حركة تحيا تونس تهنّئ الجزائريين بانتخابهم لعبد المجيد تبون    الترجي / الهلال.. التشكيلة الأساسيّة للفريقين    130 طالب لجوء بتونس يعيشون بالشوارع    "الكنام" يطمئن المضمونين اجتماعيا    تناقضات في تصريحات الحكومة حول كلفة إصلاح الخطوط التونسية    سيدي بوزيد: برنامج احياء الذكرى التاسعة “لثورة 17 ديسمبر 2010 للحرية والكرامة”    الجملي يعد بان ينهي تشكيل الحكومة في ظرف 10 ايام    الرابطة الثانية : برنامج مقابلات الدفعة الأولى من الجولة 10    كرة اليد: تفاصيل بيع تذاكر الدور النهائي لكأس الجامعة بين الترجي الرياضي وجمعية الحمامات    النادي الصفاقسي يعقد جلسته العامة العادية التقييمية يوم 17 جانفي القادم    مفاجأة: البنتاغون يتخذ قرارات متعلقة بالسعودية و"المسؤولين عن قتل خاشقجي"    بين العوينة والبحيرة.. القبض على ''ولد الدزيري'' وشريكه اكبرمروجا مخدرات وحجز كميات من الزطلة والاموال بحوزتهما..    اتحاد الشغل يطالب بموقف تونسي رسمي مندد بالقمع والتقتيل الجماعي بالعراق    برامج تحطم الأرقام القياسية في البذاءة وقلة الذوق/ حرب أعصاب منهكة.. على التلفزيون    حاتم بن سالم: اتّفقنا مع نقابة الثانوي حول المنصة الرقمية    تزامنا مع تصاعد المُواجهات المُسلحة في ليبيا.. الناطق باسم الداخلية يكشف ل"الصباح نيوز" الإجراءات الاستثنائية على الحدود    الكاتب العام للجامعة الوطنية لمنتجي الزيتون ل «الصباح»: نسبة الجنّي لم تتجاوز 10 %من الصابة ونرفض «تسعيرة الديوان»    بن عروس.. حجز 11705 لترا من مادة الجافال غير صالحة للاستعمال    تونس: الشاهد يكلّف حاتم بن سالم بالإشراف على وزارة التعليم العالي بالنيابة    الدورة 8 للمعرض الوطني للزّربية والنّسيج المحفوف والالياف النباتية من 13 الى 22 ديسمبر 2019    منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يُندّد بالانتهاكات الخطيرة لحقوق طالبي اللجوء واللاجئين    تبرعات جماهير الإفريقي تجاوزت ال5 مليارات.. وتسوية ملف الشنيحي    الحكم بمصادرة أموال البشير والتحفظ عليه    هذه الدّول وجّهت تهنئة للرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبّون    باب عليوة : القبض على منحرف نفذ العديد من عمليات السرقة والبراكاجات    تطاوين : بلدية تطاوين توزّع أكثر من 200 حاوية لجمع الفضلات على 12 منطقة ريفية ملحقة بها    كاد أن يدفن حيّا.. مستشفى يسلّم شهادة وفاة لعائلة شخص على قيد الحياة    محمد الحبيب السلامي يتعجب ويسأل : لماذا شغلتنا مريم الدباغ؟    الاتحاد المنستيري / مستقبل سليمان .. التشكيلة المحتملة للفريقين    سليانة : حجز 2600 لتر زيت مدعّم    8سنوات سجنا في حق شاب سرق منزل ثم اضرم النار فيه    القبض على فتاة تنشط ضمن عصابة براكاجات وسرقات    الترجي / الهلال.. هل تكون الثالثة ثابتة؟    تقارير : حكم مواجهة اليوم بين الترجي والهلال "سفاح" وسمعته سيئة ومغرم بالإنذارات    صباح اليوم بقرمدة : تاكسي كاد ان يودي بحياة احد المواطنين    قفصة.. تحرير 178 مخالفة اقتصادية منذ بداية الشهر الجاري    تونس تمتلك 80 % من رأس مال البنك التونسي – الكويتي بعد شراء حصّة المجموعة المصرفيّة الفرنسيّة    الجيش الليبي يدمر مواقع تخزين الطائرات التركية بمصراتة    عربية حمادي: لا أحد كان على علم ب''كعبة الطماطم'' في برنامج بولميك    سعد لمجرد يخوض تجربة جديدة    الفنان عزالدين الباجي : أرى نورا في الأفق ... تونس ستبلغه    الهوارية ...سحر الطبيعة وفخامة الحضارة    تظاهرات : نجيب الذيبي في المدينة المتوسطية بالحمامات    سؤال جواب : كيف تساعدين إبنك المراهق على الإقلاع عن التدخين    التلقيح ضدّ الحصبة ضروريّ قبل السفر إلى هذه البلدان    علاج التهاب المعدة بالأعشاب    فوائد قشور البصل : تقاوم الالتهابات وتخفض ضغط الدم    مجلس الأمن الدولي يطالب بغداد بالتحقيق في عمليات قمع المتظاهرين...    حظك ليوم السبت    السلطات السويسرية تجمّد أصول بن علي عاما إضافيا    طقس اليوم: بقايا أمطار في الصباح بمناطق أقصى الشمال ثم مغيم جزئيا    معهد الرصد الجوي: هبوب رياح قوية الى قوية جدا بقية يوم الجمعة وغدا السبت    الدكتور محمود صميدة يُتوّج بلقب أفضل باحث في جراحة عظام الأطفال في الهند    بالتعاون مع "الستاغ": أوريدو تطلق خدمة خلاص فواتير الكهرباء والغاز عبر الهاتف الجوال    في الحب والمال/توقعات الابراج ليوم الجمعة 13 ديسمبر 2019    من مكارم الأخلاق....التعفف    منبر الجمعة : الضمير وازع تربوي    اسألوني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الثورة السورية ومسارات التدويل (14 / 2 – 2) الصراع على النظام الدولي د. أكرم حجازي
نشر في الفجر نيوز يوم 15 - 09 - 2013


قال تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ قَرِيبٌ﴾، ﴿ البقرة: 214 ﴾.
﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿ سورة يوسف: 110﴾.
في أعقاب قرار اتخذه الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بالرد عسكريا على الهجوم الكيماوي على قرى الغوطة الشرقية، أعلن البيت الأبيض رسميا أنه في 31 / 8 /2013 أرسل إلى الكونغرس مشروع قرار يطلب فيه تفويضا بتوجيه ضربات عسكرية ضد النظام السوري, وإعطاء الرئيس الضوء الأخضر ل « وقف» و « تجنب» حصول هجمات كيميائية. وينص مشروع القرار على أن دعم الكونغرس سوف: « يرسل رسالة واضحة عن موقف أميركا الحازم» .. وأن: « الغرض من هذا العمل العسكري هو ردع النظام السوري وإعاقة وتقويض قدراته على استعمال الأسلحة الكيميائية مجددا والوقاية منها». لكن الكونغرس أرجأ التصويت بعد ساعات من انطلاق اجتماعاته المنتظرة.
موضوعيا، ثمة قدر لا بأس به مما يبدو ارتباكا دوليا في التعامل مع الشأن السوري، لكنه في واقع الأمر، وبعيدا عن مذابح النظام ودمويته، ليس سوى صراع على النفوذ بين شقي « المركز». وموضوعيا أيضا فقد بدت أدوات السيطرة والتحكم في الشأن السوري آخذة في التآكل مع نمو سطوة الجماعات الجهادية وقوى الثورة السورية، مما يهدد باحتمال كبير بوقوع فراغ في السلطة قد يتوسع إلى الدرجة التي تهدد بفقدان السيطرة وتعريض التركيبة المتآكلة للنظام الدولي لمخاطر جسيمة.
