أذكر «نيتشه» كلما طرقت باب هؤلاء الرجال: «انهم اناس يقودون ويشرّعون ويقولون سوف تكون الامور هكذا» ويحدّدون مقاصد الانسان وغاياته ويتصرفون للقيام بهذه الامور... انهم يبسطون نحو المستقبل ايادي خلاقة ويصبح كل ماهو موجود وسيلة في ايديهم وأداة ومطرقة فمعرفتهم خلق وخلقهم تشريع وإرادة الحقيقة عندهم ارادة القوة». انهم صنف من الناس عاهدوا انفسهم على تغيير ذواتهم وتغيير العالم انهم جماعة آمنت بأن الكون لابدّ ان يعاد نظامه وتنسيق حضوره امام الآخرين فكانت رحلتهم محفوفة بالمغامرة ولكنها اثمرت فتوحات جسدتها كتاباتهم وعلاقاتهم بالواقع. ولعل «سنغور» الشاعر السينغالي الكبير والقائد السياسي الافريقي المحترم والذي مرّت ذكرى ميلاده في صمت 9 أكتوبر 1906 قد استطاع ان يكون بحق واحدا من الذين غيّروا وجه الانسان اذ ان ما كتبه وما فعله قبل وعند حكمه للسينغال يدخل في باب هذا السعي الافريقي لتغيير حضور هذا الانسان في ذهنية الآخر تعريفا بقدراته الحقة فإذ به يتخطى «الزنجية» في رمزيتها الحيوانية مرتفعا بها الى افق انسانية تكشف لذاك «الآخر» جذوة تاريخ يزخر بالجذور القيمية العميقة. انها ذكرى ميلاده ذكرى إعادة الوعي بذاك التاريخ الشعري للرجال فقد يكون آن الاوان للدخول الى عوالم شعرية تكشف ثراء مخيلة حبلى بالصور والدلالات او لعلها ذاكرة تستشرف مستقبل انسانها؟ او لعلها ذاكرة الوطن تشتاق لطرق ابواب لا يعرفها سوى ابطال حركات التحرير الوطني؟ او لسنا مع ثقافة عانت من ويلات تغريبها وتشويه رموز انسانها؟ انه عالم المشافهة ذاك الذي بدأت به حكاية الانسان مع الكون ففي تلك الاصوات اختزل الانسان حسرات وأبلغها للسامع فأطربه ولعل عالم المشافهة اخترقه عالم المكتوب وحمله الى افق تحدث فيه انسانه فصار القول للقول مدوّنة يحفظها الانسان للانسان. ولعل القارة الافريقية كانت ولازالت تحتفي بهذا الشفوي فيتحلق حوله الناس ويستمعون الى منطوقه غير ان تطوّر انسانها حتم ضرورة تطوّر وعيها بالقول فكان «المكتوب» شهادة على هذا التحول اذ لا يمكن لصوت ولشعب ولحضارة ان تعانق «الآخر» بغير وعي بالكلمات ضمن نظام ونسق وبنية تعرف اصولها. ولعل الشاعر الراحل «ليوبولد سيدار سنغور» قد استطاع ان يعي قيمة فعل المكتوب في تصوير ثقافة ثرية يتداخل فيها الظاهر بالخفي يقول «سنغور» في قصيدته الطوطم : «عليّ اخفاؤه في عمق شراييني السلف ذو الجلد المخطط بالرعود والصاعقة حيواني الحارس عليّ اخفاؤه فلا أحطّم حاجز الفضائح هو دمي الامين الطالب للامانة حاميا فخاري العاري ضد نفسي وأبهى الأعراق السعيدة...» (*) انه الصوت الافريقي ذاك الذي يبحث عن اصل وجوده فيحصل التميز عن «الأخر» ذاك الذي توهّم يوما تفوقه على هذا الزنجي ولكن هيهات وهيهات يرتجي فهذا الافريقي له سلالة منها ينحدر وبها يباهي انه يمعن في إثارة «الآخر» فلا يكشف له عن مصدرها فكفى انها حيوان يجمع بين القوة والأمانة. لعلنا امام صورة شعرية جديرة ان ترفع الى منزلة رمزية لا تفضح ذاتها بذاتها بل تجعلها تتوق الى تأويل يصعب بلوغه اذا لم نفهم هذه الروح الحضارية التي يختلط فيها الواقعي بالعجيب والمباشر بالمدهش. ففي قصيدة «مناسبة للنايات والبالافونج» اختلطت العوالم واحتشدت الصور والقى بنا الشاعر في