شاع مصطلح «الإصلاح» في كتبات المصلحين العرب منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين خاصة ثمّ تحجّر بريقه في فترة ما بعد أن حلّت محلّه مصطلحات أخرى مثل «الحداثة» و»الحداثية» و»ما بعد الحاثة» التي يمكن النظر إليها على إنّها معارضة أو ردّة فعل ضدّ إصلاح لم يُوت أُكله إلا في بعض البلاد العربية التي استطاعت أن تستوعب أهمّ مقوّماته. وبخاصة ما تعلّق منها بحقوق الفرد عامّة والمرأة تحديدا. واليوم يُعاد الاعتبار ثانية إلى هذا المصطلح «الإصلاح» وقد صار فضفاضا كهذا «الشرق الأوسط الكبير» الذي شرع العمّ سام في إعداده لعصر «التنوير الأمريكي» بعد أن حصّنه من «وباء الشيوعية» وأعدّ العدة لتحصينه من وباء الإرهاب «الإسلامي» فمن الطبيعي إذن أن يختلف العرب بشأن هذا الإصلاح وقد تحدّد مصدره وأن يخشاه بعضهم ويرى فيه فيلا هائجا يدوس كلّ ما يعترضه دون أن يلوي على شيء. وهي خشية لها ما يبرّرها بعد غزو العراق خاصّة وإطلاق يد إسرائيل في فلسطين. على أنّ هذا التبرير يبدو واهيا عندما يصدر عن بعض العرب الذين «فرّطوا» في الحدّ الأدنى من أسس التضامن العربي منذ حرب الخليج الثانية، فضلا عن أنّ مجتمعاتهم لم تستطع رغم التقاليد الفكرية المستنيرة في بعضها وثروات بعضها الآخر الخيالية أن تقطع الحبل السري الذي يشدّها إلى أصوليات القرون الخوالي. ولذلك فإنّ اعتراضهم على الإصلاح بدعوى أنّ مصدره خارجيّ وليس داخليا لا يقوم له سند من واقع أو تاريخ. فقد تقوّضت الحدود والفواصل بين «الخارج» و»الداخل» في عالم اليوم واستطاعت «الحداثة» من حيث هي مظلّة فكرية عامة أو ممارسة عملية أن تغنم مساحات شاسعة سياسية واقتصادية وتربوية واجتماعية وثقافية ولم يعد بميسور العرب ولا غيرهم من شعوب العالم الإسلامي أن ينزوُوا في شوارد من ثقافتهم أو في أساليب من العيش والتقاليد لا تناسب الانقلابات المذهلة في عالم اليوم. فالاعتراض الحقّ ليس على الإصلاح وإنّما على نموذج من التنمية ما انفكّ المستنيرون من مثقّفي الغرب يكشفون عن نقائصه وسلبيته وهو الذي جلب على البشرية مشكلتين عسيرتين : إحداهما تفاقم الحيف الاجتماعي واتساع الفجوة بين أثرياء العالم وفقرائه. والأخرى الضّرر الفادح الذي طال موارد الأرض الأساسية ولم يعد بالإمكان إبطال أثر بعضه أو التخفيف منه. وكلّ هذا يجري على أساس من معادلة حسابية انتقائية تضرب بجذورها في منطق التوسع الرأسمالي والتقليد الكولنيالي على تغيّر الوسائل والوسائط فالهيمنة تتّخذ اليوم أشكالا أشدّ مراوغة وفاعلية، بعد أن صار الاحتلال يُسمّى تحريرا ومقاومة المحتلّ إرهابا. وهي أشكال يُراد لها أن تكون أكثر قبولا ولطفا إذ تعدُ هذا العالم «المتخلّف» بالإثراء الذاتي ومشاركة الغرب قدرته الاقتصادية الرائعة، شريطة أن يمتثل لتعليماته وتعاليمه. فما تزال البلاد النامية تصنّف في المنظور الغربي، ك»أشياء» تثير العطف وتستدعي المساعدة والتدخل الأبوي. إنّ أبنية الهيمنة لا تزال على حالها والاقتصاديات الغربية ليست مُصابة بعمى الألوان كما يدّعي البعض وثمّة أصوات ترتفع وتزعم أنّ المجتمعات تحتاج إلى وجهة نظر واحدة متماسكة وإلى نموذج تنمويّ واحد، تمسك صناعته المزوّقة للأيقونات بتلابيب خيال الشعوب بعبارة الأنقليزي جيريمي سيبروك ومن ثمّة تتماثل نتائجه. فضحاياهُ في كلّ مكان من الجنوب والشمال على حدّ سواء... آلاف وآلاف من البشر من بدو ورعاة وصيّادي أسماك وساكني غابات وفلاّحين ومن عمّال المدن وفقرائها، تطاردهم المشروعات الكبرى كالسدود والمطارات والمدن السياحية والتقنية في الزراعة وتزايد الآلية في الصناعة... كلّ هؤلاء يُدفع بهم إلى جحيم المدن.. إلى الأحياء القذرة المكتظّة مثلما يُدفع بنسائهم أو بالكثيرات منهنّ إلى صناعة الجنس العامرة بمزادات علنية للحم البشري .. كلّ هؤلاء ليس لهم من خيار سوى الحياة في مدن الجنوب الفقيرة المعدمة حيث يموتون كمدا بسبب نمط حياتهم البائس، أو يُتلفون أنفسهم وأجسادهم بما «يُوفّره» لهم المجتمع الصناعي من خمور ومخدّرات، لأجل المزيد من تلفهم وضياعهم. إنّهم ضحايا التنمية والبيئة المدمّرة الذين انقطعت بهم السُبل وحاصرتهم الحروب والنزاعات على الموارد أو بسبب الاختلافات الإثنية. وكلّ ذلك جزء من عملية خفية أو علنية أكبر تستهدف تخريب الاعتماد على الذات وتحطيم ما تبقى من قناعات خارج ساحة السوق العالمية التي ما انفكّت تتسع وتتمدّد. فلعلّ مشروع الإصلاح هو الذي يحتاج حقّا إلى إصلاح!