انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هواجس جنبلاط.. إعصار أم زوبعة في فنجان؟
نشر في الفجر نيوز يوم 07 - 08 - 2009

لبنان«إعصار أم زوبعة في فنجان؟»، هذا السؤال أثاره إعلان رئيس اللقاء الديمقراطي والحزب التقدمي الاشتراكي الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط، الأحد الماضي خلال مؤتمر الحزب، أن «تحالفه في مرحلة معينة تحت شعار 14 آذار مع مجموعة من الأحزاب والشخصيات، كان بحكم الضرورة الموضوعية التي حكمت البلاد آنذاك، لكن هذا لا يمكن أن يستمر، فعلينا
إعادة التفكير بتشكيلة جديدة أولا داخل الحزب وثانيا على الصعيد الوطني».
الإعصار أمنية «زغردت» لها قوى «8 آذار» التي اعتبرت أن هذا الإعلان شكل انتصارا يسجل في خانتها، وبمفعول رجعي، ودفن إلى غير رجعة تجمع «14 آذار» وأطاح نتائج الانتخابات التي منحته أكثريته النيابية وأضعف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. وبالطبع نشطت الماكينة الإعلامية لهذا الفريق وصورت الواقع السياسي الجديد على طريقتها وبشرت بقرب الزيارة الجنبلاطية إلى دمشق مع وساطات معروفة المصادر، وبالعودة إلى نقطة الصفر في مسألة تشكيل الحكومة. إلا أن موقف «المتضرر الأول» من الإعلان الجنبلاطي، أي سعد الحريري، سدد «الصدمة الإيجابية» التي ساهمت بقطع الطريق على «زغردة» فريق «8 آذار». فقد اعتبر أن هذا الإعلان يصيب جهوده الرامية إلى تأليف الحكومة إصابات بالغة كونه صدر عن حليف ورفيق درب، فتصرف وكأن رفيقه قد غرر به وانتفض وأعلن رفضه التعامل مع وجهين لجنبلاط. الأول المتحالف مع سعد الحريري في الملف الداخلي لحفظ حصته في التركيبة الحكومية والثاني على الصعيد الإقليمي للإعلان عن انتقاله إلى حيث أمان الدروز. وكان بيان تيار المستقبل القاسي اللهجة الذي أشار من دون تسميات مباشرة إلى «التاريخ المعيب الذي كان فيه كثيرون شركاء في إعلاء مصالحهم الخاصة على مصلحة الوطن».
أكثر من ذلك، أدى الإعلان إلى قرار ب«ترحيل» التشكيلة الحكومية مع سفر الحريري صباح الثلاثاء الماضي إلى فرنسا في «إجازة خاصة» تاركا علامات استفهام يحاول كل فريق أن يقرأها في كتابه. لم يكن جنبلاط يتوقع كل هذا الغضب الحريري. لذا كان تأكيده أنه لم ولن يتخلى عن الحريري، كما أنه لا يزال يعتبر الأحزاب والشخصيات في فريق «14 آذار» حلفاءه، لتتبلور المسألة بالتأكيد على خصوصية «المجتمع الدرزي» في هذه المرحلة وحاجة «14 آذار» إلى شعارات جديدة، وذلك بعد الزيارة «الإنقاذية» لوزير الإعلام السعودي عبد العزيز الخوجة لبيروت لتحل «بردا وسلاما» على المواقف المتشنجة. وهكذا تحول إعلان الأحد إلى «زوبعة في فنجان» وعادت الأمور إلى ما كانت عليه مساء السبت الذي سبق «إعلان الأحد الانفصالي»، كما قال مصدر مقرب من جنبلاط ل«الشرق الأوسط»، وأضاف: «الضجة التي رافقت مواقف جنبلاط مبالغ فيها. فالرجل لم يعلن انسحابه ولم يتراجع بشأن الأولويات المتعلقة بسلاح حزب الله وضرورة استيعابه في إطار الجيش اللبناني والتوافق الداخلي وفي مسألة الذهاب إلى سورية على طريقته، (أي بعد زيارة سعد الحريري لها كرئيس للحكومة بعد تشكيلها في ظل وفاق وطني وأولويات واضحة يعلمها السوري واللبناني.. ويرتبها السعودي)، ومن دون أن يعير اهتمامه إلى ما يتردد عن وساطات يقول بها فلان أو علان لفتح طريق دمشق أمامه. فالأكيد أن لا رسائل جوالة بين جنبلاط والجانب السوري. وأي كلام مغير لا أساس له من الصحة».
