الأولى بالعالم.. 175 عاما على إلغاء العبودية في تونس    جيش البحر يمنع باخرة محملة بأبقار يشتبه إصابتها بمرض اللسان الازرق من دخول المياه الاقليمية التونسية    باجة: المخابز تقرر التوقف عن العمل    هنا تطاوين: أصحاب المقاهي غاضبون..وتلويح بتحركات احتجاجية في قادم الأيام..    بنزرت..رفض رسو باخرة محملة بابقار يشتبه في اصابتها بمرض    جامعة كرة القدم مستاءة من رفض نظيرتها الجزائرية تحسين ظروف تمارين منتخب الأصاغر    مجموعة "كذلك " للعراقي برهان المفتي(23): الاعتماد على الرمز يضمن للقارئ حريّة التأويل والتفسير    السّماح للمقاهي والمطاعم باستعمال الكراسي    هذه حقيقة اقتراب هاني عمامو من الإفريقي    حجز بضاعة مهربة بقيمة 67 ألف دينار    تعزيزات هامة لطائرة الترجي    قبل ساعات من مواجهة الترجي.. شفاء 4 لاعبين من البقلاوة من فيروس كورونا    نصاف بن علية.. قد نصظر إلى إتخاذ إجراءات أكثر صرامة    صور: تعزيزات امنية مكثفة بشارع الحبيب بورقيبة    باجة : فلاحون في تبرسق يحتجون لنقص مادة الامونيتر ويهددون بمنع مرور الشاحنات عبر مدينتهم    بلال التواتي يوقع للترجي الجرجيسي    يهم منتخب الأواسط.. تحديد موعد سحب قرعة ال"كان"    صندوق النقد الدولي - تونس: اعطاء الاولوية للانفاق على الصحة والحماية الاجتماعية مع التحكم في كتلة الاجور ودعم الطاقة    جبنيانة – صفاقس: القبض على شخص محل 15 منشور تفتيش    بعد القمح المسرطن والدرع الفاسد في سوسة.. فضيحة في ميناء رادس!    العالية.. وقفة احتجاجية لأهالي الموقوفين على خلفية الاحداث الاخيرة    فضيلة القرقوري .. ما لايقل عن 14 دائرة قضائية تتابع تنفيذ مخرجات محكمة المحاسبات بخصوص انتخابات 2019    جندوبة.. 11 إصابة جديدة بفيروس "الكورونا"    قصة "جاسوس الحسناوات".. انتهك خصوصية 200 ضحية في مواقف خاصة جدا!    مطماطة..اصابة 3 عسكريين في انزلاق شاحنة    بعد يومين فقط من تنصيبه.. أول دعوى قضائية كبرى تتحدى سياسة بايدن    ترتيب الرابطة 1 التونسية قبل مباريات الجولة التاسعة    مونديال كرة اليد.. هل ينتفض المنتخب ضد الكونغو ؟    في حملات الشرطة البلدية ..القبض على 07 أشخاص مفتش عنهم    السلطات التونسية ترفض ''الباخرة المخيفة '' في ميناء بنزرت    امطار متفرقة في بعض مناطق الشمال بداية نهار السبت وانخفاض نسبي في درجات الحرارة    تفاصيل الاطاحة بشبكة مغاربية في تزوير العملة والاتجار بالآثار    قابس.. احباط عمليتي تهريب    سوريا.. غارات مجهولة تستهدف مواقع في حماة وريف دمشق    مشروع تونسي ألماني لتشغيل 35 ألف شاب    تركيز المنظومة الوطنية لمراقبة مراكب الصيد البحري عبر الأقمار الإصطناعية    مجلس الشيوخ الأمريكي: محاكمة ترامب تبدأ يوم 8 فيفري المقبل    وزير الصحة: ''اللجنة العلمية إقترحت فرض حجر صحي شامل كل نهاية أسبوع''    قشلة سيدي عامر : تحصينات حمّودة باشا    تحتضنه المغرب .. اجتماع لتوزيع المناصب السيادية الليبية    سليانة .. غلق مراكز تجميع الحبوب    الفنانة سارة النويوي : الرّشيدية مدرسة فنيّة عريقة.. فلا تخذلوها    قرأت لكم: «لابّد من قوس لنهرها» للشاعرة افراح الجبالي ...غوص في حقيقة الحياة وتفاصيلها    كورونا يحصد أرواح أكثر من 2.1 مليون شخص حول العالم    بين قبلي ومدنين .. الإطاحة بمروج للمخدرات    "الشيوخ" الأمريكي يبدأ ثاني جولات "عزل" ترامب 8 فبراير    إيطاليا..تحقيق بوفاة فتاة في العاشرة ب"لعبة الوشاح" على "تيك توك"    ليبيا..لجنة (5+5) تدعو للالتزام بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار    "قاضي القرن" يحاكم قاضيا مصريا كبيرا بعد اختطافه فتاة واغتصابها    صفاقس :بعد تعليقه جراء الحجر الصحي ووباء "كورونا": استئناف تصوير مشاهد مسلسل "عين النمر" بربوع معتمدية عقارب خلال الأسبوع القادم    يوميات مواطن حر: وحدتنا الاولى مستمرة    في معرض الفنانة سنية الغزي المزغني برواق الفنون علي القرماسي: حالة وجد تلون ما بدا من مشهديات مختلفة    إثر وفاتها مصطفى بن جعفر يعدد خصال الراحلة محرزية العبيدي    فيروس كورونا يتحدى جيمس بوند    محرزية العبيدي تصل غدا وتوارى الثرى يوم الأحد    اسألوني    بعد ما راج حول مقاضاتها بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة، نرمين صفر تستنجد بمنير بن صالحة    محرزية العبيدي في ذمة اللّه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صفاقس: انهيار الكنيسة الاورتودكسية يكشف التنوع المعماري والتقارب الديني
نشر في الشروق يوم 29 - 12 - 2012