فقبل مذبحة الغوطة بحدود ثلاثة أشهر، نشر موقع قناة « الجزيرة نت - 1/6/2013 » مقالة لوزير الخارجية الألماني الأسبق، يوشكا فيشر، بعنوان: « أمريكا المفتقدة». وانضم المسؤول الغربي في المقالة إلى أصحاب الأطروحة الذين باتوا مقتنعين بأن النظام الدولي الحالي، بعد الثورة السورية خاصة، قد أمسى في مهب الريح. وبلسانه يقول: « (لقد) جرى الحفاظ على النظام الإقليمي الذي خلقته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب الباردة والحقبة الوجيزة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت نهايتها، بيد أن اضطرابات السنوات الأخيرة العنيفة ربما تفضي إلى نهاية هذا النظام ..الآن أصبحت الحدود الاستعمارية محل تشكيك، ومن الصعب أن نتكهن بما قد تنتهي إليه أحوال سوريا ولبنان والعراق والأردن. والآن أصبحت إمكانية تفكك المنطقة وإعادة تشكيلها - وهي العملية التي قد تطلق أعمال عنف لا توصف كما يحدث في سوريا - أعظم من أي وقت مضى».
فلنتابع ما كشفت عنه مذبحة الغوطة من تشخيص لوقائع صراع دولي انطلق ولن ينتهي قريبا، لا بضربة عسكرية ولا بأخلاق لم تعد قائمة منذ زمن بعيد.
أولا: عالم بلا أخلاق
ليس في النموذج الرأسمالي الذي يهيمن على العالم سوى معياري الكسب والخسارة حتى في إطار الصراع على النظام الدولي، فكل الأمور والأشياء، وفق هذا النموذج، ليست سوى سلع يجري المتاجرة بها بموجب ما تفرضه حركة السوق من تثمين لهذه السلعة أو بخس لأخرى. وهكذا انتهزت زعامات « المركز» مذبحة الغوطة كسلعة ثمينة يمكن المتاجرة بها تحت مظلة ردع الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية وقتله لنحو 1429 بريئا. أما روسيا، الراعي الرسمي للقمع والاضطهاد والحرمان والقتل لعشرات السنين، فقد جعلت من المبررات القانونية السلعة المنافسة، في القيمة، للمذبحة. أما الثابت بين شقي « المركز» ففي أنهما لم يتصرفا في يوم ما بأية أخلاق، ليس لأنهما مجردان منها فحسب بل لأن المنظومات الأخلاقية برمتها ليست في عالم المصالح من السلع المتداولة في نظام السوق البغيض هذا.
وبقطع النظر عن أية تبريرات للقرار الأمريكي إلا أن قرار التدخل العسكري من المفترض أنه اتخذ بموجب الصلاحيات التي تخول الرئيس اتخاذ القرار دون العودة إلى الكونغرس إلا بعد مرور شهرين، ودون الحاجة إلى مجلس الأمن الدولي، بل ودون الحاجة إلى أي سند قانوني، محلي أو دولي. وهذا يعني أن التدخل العسكري، رغم الاندفاع الإعلامي والتردد السياسي، دخل فعليا حيز التنفيذ، سواء وافق الكونغرس أو رفض أو أرجأ قراره، وسواء أدان التحقيق الدولي سوريا أم لم يدنها، وسواء نجحت المبادرة الروسية بنزع السلاح الكيماوي في سوريا باعتراض الكونغرس أو فشلت.
وفي المحصلة فإن قرار أوباما لا يختلف عن قرار سلفه جورج بوش الابن حين غزا العراق ( أفريل / نيسان 2003) بعيدا عن أية أطر قانونية محلية أو دولية إلا من السعي إلى تشكيل تحالف دولي كما فعل بوش من قبله!!! وهذا ما يراه، ليس الروس فقط، بل بعض الكتاب البريطانيين والأوروبيين الذين أبدوا مخاوفهم من تكرار التجارب الفاشلة في العراق وأفغانستان من قبل. والمثير في الأمر أن أحدا لم يعد بإمكانه أن يبتلع تدخلا من المفترض أنه يستهدف النظام الدموي في سوريا، لكنه ليس كذلك ولن يكون. كما لا يمكنه أن يتقبل ببساطة حديثا عن تدخل باتت تعترضه الشكوك في أهدافه وألف عقبة وعقبة في طريقه.
ومع ذلك فإن المشهد الأشد إثارة تجلى في مواقف الشعوب الأمريكية والأوروبية المناهضة على نطاق واسع للتدخل. وقد كان بالإمكان أن النظر في أولويات الأوضاع الداخلية لهذه الشعوب ودولها في ضوء التجارب السابقة والأزمات الرأسمالية والاقتصادية، لكن كيف يمكن تبرير مواقف شعوب أدارت ظهرها لأكثر من عامين ونصف لأبشع جرائم القتل بحق شعب من أرق شعوب الأرض، ولم تكلف نفسها عناء الخروج، حتى الآن، ولو في احتجاج واحد ضد وحشية نظام طائفي أرعن يتلقى الحماية والدعم من دول هذه الشعوب ذاتها.
فالأمريكيون أنفسهم رفضوا التدخل بنسبة 60%، فضلا عن أن أكثر من 70% منهم باتوا يعتقدون أن « الضربات لن تخدم المصالح الأميركية»، مع ارتفاع النسبة إلى حدود 75%. أما البريطانيون فقد عارضوا التدخل العسكري بنسبة 75%، ورفضوا في مجلس العموم مذكرة الحكومة التي تقدمت بها في 30/8/2013، وانتهت القراءة الأولى لها بالتصويت ضدها بنسبة 285 معارضا مقابل 272 مؤيدا لها. ولعل أطرف ما في هذا الرفض أنه الثاني من نوعه في بريطانيا منذ سنة 1782 عندما عارض المجلس طلب الحكومة إعلان الحرب على المتمردين في أمريكا، وهو ما اعتبر، في حينه، اعترافا باستقلال أميركا، لكنه اليوم يعارض تدخلا لمنع استعمال أسلحة الإبادة الجماعية ضد المدنيين الأبرياء وليس د ثوار أو متمردين. أما بقية الشعوب، وبحسب استطلاعات للرأي العام، فقد رفض 68% من الفرنسيين تدخل بلادهم في سوريا، وأبدى 64% منهم معارضتهم بشكل عام لأي عمل عسكري دولي ضد نظام الأسد، واتخذ 63% من الألمان نفس الموقف.
إذا كان هذا حال الشعوب فما بال الدول!!؟ فالولايات المتحدة وبقية دول « المركز»، ( بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا)، امتنعت عن التدخل مع العلم أن سلعة القتل ظل سعرها بخسا لأكثر من عامين على انطلاقة الثورة السورية، حتى تجاوز عدد القتلى الرقم 125 ألف إنسان في سوريا. بل أنها حالت دون إدانة النظام ( روسيا والصين)، في الوقت الذي رفضت فيه ( أمريكا وبريطانيا وفرنسا)، إمداد الثوار بأية أسلحة نوعية يمكن أن (1) تساعد في حماية السكان من الغارات الجوية وعمليات القتل والاختطاف والذبح التي تعرض لها كبار السكان وصغارهم، أو (2) إضعاف النظام، ناهيك عن (3) هزيمته أو (4) إسقاطه.
بل أن هذه الدول حالت دون، أو رفضت، إقامة أية مناطق عازلة أو ممرات آمنة لحماية السكان، إلى أن وصل عدد المهجرين والنازحين في سوريا قرابة 12 مليون مواطن. وهي نتيجة مفزعة بكل المقاييس، ولطالما وصفها حتى قادة أوروبيون وحقوقيون دوليون بأنها كارثة القرن21، رغم أن القرن ما زال في بدايته!!!