ازمنة يصعب علينا الوقوف على حدودها: «تدفع بي دون استراحة عبر أدغال الزمن تتبعني وهي دمي الأسود عبرالحشود حتى الفرجة التي ينام فيها الليل الابيض اعود احيانا الى الشارع وأرى من جديد النخلة الضاحكة تحت الرياح صوتها مصوّتا يلامسني بضربة جناح خفيف وأقول: «انها السيدة حقا» ... هذه الرحلة الطويلة، ياحبيبتي هذه القبلة البطيئة ذات المذاق اللذيذ المر كنت اكره اكثر فأكثر يوميا الجناح البعيد للنورس كنت اكره يوميا اكثر فأكثر وجه الشرق الذي للخطيبة الزرقاء فهل نحن امام ذات في مواجهة ذاتها؟ أم نحن امام ذات في مواجهة «الآخر»؟ أم نحن امام ذات في مواجهة اللغة لتصنع اشياءها وتكشف عن عمق وعيها بعالم خاص ومتميّز؟ اننا امام شاعر وما في ذاك شك يتوضح حضوره في اتقانه لفن التخيل وفن مراوغة العوالم الجاهزة فيفكك العالم ويعيد تركيبه ويدعونا الى ذاك الجمال الذي يقطر لذة من لدن اجساد «زنجية». تزخر بهجة وحياة: «أيتها الصبايا ذوات الصدور المنتصبة غنين النسغ اعلن عن الربيع لم تسقط نقطة ماء واحدة منذ ستة شهور ولا كلمة رقيقة ولا برعما للسرور». انها شاعرية لا تتحرك ضمن وعيها بواقع سياسي وتاريخي جعل من هذا البلد الاسود ومن خلفه القارة الافريقية مطمعا لاستعمار يمتهن امتصاص ثرواتها وتكبيل انسانها ولذلك قام هذا الشاعر الرئيس للتصدي لتلك الروح الغازية والقوة الغاشمة والإرادة السالبة المتوجهة للاستيلاء على الارواح والاجساد والثروات: «اعرف ان الزوجات رحلن باتجاه امهاتهن والشبان انتزعوا نصيبهم من المشاع والممتلكات العمومية مباعة بالمزاد العلني والكبار ينظمون زوجاتهم في تجمّعات منتجي الفحم الصلب... هاهي الأثيوبية متوحشة مثل الذهب اليانع. ونزيهة مثل الذهب نعومة الزيتون بشوشة في وجهها الناعم بشوشة في ابهتها متوشحة بالأخضر والغيم». ولعلنا مع شاعر يحذق الكتابة مثلما يحذق توظيف الكلمة فاذا به يجمّع الناس حوله فيغدو قائدا للناس انه يجمع بين الوعي الجمالي بالكلمة وبين حسن توظيفها. اننا ندرك جيدا اننا مع هذا الشاعر سنغور نستدعي ضرورة نصا شعريا ثريا تداخلت فيه الوقائع بالرموز والظاهر بالخفي والانساني بالاسطوري انه ذاك الانسان وهو ينفتح على ذاته فلا يجد غير ذاكرته وغير تاريخها الموغل في الحضور المبهم المربك لكل الازمنة. «انت الأفعى المقدسة غير المتكلمة يا واضعة الألغاز الجميلة الا اني تعلمت من أسياد العلم فك اسرار الهيروغليفية فوق الرمل انت ملاك الابن الضال ملاك الحلول التي لها جلاء الفجر حين ضغط الضباب طوال الليل عميقا على جزعي انت باب الجمال باب النعمة الساحر امام مدخل الزمن الاولي كنت ألعب مع الحصى والحمام». شاعر هو او ذاكرة الوطن... شاعر يفرض علينا ان نذكره في كل آن ولتكن عودتنا اليه دعوة للبحث الجدي في موروثه الشعري لعلنا نؤسس نصا آخر يعمّق هذه الكتابة ويزيد في تأصيل كيانها انها كتابة ما جفّ بعد حبر صاحبها... ** المصدر والهوامش: ليوبولد سيدار سنغور: طام طام زنكي ترجمة: د. شربل داغر مراجعة د.ليلى عثمان فضل سلسلة ابداعات عالمية الكويت جوان 2002 نيتشه: ما بعد الخير والشر اليمار باريس تشنوا اشيبي: كثبان النمل في السافانا ترجمة فرج الترهوني مراجعة عامر الزهير سلسلة ابداعات عالمية الكويت ديسمبر 2002