انهار في الفترة الأخيرة سقف الكنيسة الأورتودكسية الواقعة بقلب مدينة صفاقس، وهي من أقدم المعالم التاريخية بالجهة ومن الشواهد على الجالية ببلدنا.. «الشروق» نبشت صفحات تاريخ الديانات على تنوّعها وثرائها لتعيد إحياء الذاكرة الوطنية الزاخرة بالمعاني.

عندما تقف أمام باب القصبة لا بد أن تتابع قبالتك مباشرة، ساحة المقاومة، وقد كانت مدينة صفاقس عنيدة أمام هجمات الغازين، وباسلة في تصديها للاستعمار الفرنسي بداية من عام 1881. ثم مع انحرافة قليلة الى اليسار تجد نواقيس الكنيسة الأورتودكسية المجللة بالأبيض والأزرق.

ان هذه الكنيسة من أقدم معالم المدينة خارج الأسوار الخالدة، حملتها أولى البطاقات البريدية التي ظهرت عن معالم مدينة صفاقس في الحي الافرنجي. وقد شيدت سنة 1892 وكانت شاهدا على وجود جالية يونانية هامة بمدينة صفاقس في نهاية القرن التاسع عشر.

هذا المعلم التاريخي انهار سقفه في المدة الأخيرة، وتصدعت جدرانه، وتضررت أجزاء عديدة من تحفه وأثاثه ولوحاته النادرة كما عاين ذلك كثير من أهالي المدينة. واللاّفت للانتباه أن المشهد الاجتماعي بصفاقس كان في القرنين التاسع عشر وحتى بعد منتصف القرن العشرين يتميّز بالتنوّع والاختلاف على مستوى الثقّافات واللّغات والأديان. ولم تطرأ على هذه العلاقات صراعات دينيّة أوعرقيّة، ممّا جعل من المجتمع الصّفاقسي مجتمعا منفتحا متواصلا مع الآخر، تحكمه مبادئ التّسامح والتّعايش على غرار بقية المدن التونسية.