على خلفية فشل مجلس الأمن وتأجيل الضربة الأمريكية تدخل مفكرون يهود ومسؤولون سابقون في الحكومة « الإسرائيلية» ليحسموا في سلسلة من المقالات ( 5/9/2013 ) جدل أخلاقيات الحرب الأمريكية، ليس من باب المواقف الشعبية أو حتى الرسمية، بل كانعكاس لأخلاقيات الحرب عند اليهود أنفسهم. وهكذا تجلت أخلاق صاحب نوبل للسلام فيما كتبه وزير الدفاع الأسبق، موشيه أرنس، في صحيفة « هأرتس» يقول: « أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يدرك» أن معارضي الأسد: « ينتمون إلى منظمات إسلامية متطرفة تسعى للقضاء على إسرائيل وعلى الحضارة الغربية، لذا فهو لا يريد إسقاط الأسد، وإنما إبلاغه رسالة مفادها: واصل قتل الأطفال والنساء لكن بدون الكيميائي».
أما أفيعاد كلاينبرغ، المفكر « الإسرائيلي»، فكتب في صحيفة « يديعوت أحرنوت» بصريح العبارة : أن أوباما لا يتحرك بدوافع أخلاقية ولا يهمه استمرار قتل المدنيين بأسلحة غير كيميائية»، ... لكن ... « المفضل في كثير من الأحيان إبقاء الأوغاد على حالهم لأن البديل ببساطة أسوأ». وردا على ما اعتبره: « نفاق النخب الإسرائيلية الحاكمة بمسارعتها في انتقاد تأجيل أوباما قرار ضرب سوريا»، كتب مفكر آخر، هو سافي ريخليفسكي، في صحيفة « هأرتس» يقول: « إن أوباما يتصرف وفق اعتبارات السياسة الواقعية المتحكمة أيضاً بسلوك القيادة الإسرائيلية، التي لم تحركها الدوافع الأخلاقية بيوم من الأيام» .. مذكرا بمجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين في لبنان سنة 1982 الذي خطط لها ونفذها السفاح، وزير الدفاع الإسرائيلي الهالك، أرييل شارون، ومؤكدا القول: « إن تل أبيب دأبت على التحرر من القيود الأخلاقية حتى عندما يتعلق الأمر بمسؤولياتها المباشرة» .. لذا فإن: « إسرائيل تحت حكم نتنياهو هي آخر دولة يسمح لها بالحديث عن سلوك سياسي بدوافع أخلاقية»!!! وكأن أسلافه أو أقرانه في الحكومة أطهر منه!!!
في 19/3/2013، بعد حادثة بلدة خان العسل غربي مدينة حلب، وقعت جلبة كبيرة في النظام الدولي على خلفية ما بدا هجوما بصاروخ كيماوي شنه النظام السوري على البلدة. وفي اليوم التالي أعلن الرئيس الأمريكي أنه: « إذا استخدم نظام بشار الأسد أسلحة كيماوية» فسيكون ذلك: « خطأ خطيرا ومفجعا»، يؤدي إلى: « تغيير قواعد اللعبة». ومن جهته قال تشاك هيغل، وزير الدفاع الأميركي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية: « خلصت بدرجات متفاوتة من الثقة إلى أن النظام السوري استخدم أسلحة كيمياوية على نطاق ضيق في سوريا وعلى الأخص غاز السارين». ومع ذلك ظل خط أوباما الأحمر ساري المفعول ولم تتغير أية قواعد للعبة حتى بعد مذبحة الغوطة إلا باتجاه ما يستجيب للمطالب اليهودية وليس لحماية المدنيين حيث يستمر القتل بلا هوداة.
ثانيا: صراع المركز والمركز
ربما كان الأمريكيون، بعد حادثة خان العسل، على وشك التدخل لولا أنهم شعروا بصعوبة تبريره دوليا لاسيما في مجلس الأمن!! لكن المؤكد أن مذبحة الغوطة، بغض النظر عن هوية الفاعل: من يكون!!!؟، وفرت لهم، بلا ريب، كل ما يظنون أنهم يحتاجون إليه من منصات « أخلاقية» للتدخل!!! فبالكاد وقعت المذبحة حتى بدأ الحديث عن تدخل أمريكي وشيك ابتداء من 24/8/2013 !!!، وبدأت معه الحشود العسكرية والدبلوماسية والسياسية والإعلامية تعمل باضطراد حتى أعلن وزير الدفاع الأمريكي في وقت وجيز للغاية، لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، عن جاهزية قتالية لا تنتظر إلا تلقي الأوامر!!! في حين أن الولايات المتحدة احتاجت قرابة ستة أشهر للتدخل ضد الرئيس العراقي، صدام حسين حين غزا الكويت في 2/8/1991!!! أما بعد الغوطة فقد وصل الأمر إلى حد الإعلان عن أن الضربة ستقع في غضون الساعات الأولى من صباح يوم 29/8/2013. فمن أين للأمريكيين هذه الجاهزية القتالية المفاجئة؟ وفي أية سياقات بدا تراجعهم مبررا مثلما كان اندفاعهم؟
رغم أن الروس أبدوا تحفظات على التدخل العسكري إلا أن تصريحاتهم الأولى، أوحت للشق الغربي من « المركز» بأنهم لن يحولوا دون أو يعارضوا تدخلا أمريكيا، وأنهم لن يشاركوا في أي عمل ضد النظام السوري، الأمر الذي شجع الغرب على الذهاب إلى مجلس الأمن وسط حيرة الكثيرين مما بدا تراجعا روسيا مفاجئا في الموقف من دعم النظام. فقد بدت « بعض» تصريحات الروس إزاء الحشود العسكرية والاستعداد للحرب أشبه ما تكون بانحناءة لعاصفة قادمة لا طاقة لهم باعتراضها، ونجحوا فعلا في تشجيع الغرب للوقوف على الحافة، بسرعة قياسية، قبل أن يعترضوهم في مجلس الأمن، ويلقوا بهم في صراعات محلية عبر قاعات البرلمانات طلبا لتفويض ليسوا بحاجة له أصلا.
كانت أول التصريحات الخادعة تلك التي أطلقها المتحدث باسم الخارجية الروسية في 25/8/2013 والتي وصف فيها التدخل المنتظر بأنه: « مغامرة»، داعيا الولايات المتحدة إلى عدم تجاوز الأمم المتحدة: « كما فعلت في العراق قبل عشر سنوات تحت ذريعة معلومات كاذبة». أما رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي، أليكسي بوشكوف، فقد كتب على موقع التواصل الاجتماعي « تويتر» يقول: « يقترب أوباما بشكل حتمي من حرب في سوريا تماما كما فعل بوش في العراق، لن تكون هذه الحرب شرعية، وأوباما سيصبح استنساخا لبوش».