يوافق النائب في كتلة التنمية والتحرير (التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري) عبد المجيد صالح، فيقول: «جنبلاط أكد أنه سوف يحل مسألة زيارته إلى سورية على طريقته. همه الآن استعادة وحدة الطائفة الدرزية وامتدادها العربي. في ظل أجواء المصالحة والدور السعودي، سيزور الحريري دمشق بعد تشكيل الحكومة». يبقى أن توقيت الكلام الجنبلاطي وأسلوبه يحمل إشارات سلبية، يوافق المصدر المقرب، إلا أنه يؤكد على «صوابية المضمون القاضي بأن خوف جنبلاط على السلم الأهلي في محله. ويجب تفهم خطواته الاستباقية في هذا الإطار». ويفتح هذا الكلام أبوابه على المفصل الضعيف في القلق الجنبلاطي. فهو يعتبر أن المستفيدين من أي فتنة شيعية سنية هم كثر في لبنان. كما يعتبر أن الدروز خاصرة رخوة تمهد لهذه الفتنة إذا لم يتم نسج علاقات وطنية بين اللبنانيين، وتحديدا الدروز والسنة والشيعة، وبالتعاون مع الحريري وحزب الله. لكن الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون (مستقل) يحدد مكمن العلة، فيقول: «أحداث السابع من مايو (أيار) 2008 كانت في جزء منها تهدف إلى إعادة الطائفة الدرزية في لبنان إلى بيت الطاعة الإقليمي في سورية بقوة السلاح». هذا الهدف، إذا كان حقيقة، يعني أن «التكتيك» هدف منذ انطلاقة مسيرة «ثورة الأرز» إلى شل إيقاع جنبلاط الذي كان يسير قوى «14 آذار»، ويأخذها إلى أقصى التطرف. وهو كان قد بدأ بحدة مع شعارات لم يسبقه إليها أي من حلفائه. ولم ينس اللبنانيون أن جنبلاط، وليس أي من حلفائه، قال إنه يريد أن يعمل «زبالا في نيويورك، لأنها مدينة تحترم نفسها وليست كما هي طهران أو دمشق». وهو صاحب عبارة «بدنا الثار، بدنا الثار من لحود ومن بشار». كما وصف الرئيس السوري بشار الأسد بأشنع النعوت غير المسبوقة في الأدبيات السياسية. حتى أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله علق على الأمر بقوله إن جنبلاط يستخدم تعابيره من كتاب «كليلة ودمنة». كذلك لم ينسوا عباراته عن «سلاح الغدر» و«المجوس والفرس» و«طرد السفير الإيراني» و«إحراق الأخضر واليابس»، وموقفه المتشدد وضغطه على رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة عشية أحداث السابع من مايو (أيار) 2008 لإصدار القرارين القاضيين بإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير والتحقيق في شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، مما دفع نصر الله في غمرة تلك الأحداث إلى نعت حكومة السنيورة بأنها «حكومة وليد جنبلاط». ربما لم يكن يتوقع جنبلاط أن تقود مواقفه هذه إلى ما حصل. كأنه كان يراهن على أن حزب الله لن يستخدم سلاحه في الداخل، معتمدا على تأكيد نصر الله ذلك في إحدى كلماته، حيث قال: «لو قتلوا منا مليون شخص لن نستخدم سلاحنا في الداخل». لكنه خسر الرهان وخسر الأمان بعد محطة السابع من مايو (أيار)، لذا بدأ بالانعطاف لأنه رأى ما يهدد «الجبل» المحاصر والأعزل جغرافيا وطائفيا. يقول بيضون: «كل حركة جنبلاط بعد السابع من مايو (أيار) 2008 كانت باتجاه مصالحة سورية التي تمسك بالأمن في لبنان. حزب الله رحب إقليميا بهذا الاتجاه من دون اهتمام فعلي بانعكاسه على الصعيد الداخلي اللبناني. الوزير السابق وئام وهاب لعب دور فتح الأبواب». ويضيف: «كان معروفا