* بقلم الاستاذ : جمال الدين بوغلاّب قصر السلام ب»لاهاي» جلسات تنعقد وأصوات تتعالى واقتفاء أثر حقّ لن تسقطه توازنات القوى في عالم «ديمقراطية» العمّ «سام»، ولن يبليه الزمن. قصر السلام!؟ وهل بقي من جوهر المسألة إلا عنوانها.. ومن العدالة الدولية الا قصورها؟ ومع ذلك نزل خبر الشروع في جلسات محاكمة «جدار السطو العنصري» العلنيّة. نزول الثلج على السهول بعد طول قيظ. صفاء ونقاء وعنوان تدعايات، هزّت «الانسانية» في صميم ماهيتها خاصة وأن التركيبة الذهنية «لحياة» الصهيوني تكاد تكون في متناول كل باحث ومعايش، وانعكست على مرّ «الاجتماع اليهودي» في أي مجتمع كان في بنى سكانية وهندسة عمرانية تتّسم بالتقوقع والانغلاق، بحيث نعلم ويعلم الأوروبيون أكثر من غيرهم أن بنية العقل الصهيوني ذهنيا وتاريخيا هي بنية «قيتوهات» وتجمعات مغلقة غير متاحة لسواهم كواقع وغير قابلة للترويج كعقيدة سلاليّة فهي تواجد خلف ساتر ايديولوجي وحائط حديدي يحجب الوجود والآخر. وبإمكان أي باحث محايد أن يتصفح أدبيات المنظّر الصهيوني «جابوتنسكي» ليفكّك المحجوب من الظهرة. وعليه فإن هذا الجدار الذي ينطلق من جبال جلمون في غور الأردن قرب جنين. الى جهة «سالم» ف»طول كرم» فنزلة عيسى الى باقة الشرقية هتكا وضمّا لممتلكات الإنسان الفلسطيني في أراضي السقوط الثاني لسنة 1967 ثم يتجه شرقا ليلتف على مدنية «قلقيليّة» من جهات ثلاث مبتلعا آلاف الهكترات ويسيّج الوجود والارادة ويجعل من «المكان» معتقلا يخضع للرصد والحراسة والفتح والإغلاق لأكثر من ثلاثين بابا بعضها لن يفتح أبدا. ثم يلتف «الثعبان الإسمنتي المسلّح» على القدس ليصادر المدينة كمجال سكّاني وعمق ديمغرافي بشري وعلامة هويّة وعقيدة، فينتزعها من عمقها الفلسطيني العربي مسيحيا كان أو علمانيا أو اسلاميا. فتنقطع مؤشرات الحياة والتواصل مع «جنوبي وشمالي الضفة الغربية لنهر الأردن» وهو ما يهيء لصهينة المدينة تماشيا مع «الخطاب» الايديلوجي والسياسي المخيّم على المنطقة هذه الأيام، حتى تستحيل تدريجيا الى مدينة يهودية لاوجود فيها لمظاهر المقاومة للسطو على التاريخ والجغرافيا ويصبح المنطوق خافتا وأحيانا «حائط البراق» دأبا وشيوعا «البكاء على أمة كانت فهوت» ويأتي «العازل» بعد ذلك على مدينة «الخليل» عزلا وقضما ومصادرة. مع العلم وأن هذا المشروع ليس حادثا ولا جديدا ولا عرضيّا كما يحاول البعض أن يفهمنا. فشارون ذاته كان يؤمن بهذا التمشي منذ سنة 1983 لما كان وزيرا للدفاع، وكذلك حاول سلفه «رابين» سنة 1993 حيث طرحت مسألة اجراءات الاغلاق عن طريق جدار ولكن الوضع برمّته لم يكن مهيّئا لتقبل هذا المشروع لما يثيره على المستوى الدولي من إشكالات أقلها ذاكرة رافضة على المستوى الأوروبي مثلا. وبالمحصلة وبعد مراحل الانجاز الحالي يصبح أكثر من «210» آلاف مواطن فلسطيني يعيشون في جيوب محاصرة ومعزولة منها أكثر من 35 ألفا لن يكون بإمكانهم الوصول لا الى المدارس ولا الى مصادرالرزق والفلاحة، كما أنه بعد ما يحصل يصعب تصور «القدس» عاصمة فلسطينية بل وحتى مدينة بمقوماتها التاريخية، دون اعتبار بسط النفوذ على مصادر الوجود والحياة وهي الموارد المائية فالأراضي التي وقعت مصادرتها في المرحلة الأولى تشتمل على «50» بئرا عميقة بمنسوب قدره «7» ملايين