« حتمية»؛ عززها وزير الخارجية، سيرغي لافروف، في 26/8/2013، بما يطمئن الغرب على المضي قدما في مغامرته» القادمة. فقد رد لافروف عما ستفعله روسيا إذا ما هاجم الغرب البنية التحتية للجيش السوري؛ بما يسيل له لعاب الغرب حين قال: « ليس لدينا نية لخوض حرب مع أحد»، معتبرا أن: « أي تدخل عسكري في سوريا دون تفويض من الأمم المتحدة سيكون انتهاكا خطيرا للقانون الدولي»، ومناشدا، في الوقت نفسه، الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى بما أسماه: « تفادي أخطاء الماضي» .. وفي ذات الوقت (26/8/2013)، قال في مؤتمر صحفي: « أنا قلق من تصريحات صادرة من باريس ولندن تفيد بأن الناتو يمكن أن يتدخل لتدمير أسلحة كيمياوية في سوريا دون انتظار موافقة مجلس الأمن»، معتبرا أن البلدان الغربية تتحرك نحو: « مسار خطير جدا، وزلق جدا»، ووصلت تصريحاته في المؤتمر إلى حد القول أنه: « إذا أعتقد أحد أن تدمير البنية التحتية العسكرية السورية وترك ساحة المعركة مفتوحة للمعارضة لكي تنتصر سيضع نهاية للنزاع، فإنه واهم». إذ: « حتى في حالة حدوث مثل هذا الانتصار، فإن الحرب الأهلية ستستمر، فقط الحكومة ستتحول إلى معارضة». لكن أقوى إشارة من لافروف جاءت بعد سؤاله عن رد فعل روسيا على أي تدخل غربي محتمل في سوريا، وهنا أجاب بلا تردد: « نحن، في روسيا، لا نعتزم خوض قتال مع أحد».
ليس صدفة أن يستعمل لافروف وزملائه، في تصريحاتهم، مفردات مغرية من قبيل: انتهاك .. أخطاء .. قلق .. موافقة .. مسار زلق .. وهم .. انتصار .. تحول .. غير مناسب .. لا نعتزم ... » دون أن يأتي على ذكر الفيتو الروسي، وفي مثل هذه الأجواء تجرأت الولايات المتحدة في 27/8/2013 على التصعيد بإعلانها عن إلغاء اجتماع كان مقررا مع مسؤولين روس في لاهاي (28/8/2013) للبحث عن حل سياسي للأزمة السورية، مبررة ذلك بالبحث عن سبل الرد المناسبة بعد استخدام الكيمياوي. فرد نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، بإبداء الأسف!!: « إنه مما يدعو للأسف أن شركاءنا قرروا إلغاء الاجتماع الثنائي»، مع أن مثل هذه المحادثات مفيدة لو أنها انعقدت في وقت: « تلوح فيه نُذُر عمل عسكري ضد هذا البلد» .. ( لكن) .. « الولايات المتحدة اتخذت قرار تأجيل الاجتماع بشكل منفرد». ورأت وزارة الخارجية الروسية أن: « المحاولات الرامية إلى الالتفاف على مجلس الأمن وإيجاد ذرائع واهية وعارية عن الأساس مرة جديدة من أجل تدخل عسكري في المنطقة، ستولد معاناة جديدة في سوريا وستكون لها عواقب كارثية على الدول الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». ونقلا عن وكالة الأنباء الروسية « إنترفاكس – 28/8/2013 » قال، أحد نواب وزير الخارجية، فلاديمير تيتوف إن: « مناقشة أي رد فعل من مجلس الأمن الدولي قبل أن يقدم مفتشو الأمم المتحدة تقريرهم هو في الحد الأدنى غير مناسب».
أما الولايات المتحدة، وبعيدا عن رغبة روسيا بانتظار نتائج التحقيق الدولي، فقد رأت أنه « من المناسب» الإعلان عن أن: « الدول الغربية أبلغت المعارضة السورية في اجتماع عقد في استانبول بأن الضربة العسكرية ستكون خلال أيام». ولعل روسيا رأت أيضا أنه « من المناسب» أن تعلن من جهتها: « أنها ستسحب أسطولها من ميناء طرطوس السوري فور حدوث تصعيد بالمنطقة. ربما حتى تجنبا لأية مفاجئات عسكرية»، وتبدأ: « بإجلاء رعاياها ورعايا منظمة الدول المستقلة من سوريا»، وتعلن لاحقا (29/8/2013) عن أنها: « تعتزم إرسال سفينتين إلى قواتها البحرية في شرق البحر المتوسط لتعزيز الوجود البحري» .. بعيدا عن .. « الأحداث في سوريا». أما الصين فقد أوكلت إلى وسائل إعلامها التعبير عن الموقف. وفي افتتاحيتها خلصت صحيفة « تشاينا ديلي - 29/8/2013 » الحكومية، إلى نتيجة رأت فيها أن تجاوز الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين للأمم المتحدة، وعدم انتظار نتائج لجنة التحقيق الدولية يجعلهم: « يتصرفون كالقاضي والجلاد».
هذه التصريحات، التي زادت من ثقة الغرب في شحذ السيوف، بدت وكأنها فخا نصبه الروس والصينيون بإحكام لاستدراج الغرب إلى مجلس الأمن وإحراجه في عقر داره وأمام شعوبه، وإثبات أنه ليس سوى منظومة عدوانية تتصرف خارج القانون الدولي والمحلي. فما أن ذهب الأمريكيون وحلفاؤهم إلى المجلس في 29/8/2013 لمناقشة مسودة مشروع قرار بريطاني يدين استخدام السلاح الكيماوي ويطالب باتخاذ إجراءات لحماية المدنيين، حتى فوجؤوا بانسحاب الروس والصينيين من القاعة « بعد 75 دقيقة من بدئها»، فيما بقي مندوبو أمريكا وبريطانيا وفرنسا يحاورون أنفسهم قبل أن ينتهي الاجتماع دون بيان أو حتى تصريح!!! وبالتزامن مع صفعة مجلس الأمن تلقى الأمريكيون صفعة أخرى من البرلمان البريطاني الذي رفض الموافقة على مذكرة الحكومة، فما كان من الرئيس الأمريكي إلا أن يلوذ في « حمى» الكونغرس عله ينتزع منه شرعية محلية على الأقل لتمرير الضربة وتحميله المسؤولية في ظل المعارضة الشعبية. إذ لم يعد لديه أي أساس قانوني، لا رسمي ولا شعبي ولا برلماني. وبدت الضربة العسكرية محرجة على كل صعيد.
في المقابل فإن الروس والصينيين، الذين هددوا باستخدام الفيتو، قدموا أنفسهم كحريصين على الأمن والسلم الدوليين والالتزام بالقانون والأرواح التي ستسقط جراء الحرب!!! وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حين علق على المشروع البريطاني الذي جاء فيه: « يتعين أن تتاح لمجلس الأمن الفرصة على الفور لبحث هذا التقرير، ولا بد من بذل كل جهد ممكن لضمان صدور قرار من المجلس»، بالقول أنه: « على مجلس الأمن ألا يناقش المشروع قبل أن يقدم فريق المفتشين الدوليين تقريره حول الهجوم الكيمياوي في سوريا». وكذلك الصينيون خلال اتصال هاتفي جرى في 30/8/2013 بين وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أكدت فيه الصين أنها: « تدعم بشكل كامل تحقيقا مستقلا وموضوعيا بشأن الهجوم الكيمياوي»، وبحسب وكالة « أنباء الصين الجديدة» فإن: « على كل الأطراف أن تتفادى استباق النتائج، وعليها ألا تدفع مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراء».
ومن جهته خرج الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 31/8/2013، عما بدا صمتا طويلا ليتحدث بلغة هجومية معتبرا أن: « اتهام النظام باستخدام هذه الأسلحة في الوقت الذي كان يكسب فيه الحرب هو هراء مطلق». لذا فهو « غير مقتنع» بما قدمه الغرب من « أدلة». وفي تصريح للصحفيين خاطب فيه الرئيس الأمريكي قائلا: « أريد أن أتوجه بالقول إلى أوباما، كحائز على جائزة نوبل للسلام، قبل أن تستعمل القوة في سوريا يجب التفكير بالضحايا التي ستسقط».