أن جنبلاط سيترك فريق 14 آذار بعد الانتخابات. الخطوة متوقعة، إلا أنها شكلت صدمة لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري». مسؤولو حزب الله اتخذوا قرارهم بعدم التعليق على مواقف جنبلاط، انطلاقا من أن هذه المواقف هي خلاصة تجربة الرجل بعدما تبين له أن العداء لسورية وإيران غير نافع وأن المجتمع الدولي الذي كان يستقوي به خيبه، فعاد إلى قواعده سالما مع سعيه إلى الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع سعد الحريري. لكن مواقف جنبلاط مع الاستثمار الإعلامي لها، أظهرت الرجل وكأنه يريد مصالحة مع سورية باسم الدروز. يقول بيضون: «دور جنبلاط في 14 آذار انتهى في السابع من مايو (أيار) 2008. وتحت وطأة السلاح نقل طائفته إلى خيمة سورية الإقليمية ليحميها، في حين يريد سعد الحريري أن ينظم علاقته مع سورية بقوة السياسة من خلال تفاهم سوري سعودي. لذا شعر أن سلوك جنبلاط في هذه المرحلة هو طعنة إقليمية وداخليه له. فهو قدم تنازلات في الدوحة لكنه لم يقبل أن يغير موقفه الإقليمي بقوة السلاح إنما من خلال تفاهم عربي».
ويرفض النائب عبد المجيد صالح ما يقال عن أن مواقف جنبلاط هي نتيجة خوفه على الطائفة الدرزية في لبنان. يقول: «لا أعتقد أن الداعي هو الخوف على الدروز في لبنان دون غيرهم من الطوائف. كل الطوائف خائفة بعد تصاعد الخطاب السياسي والطائفي. لم يكن خوفه خوفا مصيريا على طائفته وإنما عودة إلى الجذور وإلى تاريخ والده المناضل كمال جنبلاط. وموقفه يهدف إلى صهر 8 و14 آذار في بوتقة وطنية واحدة انطلاقا من دخول لبنان مرحلة الحلول بعد انتخاب سليمان رئيسا وتسمية الحريري لتشكيل الحكومة. المطلوب فك اشتباك على المستوى السياسي. فجنبلاط ليس ذاهبا للتموضع في صفوف المعارضة». واعتبر صالح أن «الساحة اللبنانية محكومة بتوافق اللبنانيين في إطار علاقات طبيعية لا علاقة لها بالأكثرية والأقلية والأعداد، إنما بالواقع السياسي والأزمات الاقتصادية التي يجب البحث عن مخارج لها والأخطار التي تنتج عن التهديدات الإسرائيلية المستمرة».
لكن هل يمكن القول إن مواقف جنبلاط المتعاقبة هي لمصلحة الدروز في لبنان؟
يقول بيضون: «كمصلحة درزية من المفروض أن يضمن جنبلاط بخطوته هذه عدم الاعتداء على الدروز أو تهجيرهم، إذا ما تولى حزب الله هذه المهمة. المعادلة اللبنانية الحالية تقوم على أن كل طائفة تحمي مواطنيها في غياب الدولة. وانطلاقا من هذا الخوف غلب جنبلاط نظرية الطائفة على نظرية الدولة». إلا أن جنبلاط، كما يشير المقربون منه، لم يكن يفكر في الطائفة دون سواها، لتتجاوز هواجسه الطائفة إلى السلم الأهلي برمته، وتحديدا بين السنة والشيعة. كان يقول لحلفائه: «أنتم تبحثون عن كرسي نيابي وحقيبة وزارية وأنا أرى أبعد من ذلك. أرى أن خطرا سوف يطيح بالسلم الأهلي. وقد يدفع الدروز ثمنه باهظا لأن لا دولة تحميهم». ويرى البعض من خلال موقفه هذا أنه يقرأ في المعطيات الإقليمية عودة سورية إلى الواجهة على حساب لبنان، كما أن الواقع في الساحة الداخلية اللبنانية يرسي معادلة «السلم الأهلي مقابل العدالة»، وذلك مع ترقب القرار الوطني للمحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بعد أن أرسى ولفترة طويلة معادلة أخرى هي السلم الأهلي مقابل السيادة في عهد الوصاية السورية.
