السوفياتي لما أصبحت سلاحا بيد خصوم هذا الاتحاد، وكذا الشأن مع سولجنستين الذي عانى ما عاناه نتيجة لنقده للمرحلة الستالينية بل وللشيوعية كلها بعد ذلك من خلال أعماله الروائية مثل «جناح السرطان» وقد حصل على جائزة نوبل ولجأ الى أمريكا التي لم يعد منها إلا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
إن الأدب التونسي يفتقر الى الأعمال التي تراجع فترتي حكم بورقيبة وبن علي فهما فترتان محتشدتان بالأحداث، وكانت السجون تستقبل العشرات من معارضي هذين الحاكمين زائدا الاختلاطات داخل الحزب الحاكم زعامة صالح بن يوسف مثلا والعشرات في عهد بن علي هذا عدا المتغيّرات السياسية والاجتماعية التي كانت الروايات التونسية لا تهملها لكنها لم تتوقف عندها التوقف الطويل.
أما في مصر فإن مساحة الحرية المتاحة للكتاب والصحافيين كانت واسعة لا تقابلها إلا المساحة الممنوحة للكتاب في لبنان والمغرب (أذكر أنني تبادلت الرسائل مع صديقيّ الكاتبين المغربيين عبد القادر الشاوي وعبد اللطيف اللعبي حتى وهما في السجن) وكانت لنظام مبارك قاعدة تقول (اكتبوا ما تريدون ونحن نفعل ما نريد) رغم أن هذا القول هو استهانة ما بعدها استهانة بالرأي الآخر المعارض الذي انتصر في الأخير على احدى قلاع الدكتاتورية البغيضة في الوطن العربي.
لقد أتاحت مساحة الحرية في مصر للأدباء إنجاز أعمال كبيرة بدءا من أعمال نجيب محفوظ وفتحي غانم ويوسف إدريس وصولا الى الأجيال التالية (أعمال علاء الأسواني مثلا).
وفي سوريا كانت هناك أيضا مساحة لنشر بعض الأعمال الناقدة للنظام التي نشر أغلبها في لبنان مثل رواية «ذكر السلحفاة» لعادل أبو شنب الناقدة لعهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ورغم أنها منعت من التداول في سوريا إلا أن الحصول عليها لم يكن صعبا في دمشق نفسها.
وفي ليبيا مازلنا في انتظار صدور الأعمال التي تقدم للقارئ واحدة من أكثر مراحل التاريخ الليبي سوادا كانت فيها السيطرة لحاكم فرد مختل أراد أن يسقط خلله على شعب كامل، لكن هذا الشعب لم يذعن له طويلا. في انتظار المزيد من أدب «ذوبان الجليد» التونسي مع أن المطلوب أن لا تسلق الكتابات سلقا بل لا بدّ من التأني، لا بدّ حتى تأتي الأعمال ناضجة.