ومع أن روسيا دفعت بسفينة استطلاع قبالة السواحل السورية في مهمة: « لجمع المعلومات عن العمليات في المنطقة التي تشهد نزاعا متفاقما»، إلا أن بوتين أعلن في 4/9/2013 أن بلاده « لا تستبعد» دعم قرار دولي بضرب سوريا بشرط أن يثبت استخدامها للغاز السام ضد شعبها، واحتفظ بوتين بلغته الهجومية حين نقلت وكالات الأنباء الروسية عنه القول، أمام أعضاء من مجلس حقوق الإنسان في الكرملين،: « إذا وافق الكونغرس على الضربة المحتملة فإنه: سيسمح بعدوان لأن كل ما يحدث خارج إطار مجلس الأمن الدولي هو عدوان إلا إذا كان في حالة الدفاع عن النفس». وبلغ به التصعيد مبلغا لما اتهم جون كيري في 5/9/2013 ب « الكذب».
وفي الوقت الذي دشن فيه الرئيس الروسي هجومه على الولايات المتحدة كان وزير خارجيته يفكك ما اعتبرته روسيا مزاعم غربية حول مسؤولية النظام عن استعمال الأسلحة الكيماوية. ففي محاضرة له في 2/9/2013، أمام معهد العلاقات الدولية في موسكو، قال سيرغي لافروف: « ما عرضه علينا شركاؤنا الأميركيون وكذلك البريطانيون والفرنسيون في الماضي وفي الآونة الأخيرة لا يقنعنا على الإطلاق». وردا على وزير الخارجية الأمريكي الذي اتهم روسيا بتجاهل ما قدمته بلاده من أدلة قال: « الأدلة التي قدمتها واشنطن لروسيا غير محددة، وغير مقنعة، حيث لم تتضمن إحداثيات جغرافية أو أسماء أو أي أدلة تشير إلى أن العينات أخذها خبراء، كما أنها لم تتضمن أي تعليقات على تشكيك الخبراء في ما يتعلق بأشرطة الفيديو التي نشرت في الإنترنت في هذا الشأن». مضيفا أن: « ما عرض على موسكو من أدلة بأنه بعض الصور الخالية؛ فيها الكثير من المفارقات والكثير من الشكوك». وأنه: « حين نطلب المزيد من التفاصيل يقولون إن الأمر سري ولا يمكنهم عرضه»، وعليه، والكلام للافروف،: « لا يمكن استخدام ذريعة السرية عندما يدور الحديث عن الحرب والسلام»، لكنها تنفع فقط إذا تعلق الأمر في « القاعدة» والحرب على الإسلام. وكأن هذا ما كان ينتظره الأمين العام للأمم المتحدة بشغف، ليحذر في 3/9/2013 من: « تأثير أي عمل تأديبي على الجهود الساعية لمنع مزيد من سفك الدماء وتسهيل تسوية سياسية للنزاع»، بل ويشكك في قانونية الخطط الأميركية لضرب سوريا دون تأييد من الأمم المتحدة، معتبرا أن: « استخدام القوة غير قانوني إلا دفاعا عن النفس أو بتصريح من مجلس الأمن الدولي» .. لغة لم يحرص عليها الروس ولا الأمم المتحدة حين قررت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزو العراق في أفريل / نيسان 2003!!!
هكذا بدأ الأمريكيون يشعرون أنهم يخسرون في عدة جولات أمام الروس والصينيين، سواء في مجلس الأمن أو في برلماناتهم. ومع ذلك ظلوا حريصين على انتزاع تفويض من الكونغرس الأمريكي يسمح بشن الضربة العسكرية ولو بإشرافه. لكنهم بدوا متوجسين من رد الفعل الروسي إذا ما حانت ساعة الصفر، خاصة أن لغة الرئيس الروسي عن رد الفعل بدت ملتبسة للجانب الأمريكي. ففي جلسة طارئة لمجلس الأمن القومي الروسي برئاسته، قال بوتين في 4/9/2013 أنه: « من المبكر جدا الحديث عما ستفعله روسيا إذا ما هاجمت الولايات المتحدة سوريا»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بلاده: « لن تشارك فى أي صراعات في دول أخرى». ويبدو أن وزير الخارجية الأمريكي استوضح الأمر من نظيره الروسي الذي أكد له أن: « روسيا لن تخوض حربا بسبب سوريا». كما أنه نقل عن بوتين ولافروف قولهما أن: « سوريا لا ترقى إلى هذا المستوى من الصراع». فعلى أي مستوى إذن يجري الصراع!!؟
ثانيا: فيتو يتهاوى ونظام دولي قابل للتفكك!!!
شكل فشل مجلس الأمن في تمرير الضربة العسكرية انعطافة قوية أدت إلى (1) تأجيل الضربة، و (2) التوجه للكونغرس الأمريكي لانتزاع تفويض محلي منه، مع (3) الاحتفاظ بالجاهزية القتالية للقوات الأمريكية قيالة السواحل السورية والمنطقة. إلى هذا الحين (29/8/2013) كانت أهداف الضربة الأمريكية عامة وغير محددة الملامح. فجاءت في صيغة (1) حماية الأمن القومي، و (2) المصالح الأمريكية، و (3) ضمان أمن أصدقاء أمريكا في المنطقة (« إسرائيل» والأردن وتركيا)، و (4) ردع الرئيس السوري عن استعمال الأسلحة الكيماوية. أما رد الفعل الأمريكي المنتظر فقد ظل مائعا ما بين « ضربة محدودة» في الزمان والمكان، كما قال أوباما، أو « صغيرة لدرجة لا تُصدق» (9/9/2013)!!، بحسب وزير الخارجية، جون كيري، أو« شديدا وجديا» (29/8/2013) كما قال السفير الأمريكي في « إسرائيل»، دان شابيرو، عشية انعقاد مجلس الأمن.
من المفترض أن التراجع الأمريكي عن الضربة سيعني، للوهلة الأولى، أن الولايات المتحدة فشلت في مجلس الأمن ليس فقط في الدفاع عن هيبتها ومصداقيتها، بل حتى في حماية أمنها القومي الذي صار رهين الفيتو الروسي والصيني!!! حتى وإنْ كانت هذه فضيحة بكل المقاييس، إلا أن الأسوأ يكمن في تداعياتها. فالمسألة بالنسبة للأمريكيين واقعة في تجاوز ما يعتبرونه خطوطا حمراء في حين هي عند الروس مسألة قانونية. فقبل اجتماع مجلس الأمن بقليل دعت صحيفة « الواشنطن بوست - 29/8/2013 » الرئيس الأمريكي إلى: « إثبات أن هناك عواقب وخيمة لمن يجرؤ على انتهاك الخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة، وإلا فإن النظام العالمي سيبدأ بالتفكك».