متر مكعب من المياه الجوفية التي فصلت عن أراضيها بحيث تصبح نسبة 23.7 من أراضي الضفة تابعة للكيان الصهيوني، ولنتصوّر هذه الأرقام كمؤشر دافع لتجويع وتجهيل الشعب الفلسطيني وحمله تدريجيا على «الهجرة» مرة أخرى وهي احدى الغايات الكبرى للمشروع. الدفع بالانسان الفلسطيني الى ما خلف الضفة الشرقية لنهر الأردن واحياء المشروع القديم «الأردن الوطن البديل» بعد استعصاء لبنان الى حدّ المرحلة الراهنة. الى هذا الحدّ أكتفي بالتداعيات لأخلص الى طرح سؤال قوامه: لماذا كل هذا الرفض الأمريكي الأوروبي لعرض الموضوع على محكمة ذات دور استشاري. رغم الاقرار برفض الجدار؟ إن هذه الإحالة على المحكمة لأخذ المشورة من الجمعية العامة للأمم المتحدة تجد معارضة رسمية وذلك للأسباب والمخاوف التالية: أولا : إن كلا من الولاياتالمتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تخشى على نفسها من هذه السابقة القضائية أن تستحيل عرفا دارجا بما قد يجعل من المحتمل القيام ضدها بقضايا باعتبارها قوى استعمارية ماضيا وحاضرا مثل قضايا التعويض عن نهب الثروات وقتل الزعماء. والأمر لا يستحق السرد وإنما مجرد الاشارة الى النزاع الحالي بين كل من المغرب صاحبة الحق واسبانيا حول «سبتة» و»مليليا» وذاكرة الأمس الأقرب «صخرة ليلى». أما تجارة الرقيق في افريقيا ومصادرة الذاكرة التاريخية لشعوب وقتل وإبادة سكان أصليين «مثل الهنود الحمر» وسكان أستراليا الأصليين ومصادرة فلسطين بمجرّد وعد «بلفور» وتنفيذ القرار 194 الخاص بعودة المهجرين الى أوطانهم. والقائمة تطول وتذيّل بأسماء مثل الأمير عبد القادر الجزائري وعمر المختار وحشاد وغيرهم. ثاينا : أن هذه الموافقة سترتب نتائج ليس أقلها ايقاع عقوبات على الكيان الصهيوني وهي مسألة ليست في حساب ساسة الغرب اليوم وهذا موضوع آخر قد نأتي عليه في فرصة مغايرة لأن أوروبا ليست واحدة بل هنالك أوروبا الرسمية المكبّلة وأوروبا المنظمات الانسانية والحقوقية وهي حليفتنا والتي تعني المثقف العربي في المقام الأول لأنها مركز الثقل ونواة الرأي المناصر لقضايانا. ثالثا : الرفض الطبيعي والقفز على الحدث المربك للكيان الصهيوني بحيث كان التصرّف مذكرا بطلب محاكمة شارون أمام القضاء البلجيكي، خاصة وأن العزف على وتر الكراهية والمعادات للسامية أصبح غير مأمون المردودية الأمر الذي جعل «نتانياهو» الوزير في الحكومة الشارونية يطالب بالبحث في سجلاّت القضاة الشخصية. ونحن ولئن كان بإمكاننا متابعة تغطية الشق العلني من الجلسات والمراهنة عليه الا أن مرحلة التأمل التي تستغرق بعض الأشهر ستعرف حتما أوجها عدّة لمحاولة تنفيذ التهديد والضغط على القضاة ومن قبلها استعملت نفس الآليات للضغط على أعضاء البرلمان التركي من أجل الحصول على موافقته لاعتماد تركيا كأراضي عبور لغزو العراق. وفي هذا المستوى كما أنه لا يمكن الرهان على أوروبا الرسمية فإنه عموما لا يمكن الرهان على الموقف العربي الرسمي لأنه أصلا ليس هنالك جهة رسمية عربية واحدة ذات موقف واحد بل لربما آراء تتغيير على مدار الساعة وتتعدّد تعداد أعضاء الجامعة قديما مضافا اليهم رأي أو أكثر لكل أعضاء مجلس بريمر المؤقت بالعراق الحالي وحلفائه. لذا فكلّنا ابن نفسه فلانريد لنا آباء يجلبون لنا الخبز ويضربوننا كي ننام.