إلا أن هناك من يقرأ هذه المعطيات من زاوية مختلفة مفادها أن الهم الاقتصادي العالمي يحتاج إلى الدعم العربي الذي يبدي استعداده لتقديمه مقابل تعهد هذا المجتمع بترتيب أوضاع المنطقة وعلى رأس أولوياتها القضية الفلسطينية، وبالتالي لا لزوم لجنوحه في هذه المرحلة تحديدا إلى حيث تشير مواقفه. ويقول صالح: «وليد جنبلاط وحده يعلم أين يضع نفسه. الساحة السياسية منشغلة بما قاله مع أنه قدم له في خطابه السياسي قبل الانتخابات النيابية وعلى أثر أحداث السابع من مايو (أيار). في كل حزب أو منظمة يقوم المسؤولون بنقد ذاتي. ربما كان التموضع الجديد لجنبلاط جزءا من النقد الذاتي لإعادة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه إلى ينابيعه التي انطلق منها وهي أقرب إلى اليسار منها إلى أي موقع آخر. فهو يتموضع انطلاقا من تطلعات قومية ووطنية، لا سيما في ظل المطبات الأمنية والسياسية في لبنان. وما حصل في غزة جعل جنبلاط يعيد حساباته بمواجهة الوحشية الإسرائيلية، إضافة إلى أنه أعلن قبل الانتخابات أنه يسعى إلى وسطية ليصبح أقرب إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان على طاولة الحوار». وينتفض بعض «صقور» مسيحيي «14 آذار» ويعتبرون أن «لا لزوم للمبالغة في التشاؤم لخروج جنبلاط. فجمهور 14 آذار لا يستهان به. وسلوك الرجل دليل على ارتباكه. وخوفه على حياته هو سبب تحولاته. ويستشهدون بأنه استدعى ابنه تيمور من باريس وبدأ يحضِّره ليتولى زعامة الطائفة». إلا أن المصدر المقرب يؤكد أن «جنبلاط لم يعد يعير اهتماما لمسألة الأمن هذه. ولا يتخذ أي إجراءات تدل على هذا الخوف. هو يتحرك بحرية ويؤمن بالقدر. وأن ابنه تيمور عاد إلى لبنان بعد إنهائه دراسته وبشكل طبيعي ولا لزوم لكل هذه الأقاويل». وإذ بات واضحا أن جنبلاط لن يذهب إلى سورية قبل ذهاب الحريري إليها، يطيب لحلفاء النظام السوري في لبنان التأكيد على عكس ذلك. ويفسر عضو الأمانة العامة في «14 آذار» النائب السابق فارس سعيد الأمر فيقول: «النظام السوري يريد أن يثبت للأميركيين أن لبنان ليس سوى مجموعة طوائف يجب ضبطها وإدارتها. وبالتالي هو الأقدر على تولي هذه المهمة. وخطوة جنبلاط تعزز هذه المقولة. كذلك يريد هذا النظام أن يقدم للمجتمع الدولي أكبر مجموعة من الصور مع قادة 14 آذار، وتحديدا جنبلاط، ومن ثم الرئيس السابق أمين الجميل والرئيس المكلف سعد الحريري وكأنه بذلك يريد تقرير براءة ذمة من التهم التي صدرت بحقه بعد جرائم الاغتيال في لبنان».