لكن بعد فشل المجلس في اتخاذ أي إجراء بدت الأمور بالنسبة لنائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف، كما لو أن النظام الدولي بدأ فعلا بالتفكك، فقالت: « إن الخطوات التي اتخذتها روسيا بما في ذلك الاعتراض على ثلاثة قرارات سابقة لمجلس الأمن تدين حكومة الرئيس بشار الأسد، تشكك فيما إذا كان المجلس هو المكان المناسب للتصدي للحرب المستمرة منذ عامين». أما الكاتب بول فاليلي فقد وصف في مقال له في صحيفة « ذي إندبندنت أون صنداي – 8/9/2013 » البريطانية، مجلس الأمن الدولي بأنه « معطل»، ونسبت الصحيفة إلى سفيرة الولايات المتحدة الأممية، سمانثا باور، قولها: « إن المجلس لم يعد يقوم بالواجبات التي نشأ من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية». ومن جهتها، أوضحت الصحيفة أن: « مجلس الأمن بصورته الحالية يتسبب في إعاقة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن القيام بكبح جماح الأسد وزمرته من الاستمرار بارتكاب مجازر جماعية بحق المدنيين في سوريا»، مشيرة إلى أن: « النظام الأممي اُبتكر عام 1945 للتعامل مع التهديدات من هذا النوع في المقام الأول» .. (لكن) .. « مجلس الأمن الدولي لا يقوم بمنع الأخيار من السيطرة على أفعال الأشرار وكبحها، ولكنه يتيح لروسيا استخدام حق الفيتو من أجل حماية حليفها الأسد، رغم إمعان الأخير في ذبح المدنيين بدم بارد وبالغازات السامة»، وأكثر من ذك، قالت الصحيفة أن: « رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، يتبنى نفس وجهة النظر من المجلس الأممي». وبهذا المنطق فإن ضربة في الصميم تعرضت لها مصداقية الولايات المتحدة عند حلفائها. فمن سيثق بعدها أن الولايات المتحدة مرجعية يمكن الوثوق بها!!!؟
وأكثر من ذلك حين جاءت الطامة الكبرى في راهن النظام الدولي ومستقبله في المقالة التي كتبها الرئيس الروسي ، بوتين، في صحيفة « نيويورك تايمز – 12/9/2013». ولطالما تحدثت الخارجية الروسية عن المخاطر التي تتهدد النظام الدولي، وأن روسيا تدافع عن النظام الدولي وليس عن الرئيس السوري، بشار الأسد. لكنها المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس الروسي عن خطر التفكك. ففي مقالته، التي جاءت بعد خطاب الرئيس الأمريكي والمقترح الروسي بنزع الأسلحة الكيماوية، قال بوتين: « إن القانون يظل قانوناً وعلينا الامتثال له سواءً راق لنا أو لم يرق .. لا أحد يرغب في أن تواجه الأمم المتحدة نفس المصير الذي آلت إليه عصبة الأمم من قبلها» .. مشيرا إلى أن انهيار الأمم المتحدة ممكن طالما أن: « الدول المؤثِّرة تتجاهل الأمم المتحدة وتنصرف إلى العمل العسكري دون تفويض من مجلس الأمن الدولي».
وتعليقا منه على مخاطر الضربة الأمريكية على النظام الدولي؛ احتج بوتين بالقول: « إن أي ضربة سوف تفاقم العنف وتُطلق العنان لموجة جديدة من الإرهاب. وقد تقوض الجهود المتعددة الرامية إلى حل مشكلة النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتزعزع استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر. بل إن من شأنها أن تُفقد منظومة القانون والنظام الدولي برمتها توازنها».
وإذا كانت ذات الصحيفة رأت بأن الرئيس الروسي، خاصة بعد عرضه خطة نزع الأسلحة الكيماوية السورية: « قد تمكن من تحقيق عدة أهداف في الأزمة السورية المتفاقمة، على حساب نظيره الأميركي»، فإن الكاتب إيلاي سولتزمان في صحيفة « لوس أنجلوس تايمز - 12/9/2013» كان أشد وضوحا في مقالته التي كتب فيها يقول: « إن لدى بوتين عقيدة تتمثل في السعي لبناء روسيا على حساب نفوذ الولايات المتحدة في العالم»، ... وأنه: « سعى لتحقيق هذا الهدف بشكل ممنهج منذ اعتلى سدة الحكم .. إنه يسعى إلى تجديد وضع روسيا على الخارطة العالمية، وإلى زيادة نفوذها السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك من أجل جعل البلاد تصبح دولة عظمى مرة أخرى»، .. وأنه: « استغل موارد روسيا الاقتصادية لتقوية الجيش الروسي، والذي تضاعفت ميزانيته ثلاث مرات منذ حوالي عشر سنوات».
أما بالنسبة لليهود الذين لا يشعرون بخطر الكيماوي السوري بقدر ما يثيرهم البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعلمه الروس علم اليقين، فإن المشكلة عندهم ليست في النظام الدولي بل في شخصية ونفسية الرئيس الأمريكي نفسه. ففي أعقاب التأجيل نقلت صحيفة « معاريف - 1/9/2013 » عن مسؤولين « إسرائيليين» قولهم: « إن أوباما جبان، وواضح أنه لا يريد شن هجوم ويبحث عن دعم من جانب الكونغرس». ومن جهتها نقلت صحيفة « يديعوت أحرونوت» عن محافل وصفتها بالرفيعة في « إسرائيل» قولها: « أنها فوجئت من خطاب الرئيس الأميركي، وتجد صعوبة في فهم الإستراتيجية الأميركية في بناء شيء ما، بعد ذلك التراجع». ورأت صحيفة « هآرتس» أن: « تردد أوباما وُصِف في إسرائيل بأنه تعبير عن الضعف وانعدام الزعامة من جانب القائد الأعلى». وعلى صفحته في « الفيس بوك»، اعتبر وزير الاقتصاد « الإسرائيلي»، نفتالي بينيت، أن: « التردد الدولي بشأن سوريا يثبت مرة أخرى أنه ليس لدى دولة إسرائيل أحد يمكنها الاعتماد عليه إلا نفسها».
كل هذا قيل بعد فشل مجلس الأمن (29/8/2013)، أما بعد قبول المقترحات الروسية في 9/9/2013 فيما يتعلق بنزع الأسلحة الكيماوية من النظام السوري، فقد عاد اليهود ليصبوا جام غضبهم على الرئيس الأمريكي. ولعله ما من رئيس أمريكي حظي بالنقد والتقريع من اليهود مثلما حظي به أوباما. أما هذه المرة فقد ركز النقد على مؤهلاته القيادية أكثر من أي وقت مضى. وعلى ذمة المعلق السياسي للإذاعة العبرية، تشيكو منشه، (11/9/2013)، فإن قبول أوباما للمقترح الروسي بدا وكأنه يقول لبشار الأسد: « بإمكانك أن تواصل ذبح شعبك بكل وسائل القتل التي بحوزتك باستثناء السلاح الكيميائي». تماما مثلما قال قبله وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه أرنس. أما وزير الطاقة الإسرائيلية، سيلفان شالوم، فرأى أن: « تردد القيادة الأميركية في الوفاء بتعهداتها بشأن توجيه ضربة لسوريا سيمس بقوة ردعها العالمية».
ومن جهته سخر المعلق « الإسرائيلي» بن كسبيت من السلوك القيادي لأوباما قائلاً: « إنه لم يصمد في يوم من الأيام في مواجهة ضغط». وفي مقالة له نشرها في النسخة العبرية لموقع « ذي بوست» الإخباري قال بن كسبيت: « العالم كله بات يشكك في قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم، لقد وضع أوباما نفسه في وضع غريب وتافه»، مشيرا إلى أن أوباما سمح للأسد بأن يظهر: « كما لو كان خصما سياسيا يتنافس معه في انتخابات تمهيدية وليس شخصا يخشى من ردة فعل عسكرية»، أو: « كموظف خدمة اجتماعية رحيم وحنون، مهتم بأن يظهر كقائد ذي شعبية وقبول جماهيري»، في حين أن: « الموظفين الاجتماعيين لا يمكنهم أن يقودوا العالم الحر». أما الحل عند بن كسبيت فهو ما ختم به مقالته: « فليذهب أوباما إلى الجحيم، فهو لا يعرف كيف يخرج من المستنقع الذي أمضى وقتا طويلا على التدرب من أجل الوقوع فيه». ولحق به بوعاز بسموت، المعلق في صحيفة « إسرائيل اليوم»، الذي سخر هو الآخر من تردد أوباما قائلا: « الأسد الذي يحتفل اليوم الأربعاء بعيد ميلاده بإمكانه أن يتمنى لنفسه العيش حتى سن 120 سنة كرئيس لسوريا، في أعقاب رهان أوباما على المقترح الروسي». لكنه أشار إلى ما هو أخطر من ذلك حين رأى أن: « كل المؤشرات تدل على أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وليس أوباما هو الذي يدير مقاليد الأمور في العالم، مما قلص من أهمية الخطاب الذي ألقاه أوباما حتى قبل أن يتفوه بكلمة واحدة».
