الحكومة الاسبانية الجديدة بقيادة زاباتيرو سوف تسحب قواتها من العراق في الأسابيع القادمة... الإدارة الأمريكية وعلى لسان غونداليزا رايس لم تتفاجأ بالخبر... بل ان ادارة بوش تتوقع أن يحذو آخرون، حذو إسبانيا من المسؤولين الأول في دول أدخلتها الولاياتالمتحدة في «التحالف» الحربي الاحتلالي ضد العراق، وفق ارادة أمريكا وليس تماشيا مع ارادات شعوبها... هذا الخبر وذاك، يبين أن قول «لا» لأمريكا ليس أمرا مخيفا ولا هو بالأمر المستحيل في هذا الزمن الدولي الذي تسوسه أمريكا بامتياز... كيف ذلك؟ حين قررت اسبانيا الرسمية، الاستجابة لجمهور الناخبين وأعلنت ساعات قليلة بعد تشكيل رئيس الوزراء الجديد لحكومته أنها ستنسحب من العراق، لم تقم الدنيا على رأس مدريد... لماذا؟.. لأن الحكومة المنتخبة طبقت ما أعلنته من وعود انتخابية على أرض الواقع... بل إن رئيس الحكومة الاسبانية الجديد شدّد على أنه يريد أن يقيم علاقات تعاون مع الولاياتالمتحدة من نوع جديد... تكون خالية من التبعية... لم نر أمريكا تزبد ولا تصرخ ولا تهدد مدريد... بل احترمت ارادتها، وهي مجبرة على أن تحترم إرادة الدول في اعلان استقلالها وإعلان رؤاها المتعارضة معها... هكذا أقدمت اسبانيا الحليفة لواشنطن على قرار لم تجرأ عليه روسيا ولا اليابان... والحقيقة أن المثال الإسباني يعد حلقة وصل مع ما شهدنا ورصدنا من مواقف دولية متناقضة مع السياسة الأمريكية في العراق وفي فلسطين... فالموقف الفرنسي ومعه الموقف الألماني يعد تأسيسا لمرحلة جديدة من التعاطي بين حلفاء الأمس، حلفاء زمن الحرب الباردة والثنائية القطبية... فعندما صمدت فرنسا ضد الحرب على العراق، أمكن لروسيا والصين أن تتبعا خطى باريس، فكان أن دفعت هذه المواقف، واشنطن الى هاوية الخروج عن الشرعية الأممية وعن القانون الدولي، فبنت تحالفا عسكريا دمرت به العراق واحتلته وفق تشخيص خاطىء وكاذب : أسلحة الدمار الشامل. واليوم تصمد اسبانيا وتتمسك بموقفها الرسمي الجديد الذي تميز عن مواقف الحكومة السابقة، بكونه موقفا متناغما مع الرأي العام الاسباني الذي رفض الحرب على العراق ورفض بالتالي معاضدة اسبانيا «أزنار» لسياسة واشنطن الامبرالية.... اسبانيا، تصمد اليوم أمام رياح أمريكا العاتية التي تسعى إلى مزيد الهيمنة على الحليف قبل الهيمنة على المستعمر (اسم مفعول)، لأنها وضعت شروطا مسبقة، وتيقنت بسرعة أنها شروط غير قابلة للتحقيق... إسبانياالجديدة. قالت إنها مستعدة لإبقاء قواتها في العراق بشرط أن تكون تحت راية الأممالمتحدة... لكن الجواب جاءها سريعا من واشنطن : أن لا تضيعي وقتك، مدريد، لأن الولاياتالمتحدةالأمريكية لم تضرب نظام الأمن الجماعي المنصوص عليه بوضوح في ميثاق الأممالمتحدة، حتى تعود إليه بعد كل هذه الخسائر، وبعد أن تحملت أمريكا كل هذا النقد الذي نزل عليها بشكل غير مسبوق من رجال القانون وبعض الذين ما زالوا يعتقدون في أن الأممالمتحدة يمكن لها أن تتحرك والعالم يعيش وفق «قرن واحد» في حين أن حلف الأممالمتحدة تأسسس على ثنائية قطبية... إذن واشنطن ردت بوضوح على ما فهمته «شروطا» اسبانية، بأن لا سبيل لأن تسلم الولاياتالمتحدة «عُهدة العراق» إلى الأممالمتحدة... وكأنّ لسان حال هذه الدولة الكبرى يقول : هذا هو الوضع... فمن قبل به أهلا وسهلا... ومن يهوى الفلسفة والقانون، فهذا ليس طبقا من أطباق هذا الزمن... لهذا جاء رد الفعل الأمريكي غير متشنج... لكن السؤال الأساسي الآن : ما الذي يجعل اسبانياوفرنسا من قبلها، تقولان «لا» والعرب جميعا غير قادرين على الإدلاء بصوت واحد، يضع حدا لهذا التمادي الأمريكي في ضرب الأمن القومي العربي؟ ولماذا تصور أمريكا على أنها قدر محتوم على العرب، في حين هي ليست سوى قوة متفوقة، يمكن أن تواجه ب»لا»! كما يمكن أن تواجه سياستها بالقبول؟ لماذا نجد أن لكل أمم الدنيا، وفي مثل هذا الزمن الخطير، أكثر من خيار، في حين يجد العرب أنفسهم بين «المرّ» والأشد «مرارة» من كل خيارات الدنيا؟ لقد رأينا، أن قولة «لا» لأمريكا ليست نهاية التاريخ، بل أنها يمكن أن تكون بدايته، ورأينا كذلك كيف تحذق الأمم فعل السياسة، فهل هناك عاقل اليوم يعطي الادارة الأمريكية المتخلية في أشهر الانتخابات، ما يمكن أن يقوي «عودها» ويشد «أزرها» في الانتخابات... تلك الانتخابات الرئاسية التي لو عادت بهذه الإدارة ثانية، فسيرى العرب بالذات منها، ما لم يكن في حسبان أحد. قولة «لا» لأمريكا اليوم، لا تساوي كرامة واستقلالا، بل هي بمثابة الانقاذ للانسانية في هذا التيار الخطير والجارف، والذي يمس إنسانية الإنسان، ويعصف بكل مقدرات الإنسانية، من فعل حضاري ايجابي إلى قوانين وضعية جميلة. مرورا بحقوق مدنية وإنسانية غير مسبوقة... الذي يقول «لا» لأمريكا اليوم يسهم في انقاذ الكون المؤسس على العقلانية من التدحرج نحوهاوية إسمها قانون القوة... وقانون الغاب... فما زال الوقوف في وجه أمريكا ممكنا... في عصر الهيمنة بالحديد والنار...