الحي اليوناني

وقع بناء الكنيسة الأورتودكسيّة اذن بالحي اليوناني القريب من البحر، وامتزجت هذه الأقليّة بالمدينة وبأهلها، فعرفت في البداية بالأنشطة المتّصلة بالبحر وبصيد الاسفنج، الاّ أنّ الجيل الثّاني من اليونانيّين (1910-1920) أبدى براعة كبيرة في المجالات التّجاريّة والصناعيّة والطبيّة.

وقد جاء يونانيوصفاقس من حيدرا Hydra وكاليمنوس Kalymnos, (المعروفة بالعاصمة العالمية للاسفنج)، وجاؤوا كذلك من الاسكندرية بمصر وهي مقرّ بطريرك الكنيسة الأورتودكسية لكامل افريقيا. دخل اليونانيون مدينة صفاقس في أواخر القرن التّاسع عشر في حدود سنة 1875، وخلافا للأقليّات الأخرى الذين توزعوا على عدة مدن، استقرّوا هم أساسا بصفاقس والتصقوا بالميناء حيث مسكوا كما رأينا في مرحلة أولى بقطاع الاسفنج ولوازم الصّيد البحري. لقد استمرت البواخر اليونانية لسنوات طويلة تتردد على ميناء صفاقس، بل اتّخذته قاعدة لصيد الاسفنج من جرجيس الى الحمّامات، الى جانب البواخر الايطاليّة والانجليزيّة، وكان نشاط صيد الاسفنج الموسمي نشاطا بحريّا لا يمكن أن تجده في مدينة تونسية أخرى، اذ يدرّ على المدينة أموالا طائلة لمدة خمسة شهور في السّنة بداية من شهر أكتوبر. ورغم أنّ أعداد اليونانيين لم تكن مرتفعة الا أنّ مردودهم الاقتصادي على المدينة كان كبيرا بفضل معرفتهم بهذا الاختصاص، وقدرتهم على الغوص وبراعتهم في تجارة هذه الثّروة. فعلى سبيل المثال كانت قيمة صادرات صفاقس من الاسفنج سنة 1854 في حدود 60 ألف فرنك، ولا يزيد الكيلو الواحد عن 5 فرنكات، وفي سنة 1895 بلغت قيمة الصّادرات 1.500.000 فرنك، بمعدل يتراوح بين 20 و27 فرنك للكيلوغرام الواحد. أمّا في سنة 1905، فقد بلغت الصّادرات ما قيمته 2.000.000 فرنك، وارتفع سعر الكيلوغرام الواحد الى 30/35 فرنكا. باختصار، كانت تجارة الاسفنج مزدهرة بصفاقس وهي عبارة عن «مجرى أو رافد من الذّهب والفضّة يغذي صناديق الدّولة والخواصّ»كما جاء في الجريدة اليومية باللغة الفرنسية «لا ديباش سفاكسيان» في 23 أفريل1911.