ثالثا: الكيماوي وأصل المبادرة
بدا الكونغرس الأمريكي بعد فشل مجلس الأمن كما لو أنه قبلة الجميع. فالدول والإعلام والمؤسسات الدولية والمعارضة السورية وحتى المراقبين والمحللين والمفكرين والصحفيين والكثير من الأفراد والجماعات .. كلهم صاروا يترقبون انتهاء الكونغرس الأمريكي من إجازته والاجتماع في 9/9/2013 انتظارا لموقفه من الضربة الأمريكية التي عُلِّقَت على كاهله!!! وما إذا كان سيمنح الرئيس أوباما التفويض اللازم أم أنه سيمتنع عن ذلك. أما الروس فقد تربصوا بالكونغرس والرئيس الأمريكي الدوائر، في حين تصرف المؤيدون للضربة وكأنهم رعايا أمريكيين، وأن الكونغرس يتوجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار رغباتهم وطموحاتهم خاصة وأن السكين الكيماوي أخذ في جز الرقاب بما لم يعد معه احتمال أية مواقف موضوعية أو عاطفية.
وبالكاد عاد الكونغرس من إجازته في 9/9/2013 ليبدأ مناقشة مشروع الرئيس الأمريكي والتصويت على تفويض يسمح بتوجيه ضربة عسكرية أمريكية للنظام السوري حتى اعترضته روسيا بمشروع يقضي بوضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت إشراف دولي. وكأن الكونغرس ومجلس العموم البريطاني ومجلس الأمن وحتى البيت الأبيض صارت كلها مؤسسات خاضعة لهيمنة الكريملين على سياساتها، محليا ودوليا!! وفعليا أرجأ الكونغرس تصويته المنتظر. وأعلن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، السناتور هاري ريد، أنه: « تم إرجاء التصويت الأولي الذي كان مقررا غدا الأربعاء (11/9/2013) على مشروع قرار يجيز توجيه ضربات عسكرية إلى سوريا، وذلك إثر الاقتراح الروسي بشأن الترسانة الكيميائية للنظام السوري». أما الرئيس الأمريكي فمع أنه صرح بأنه: « غير متأكد من الحصول على دعم الكونغرس بشأن استخدام القوة العسكرية في سوريا»، إلا أنه أعلن ترحيبه بالمقترح الروسي مع بعض التحفظ المصحوب ب « التشكيك» بجدية العرض حين التفاصيل، وفيما يشبه الاحتفاظ بوضعية اليد على الزناد وإبقاء الباب مفتوحا لعمل عسكري محتمل لأكثر من سبب بما فيه حفظ ماء الوجه.
وفي 10/9/2013 كشف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن بنود ما صار يعرف، بين ليلة وضحاها، بالمبادرة التي تقضي ب:
(1) « وضع الترسانة الكيميائية السورية تحت إشراف دولي؛
(2) ومن ثم تدميرها؛
(3) وتوقيع النظام على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة الكيماوية».
وفي 12/9/2013 نقلت صحيفة « كومرسانت» الروسية عن مصدر دبلوماسي روسي قوله أن الخطة تنطوي على أربع مراحل، تنص على:
(1) « انضمام دمشق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية؛
(2) الإفصاح عن مواقع تخزينها وصنعها؛
(3) السماح لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالتحقيق بشأنها؛
(4) تحديد كيفية تدمير الأسلحة بالتعاون مع المفتشين».
ورغم موافقة دمشق على المبادرة الروسية، بعد ساعات من الإعلان عنها، إلا أن الغرب ظل على قدر لا بأس فيه من الحذر. وفي السياق أعلنت فرنسا في 11/9/2013 عن مسودة مشروع قرار ستتقدم به إلى مجلس الأمن: « يمهل سوريا 15 يوما لتكشف بشكل كامل عن برنامجها»، ( وبحسب الأمريكيين 30 يوم)، وتطالب المسودة أن تفتح سوريا على الفور جميع المواقع المرتبطة بأسلحتها الكيميائية أمام مفتشي الأمم المتحدة تحت طائلة التعرض لإجراءات عقابية محتملة وفقا لميثاق الأمم المتحدة. وأوضحت أن مجلس الأمن يعتزم: « في حالة عدم تقيد السلطات السورية ببنود هذا القرار تبني مزيد من الإجراءات الضرورية بموجب الفصل السابع». ومن جهته حدد وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، خمسة شروط للتعامل مع المقترح الروسي وفق المسودة المقترحة:
(1) « إدانة مجزرة 21 أغسطس / آب الماضي التي ارتكبها النظام السوري في غوطة دمشق؛
(2) ومطالبة النظام بتسليط الضوء على برنامجه للتسلح الكيميائي؛
(3) ووضعه تحت رقابة دولية وتفكيكه بلا تأخير أو تسويف؛
(4) وإنشاء منظومة متكاملة للتفتيش ومراقبة لهذه الالتزامات تحت إشراف المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية؛
(5) والنص على عواقب وخيمة إذا انتهكت سوريا التزاماتها، ومعاقبة المسؤولين عن مجزرة 21 أغسطس / آب أمام القضاء الجنائي الدولي».
لكن المسودة لم تناقش بسبب رفض الروس تضمين المشروع الفرنسي الفصل السابع، وتبعا لذلك تم إلغاء جلسة طارئة للمجلس كان من المقرر أن تنعقد ليلة 11/9/2013 رغم إعلان فرنسا عن استعدادها: « لتعديل المسودة طالما احتفظ بمبادئها الأساسية والغاية منها».
لكن من الطريف أن المعارضة السورية تتصرف وكأنها الناصح الأمين للغرب، وصاحبة الأمر والنهي في مصير الضربة السورية، فيما « المركز» على قدر من البلاهة والغباء في أصل النظام وفصله إلى الحد الذي يستغني فيه عن استشارة المعارضة. فبعد ساعات من موافقة دمشق على المبادرة وصف رئيس هيئة أركان الجيش الحر، سليم إدريس، في اتصال مع قناة « الجزيرة – 9/9/2013»، المبادرة ب « الأكذوبة الكبيرة»، وأن رد النظام السوري عليها ليس إلا: « مؤامرة جديدة تحوكها روسيا بالتعاون مع إيران لكسب الوقت». وفي اليوم التالي (10/9/2013) أكد أن: « هذا النظام نعرفه واختبرناه. ونحذركم من أن تقعوا في شرك الخديعة والتضليل. وكان من الممكن النظر في مثل هذه التصريحات التي أثارت غضب المعارضة بقدر ما أوقع فيها ترقبها للضربة نشوة عارمة». أما احتجاج إدريس بأنه: « لا يقبل إلا بتوجيه الضربات إلى هذا النظام»، فليس إلا من قبيل « الهذيان» العميق .. « هذيان» جدده بعد الاتفاق الروسي الأمريكي (14/9/2013) بالقول أن: التواريخ التي تتحدث عن تدمير الأسلحة في 2014 لا تعنينا»، مشيرا إلى أن: « كل ما يهم المجتمع الدولي هو السيطرة على أسلحة المجرم الذي تنازل عن كل شيء لتخوفه من الضربات، الأسد لا يهمه أي شيء، الذي يهمه هو فقط أن يبقى في السلطة، وكل السوريين لا وزن لهم في المبادرة الروسية». كما هو أيضا « هذيان» بيان الائتلاف الوطني السوري، (10/9/2013)، الذي رأى، من قبل، أن: « دعوة لافروف الأخيرة تعتبر مناورة سياسية تصب في باب المماطلة غير المجدية التي ستسبب مزيدا من الموت والدمار للشعب السوري».