وفي حين يكرر جنبلاط تمنياته أن تأتي المحكمة بالحقيقة وأن تكون عنوانا للاستقرار، وليس عنوانا للفوضى، يرى النائب عبد المجيد صالح أن «اللبنانيين فقدوا القدرة على الاستقرار والارتكاز بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وبعد أن أصبحت المحكمة الدولية تحصيل حاصل وانسحب الجيش السوري يجب أن نبدأ باستعادة التوازن. فالاستحقاقات ثقيلة».
وردا على سؤال عن اعتبار فريق من اللبنانيين المحكمة مسيسة، قال: «نحن نعتقد اعتقادا راسخا أن انتقال جريمة اغتيال الحريري إلى محكمة دولية أزاحت عن اللبنانيين ملفا خطيرا. ولا داعي للبحث عن أمور قبل حصولها. فالمحكمة ليست مفخخة وهي تسير بشكل طبيعي ومتزن وتقني. واللبنانيون يريدون الحقيقة».
وبما أن الحكومة تبقى بيت القصيد، ماذا عن التطورات المتعلقة بالتشكيلة الحكومية بعد «الصدمة الجنبلاطية»؟ في ظل التحرك السعودي «الإنقاذي» يبدو أن الآثار السلبية في طريقها إلى الزوال. ويقول صالح: «لا أرى سببا لإعاقة تشكيل الحكومة. فالرجل يذهب إلى تموضع وطني شامل وليس باتجاه موقع أو زاوية ضيقة. هو يعرف أن المنحى الوسطي هو الأسلم في لبنان. ونأمل أن تنعكس مواقف جنبلاط إيجابا على الحوار بين القوى اللبنانية».
إلا أن هذا الطرح يدفع إلى الرهان على ما إذا كان سعد الحريري يستطيع تغليب مفهوم الدولة على مفهوم الطائفة بعد ما حصل ليستفيد منه في سبيل تحصين خطواته باتجاه تأليف الحكومة؟ يجيب الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون، فيقول: «الحريري فشل حتى حينه في إخراج التشكيلة الحكومية من المحاصصة الطائفية. لم يتمكن من التلويح بتأليف فريق حكومي يضع مصلحة الدولة قبل مصلحة الطوائف». ويسأل: «لكن هل تدفع صدمة جنبلاط سعد الحريري إلى تغيير مسار تجميع حصص الطوائف في تشكيلته الحكومية؟» ويضيف: «ذهابه إلى باريس انتفاضة على الجميع من دون استثناء. كأنه يريد أن يقول لجميع القوى التي تطالب بحصصها، ومن دون استثناء، إنه لن يقبل الابتزاز والضغط. تبقى العبرة في نتيجة الانتفاضة. فإن هي أدت إلى عودة المحاصصة الطائفية ستكون الأمور وبالا على الرئيس المكلف وسيدخل الحكومة مكبل اليدين، أما إذا غلبت حصة الدولة التي ستمكن الفريق الحكومي من الإمساك بالأمن والقضاء من دون ضغط الطوائف، حينها يكون الحريري قد انطلق في بداية صحيحة». وتوقع بيضون أن «يحدد موقف الحريري طبيعة التشكيلة الحكومة، فإذا قبل بالمحاصصة المفروضة عليه حاليا تتشكل الحكومة في فترة قريبة. أما إذا رفض، فالأمور سوف تستغرق وقتا أطول إلا أنها تأتي أشد صلابة لا سيما أن الوقت لا يزال طبيعيا ومتاحا ليؤلف حكومة وليس ليبقى شاهد زور على القوى الطائفية المتحكمة بالبلاد». إذا حصل ما تمناه بيضون يكون جنبلاط بموقفه وقلقه قد مهد لخطوة انتقالية كبرى تقود إلى أمان طائفته وأمان اللبنانيين برعاية إقليمية، فتتحول «الزوبعة في فنجان» «إعصارا حميدا».
بيروت: سناء الجاك
الشرق الأوسط


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.