تنوّع ديني.. ومعماري

هذه الخريطة الدينيّة فريدة من نوعها لأنّ المسافة قريبة بين معالمها، فعندما تنتقل بينها، فانّك في زمن قصير تزور الدّيانات السّماوية الثلاث. هذه الفضاءات المتّحدة كديانات سماوية والمختلفة في تراثها المّادي واللاّمادي يمكن أنّ تشكّل محورا دينيّا أو مسلكا تراثيا دينيّا نادرا. اليوم هناك اهتمام كبير في العالم بهذا المنتج السّياحي، انّه تاريخ ثريّ وملفت لجذور متعدّدة وتأثيرات متنوّعة في قلب النسيج المعماري لمدينة صفاقس وللمدينة الأوروبية أوباب بحر بالتّحديد. انّ مجمل هذا التّراث الديني شاهد على حضور الأقليّات الدينيّة وعلى تأثير المؤسّسات الدّينيّة في تاريخ المجتمع الصفاقسي، ويسجّل هذا التّراث الدّيني أيضا الدّور الاستراتيجي الذي قامت به مدينة صفاقس الحاضنة لهذه العمارة الدّينيّة المختلفة والحاملة للتنوّع الحضاري والثقّافي واللّغوي. انّه تسجيل للزّمن، وتطوّره وتسجيل لعلامات تراثيّة مضيئة في تاريخ مدينة صفاقس الطّويل. رغم أنّ هذا التراث الدّيني حاضر وفريد في النّسيج المعماري للمدينة، ويمثل تنوّعا وثروة لا حدود لهما، فانّ الكثير منّا لا يعرف داخل هذه البناءات الدّينيّة، وما بداخلها، وماذا تختزن أسقفها؟ انّ النّاس لا تعرف الكنوز الصغيرة التي بداخل أماكن العبادة هذه، وكأنّ حاجزا نفسيّا يمنعهم من المعرفة والاطّلاع ومن اكتشاف الآخر، الذي كان جزءا منّا ومن ذاكرتنا وتاريخنا وعلاقاتنا ومصالحنا التجاريّة والاقتصاديّة، فأجدادنا عاشروهم وعاشوا معهم واشتغلوا عندهم وتعاونوا معهم وفرحوا وحزنوا مثلهم. وللتذكير فإن السكّان الأوروبيّين الأوائل كانوا يتحدثّون بطلاقة العربية والايطالية والفرنسية، من ناحية أخرى، يمكن أن يتحوّل هذا المحور الدّيني، الى رمز أو محمل للتّواصل الرّائع والتّفاهم والتّقارب واللّقاء، في زمن نتحدّث فيه عن حوار الحضارات والتنوّع الثقّافي ونحتفل فيه بالتّقارب بين الثقّافات (عام 2010 يوافق السّنة الدولية للتقارب بين الثقافات..) الاستفادة من هذه الميزة في الواقع، تحتاج الى مشروع بحث قادر على المساهمة في تنمية اكتشاف هذا التّراث الدّيني بصفاقس قبل كلّ شيء، والتّعريف به وتقريبه الى النّاس والى سكّان هذه المدينة.


التّراث الدّيني مادّي وغير مادّي. فعندما نستحضر العبادات الدينيّة، نجد لكلّ دين خصوصيّاته وطقوسه ومكوّناته. نفس الشيء بالنسبة للمسجد والكنيسة والكاتدرائية والمعبد. لكلّ مبنى هندسته وفنونه ومرجعيّته ووثائقه وتاريخه. هذا تراث ديني مشترك أيضا وهو جزء من ثرواتنا الثقّافية ذات الدلاّلات العميقة، يربطنا بالمتوسّط وبمختلف الشعوب والديانات الأخرى.

إنّ تسارع التّاريخ قد يفقدنا هذا التّراث وهو بالفعل بدأ يتراجع. فقد غادر آخر يوناني المدينة سنة 1998 وتحوّلت كنيستهم الى المسيحيّين الكاثوليك سنة2007 فترة معينة قبل أن تغلق أبوابها الى أن انهارت. وانتقلت بالتّالي كلّ وثائق الكنيسة الاغريقيّة الى السّفارة اليونانيّة بتونس دون أن يسأل عنها أحد أو يعقبها باحث. وعلينا أن نعلم أن جزءا كبيرا من تاريخ المدينة مسجل في هذه الوثائق: قدوم اليونانيّين الى صفاقس، حياتهم بالمدينة، أعمالهم، نشاطاتهم في التّجارة والبحر والاسفنج ومختلف المهن الأخرى، دورهم الدّيني، علاقاتهم بالكنيسة في الاسكندريّة ...ولا شك يحمل هذا التاريخ جزءا من ذاكرة المدينة ويدعو شبابنا الباحث الى تعلّم اللّغة اليونانيّة للكشف عن هذه الوثائق ا وذلك الأرشيف الذي يختزل تاريخ مدينة صفاقس لأكثر من 100 سنة.
ويجب أن لا ننسى أن مالك الباخرة اليونانيّة وهو مواطن يوناني من صفاقس جور

ج بانوتسوس (Georges Panoutsos) هو الذي اكتشف الكنز الأثري الثّمين، قرب المهدية منذ سنة 1907 وهو المعروض اليوم بمتحف باردو.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.