أصرّ الربيع العراقي هذه السنة أيضا، على أن يكون في لون شقائق النعمان، أحمر قان. وفي لون لهيب النار المستعرة، أزرقا كالجحيم...! وهكذا لم يختلف ربيع الاجتياح على ربيع سنة أولى تحرير. وعوض ان تتفتّح أكمام ازهاره كما وعد «المنقذ من الضلال» ماتت قبل ان تستنشق أولى نسمات الحريّة. وعوض أن تهطل السماء في عيد النيروز، هدرت المجنزرات باللهب بدل المنّ والسلوى! وفي ربيع العراق، تعوّض طائرات الاباتشي الفراشات، ويعوّض أزيز «الأف 16» طنين النحل، وبدل ان يذهب الاطفال الى المروج، يتسابقون إمّا الى المقابر أو الى المستشفيات، ثم يخرجون منها إمّا بلا جناح او بلا منقار! إنّه ربيع الحرية، الذي يسقى بماء النار، وبغبار البارود، وبأسمدة الخراطيش! ربيع يقتل ولا يُحيي، لا تظهر فيه شمس وانما سماء ملبّدة بدخان كريه، ولا تنبت فيه زهور بل أغصان شائكة، تدمي الاجساد الغضّة وتجرح لحما طريّا لصبية كالخرفان، صبية من حليب! وفي السنة أولى تحرير، لا أحد يشعر بخرير دجلة، ولا احد يحن الى مناغاة الفرات، ما دام العراق قد تحوّل كله الى واد من الدماء، ونهر من الدموع، وبحر من القهر يريد أن ينزع من العراقيين كلّهم جبلّة رفض ترويضهم، ويريد أن يقتل فيهم فطرة كفرهم بكلّ غاصب محتلّ! في السنة أولى تحرير مطلوب بيع بابل وتأجير عرش الاسكندر المقدوني... ومطلوب شهادة ملكية جديدة لكربلاء... ومطلوب مزاد يشرف عليه عدل تنفيذ لتخصيص النجف! مطلوب تحويل العاصمة العباسية الى عاصمة بروتستانية... ومطلوب تنصير قبر أبي اليزيد البسطامي وتهويد رمس تلميذه الجنيد... مطلوب تحويل شارع ابي نواس الى نهج باسم سيلفستر ستالون، ومقام زبيدة الى مارلين مونرو! وليس غريبا بالمرّة أن يتحوّل الخان الذي كان يقيم فيه المتنبي الى مطعم أكلة سريعة باسم ماكدونالد. وأن يتحوّل بيب أبي عثمان الجاحظ الى مغازة لبيع «الدجين لوفيس»، وأن يتحوّل معبد رابعة العدوية الى ملهى للرقص. وقد يأتي يوم يتبدّل فيه اسم البصرة الى تكساس الصغرى، والقادسية الى فيرجينيا الثانية، والمدائن الى فيلادلفيا! ووقتها يكتمل التحرير، ثم يجتاح ربيعه، ما تناثر حول العراق من دول وما جاوره من بلاد!