* بقلم: الأستاذ بدر الدين الربيعي يتطلع الملايين من أبناء الوطن العربي إلى القمّة العربية القادمة التي ستحتضنها تونس من 29 إلى 31 مارس 2004 وكلهم تفاؤل وأمل وتحفز لمستقبل أحسن وأفضل. التفاؤل بتنقية الأجواء وإزالة كل الخلافات السابقة وما تركه الغزو العراقي للكويت من مخلفات وآثار على علاقات بعض الأطراف العربية ثم تباين المواقف من الحملة الأمريكية الأولى ضد هذا البلد وأخيرا من الحرب الأمريكية الأخيرة التي انتهت بغزو العراق قبل عام. وبزوال النظام العراقي السابق يبدو ان كل المبررات السابقة قد زالت ولم يعد هناك مانع لاعادة الصفو للعلاقات العربية ولمّ الشمل ورص الصفوف وتنقية الأجواء بصفة نهائية بين جميع الأقطار والأنظمة في المنطقة. والأمل يكمن في ان جميع أبناء الأمة العربية قادة وشعوبا تأكدوا الآن أكثر من أي وقت مضى ان عليهم ان يتجهوا نحو المستقبل بإعداد مشاريع جادة وحيوية لاستيعاب الكفاءات واليد العاملة العربية وإحداث مواطن شغل وبناء اقتصاد قوي ومتكامل ومتماسك خاصة وان العولمة واقتصاد السوق بلغ أشده وأصبح يهدد بصفة واضحة كل الاقتصاديات الهشة والقوى المالية المتفرقة أو على الأقل غير المنسقة فيما بينها بقدر معقول. فاليوم أكثر من أي وقت مضى أصبح البقاء للأقوى اقتصاديا والأوفر انتاجا والأكثر اتقانا والأقدر على الصمود في وجه المنافسة العالمية القوية وهذا لا يتأتى إلا بافساح المجال للاستثمارات العربية والغاء القيود والحدود «الاقتصادية» والتخطيط لتكامل حقيقي يأخذ بعين الاعتبار الوقع والامكانيات المتاحة والطاقات والحاجيات والآفاق العربية. فالعرب اليوم ليسوا بحاجة لسياسة خارجية قوية ولم يعودوا بحاجة لشعارات أو ايديولوجيات أو نظريات أو دعايات بقدر ما هم بأمس الحاجة لتوفير امنهم الغذائي وتأمين مصادر المياه وحسن استغلال ثرواتهم البحرية والطبيعية وتحويل موادهم وانتاجهم الخام والتخطيط المحكم لاستغلال مواردهم الطبعية ومصادر الطاقة التي تزخر بها اقطارهم على الوجه الأمثل حفاظا على مصالح الأجيال القادمة وفي نطاق نظرة استراتيجية واستشرافية مبنية على قواعد علمية محكمة ودراسات معمقة وأسس ثابتة. والعرب كلهم تحفز وتطلع لمستقبل أحسن وأفضل باعتبارهم كتلة بشرية واقتصادية وجغرافية وحضارية هامة من حقها أن تفرض وجودها على الساحة الدولية على غرار ألمانيا واليابان بل وعلى غرار النمور الآسياوية التي استطاعت أن تغزو الأسواق العالمية بجودة صناعتها واتقان انتاجها والمحافظة على التزاماتها وجلب الاحترام والتقدير لها واكتساب ثقة بقية الدول في حين أن البلدان العربية هي أجدر بذلك لما تتوفر عليه من امكانيات وطاقات هائلة ومتعددة. والعرب كلهم أمل أن تحقق قمة تونس أغلب تطلعاتهم وآمالهم لما عرفت به بلادنا من سمعة طيبة وكرم الضيافة وتوفير الأجواء الملائمة للعمل العربي بصفتها بيت العروبة ومجال التفاهم والمصالحة وفضاء للحوار ولما تتميز به قيادتها الرشيدة من حكمة وحنكة واشعاع دولي جعلها مثالا يحتذى به على عدة أصعدة وفي الكثير من المجالات والمناسبات واللقاءات والاجتماعات الدولية الهامة وما عرف به رئيسها من تبصر وبعد نظر وتخطيط محكم للمستقبل وحرص على خدمة جميع القضايا العربية والتي على رأسها قضية فلسطين التي هي قضيته الشخصية والتي نأمل أن تخرج عن هذه القمة قرارات حاسمة لفائدتها تساهم في رفع العزلة عن الرئيس ياسر عرفات باعتباره رمزا للسيادة الوطنية الفلسطينية وتوجه رسالة قوية وواضحة لمن يناصرون العدوان الاسرائيلي وتلوح بقرب ساعة الخلاص للشعب الفلسطيني وتدعمه بوسائل ملموسة وعملية بعيدا عن أساليب الدعم التقليدية التي لم تعد تجديه نفعا. وهذا ليس بالعسير على تونس التي احتضنت الإخوة العرب في أصعب الأوقات وساهمت في دفع العمل العربي وفض النزاعات وإيجاد الحلول المناسبة لكل الخلافات وإزالة السلبيات ورص الصفوف باعتبار سياستها العربية والدولية المتميزة والرصيد الكبير من الثقة والتقدير والاعجاب الذي تحظى به في المحافل الدولية ومن طرف صناع القرار على الساحة العالمية. وإن جودة الاعداد واحكام التنظيم والخبرة والحنكة السياسية والديبلوماسية التي تعرف بها القيادة التونسية من شأنها أن تجعلنا مطمئنين على توفير أكثر حظوظ النجاح لقمة تونس التي نرجو أن تكون قمة تاريخية على كل الأصعدة وان تتمخض عنها وتخرج عنها قرارات هامة تضع العمل العربي المشترك في مساره الصحيح وتساهم في طمأنة الشعوب والأجيال العربية على مستقبلها وتعيد لهم الثقة في جدوى ونجاعة القمم العربية.