سؤال: من الذي يقف خلف المبادرة الروسية: الروس؟ أم الأمريكيين؟ أم الإيرانيين؟
واقع الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية، ابتداء من مجموعة العشرين التي انعقدت في 5/9/2013 في مدينة سان بطرسبرغ الروسية، هي التي فتحت الباب واسعا أمام ما اعتبر مبادرة روسية لنزع الأسلحة الكيماوية هي في الأصل أمريكية. ورغم التصريحات السابقة على المبادرة واللاحقة عليها تؤكد هذا الأمر إلا أن القليل من المراقبين ووسائل الإعلام، ومنها صحيفة « الديلي تلغراف – 10/9/2013» البريطانية، مَنْ تَوَقف عند هذه الأمر، حين أشارت إلى أن: « العرض الأميركي لم يكن أكثر من تصريح أدلى به وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري ... ومنح روسيا وسوريا ثغرة لمحاولة إرجاء هجوم بقيادة أميركية». أما التصريح فجاء خلال مؤتمر صحفي مشترك بين وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، ونظيره البريطاني، وليام هيغ (9/9/2013). وفيه قال كيري: « يمكن تجنيب سوريا الضربة العسكرية إذا سلم الرئيس السوري بشار الأسد جميع أسلحته الكيميائية للمجتمع الدولي دون أي تأخير خلال الأسبوع القادم». وكي يمر الإعلان بسلاسة كان لا بد من أن يأتي مشفوعا بعبارة تؤكد أن الأسد: « لن يفعل ذلك». لكن أطرف ما في التصريح أنه تزامن مع انتهاء إجازة الكونغرس وهو بالكاد يتهيأ للنظر في طلب تفويض الرئيس بالضربة!!!!
في نفس التوقيت؛ نقل مدير مكتب قناة « الجزيرة - 9/9/2013» في موسكو، زاور شاوج، عن الصحف الروسية قولها بأن: « الكرملين سيبلغ المعلم بمبادرة أميركية نوقشت أثناء قمة مجموعة العشرين». وفي ختامها (6/9/2013) نقلت وكالة أنباء « نوفوستي» الروسية عن وزير الخارجية، سيرغي لافروف، قوله: « إن الاجتماع خلص إلى استنتاج مشترك مفاده أنه يجب إيجاد طريقة لمنع السيناريو العسكري من دفن السيناريو السياسي». مما يوحي بأن القمة استبعدت العمل العسكري، ومهدت الطريق للمبادرة الأمريكية ولتصريحات كيري في لندن. أما نص المبادرة، بحسب ما نقله، زاور شاوج ، فتضمن ثلاث نقاط هي:
(1) « تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين النظام الحاكم في دمشق والمعارضة السورية من أجل إعادة النظر في المؤسسة الأمنية؛
(2) تخلي النظام عن الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها والتعهد بعدم نقلها إلى حزب الله اللبناني؛
(3) تعهد بشار الأسد بعدم الترشح لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2014».
أما وزير الخاريجة الروسي فقد أعلن يوم 10/9/2013 بصريح العبارة أن: موسكو تعمل على خطة « فعالة ومحددة»، وأنها: « ستعرض على دول أخرى قريبا»، مشيرا إلى أن الخطة التي أعلنها في (9/9/2013) ليست روسية محضة ولكنها جاءت جراء « تنسيق واتصالات مع الولايات المتحدة».
رابعا: مخاطر الضربة
يصعب القول بأن النظام الدولي تراجع عما بدأه!!! لكن حين تتسم الأمور بالغموض فإن درجة المخاطر ترتفع مصحوبة بقدر مواز من الحذر. وإذا كان الكثير من المحللين والخبراء والاستراتيجيين قد انتقدوا الاندفاع الأمريكي في الإعلان عن الضربة دون حسابات لأمن الضربة فلأن عنصر المفاجأة قد تضرر، وربما لم يعد قائما. وبالتالي فالتحسب والمراقبة وانتظار الضربة، ربما لوقت طويل أو قصير، قد يكون مرهقا وبلا جدوى مع توفر جيوش من العملاء على الأرض، بإمكانها أن تزود القوى الدولية بما تحتاجه من معلومات أو أهداف. في المقابل، وبحسب الأنباء الواردة، يبدو أن الجماعات المقاتلة باتت على علم ودراية بمثل هذه القوى التي لم يعد وجودها أو السعي لإيجادها سرا حتى في الصحف الغربية وعلى ألسنة المسؤولين المحليين والدوليين، فضلا عن الرقابة الدقيقة التي تمارسها قوى جهادية على سلوك بعض القوى الشريكة لها في ساحات القتال، والتي تعلن مشاركتها في معركة ما أو دفاعها عن جبهة ما لكنها قد تنسحب في أية لحظة استجابة لتعليمات من الخارج كما حصل في منطقة الغوطة مؤخرا.
بل أن أمر مثل هذه القوى، في هذا السياق، صار فاضحا بدءً من 9/8/2013 حين أعلن رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، أحمد الجربا، عن أن: « هناك مبادرة قريبة لتأسيس نواة لجيش سوري وطني في شمال وجنوب سوريا كمرحلة أولى»، فيما أشار إلى أنه: « سيفتح باب التطوع فيه»، وكأن سوريا ينقصها جيوش أو كتائب، أو أن النظام كان يصارع أشباحا طوال السنتين الماضيتين حتى يأتي جيش صحوي ليسد الثغرات!! لكن ما أن تناقلت وسائل الإعلام التصريح حتى ثارت ثائرة الجميع بمن فيهم المشبوهين منهم، فاضطر بعد أربعة أيام (13/8/2013) إلى تبرير تشكيل الجيش المزعوم ب (1) « دخول عناصر من حزب الله إلى سوريا بأسلحة نوعية تستدعي تشكيل جيش وطني سوري». و (2) « للحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة .. وسيحرص على ضم جميع أبناء الثورة السورية»!!! مبررات فاضحة ومخزية لا تجد ترجمة لها إلا في هوية الباقين ممن هم، على رأي الناطق الرسمي باسم الجيش السوري الحر، لؤي مقداد، في مكانة « المرتزقة» تماما ك « مرتزقة حزب الله».
وكنموذج دولي لمثل هذه المساعي، يمكن الإشارة إلى ما نقلته صحيفة « الواشنطن بوست – 5/9/2013» عن مسؤول أميركي لم تحدد اسمه أنه قال: « إن عملية تشكيل قيادات معتدلة بالمعارضة السورية خصصت لها ميزانية تقدر ب 250 مليون دولار، منها 26.6 مليونا قدمت مساعدة للمجلس العسكري الأعلى». في حين أثنى مدير العلاقات الحكومية بالمجلس الأميركي السوري، الداعم للمعارضة السورية، محمد غانم على هذا المسعى بالقول إن: « الدعم الأميركي الذي بدأ يصل خطوة بالاتجاه الصحيح، بعد سنوات من عدم الفعل والسياسات الخاطئة».
لذا فإن القوى المقاتلة، وإزاء احتمالات شن هجوم دولي على النظام، وجدت نفسها ملزمة بتغيير جذري في أنماط الانتشار والمواجهات، وهو ما أشارت إليه وسائل الإعلام، خاصة فيما يتعلق ب « جبهة النصرة» التي قيل أنها نفذت « ذوبانا تاما في المجتمع» لتفويت الفرصة على أي استهداف محتمل كما حصل حين استهدفت القوات الأمريكية، في أول ضربة للعرا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.