دفعت التحديات المحدقة بهذه الأمة مجددا بخيرة عقولها من أبنائها المخلصين، بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم، إلي الالتقاء لمرة ثالثة في مدينة الإسكندرية، في إطار ما يعرف بالحوار القومي الإسلامي للدفع باتجاه التوافق الفكري كمطلب مبدئي وعاجل لجماهيرالأمة بعيدا عن الجدل العقيم والسجالات الفكرية والفلسفية خاصة وأن المجتمعين قد اتفقوا منذ المؤتمر الأول الذي نظمه مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة عام 1989 علي تجاوز خلافات الماضي والتوجه نحو المستقبل من خلال إيجاد أرضية ثابتة للعمل المشترك. بعد أن تنازعت مجتمعنا العربي طوال عقود مواقف متباينة حول قضية العروبة والإسلام أمعنت أحيانا في تطرفها إما عبر التنكر لثوابت الأمة ورواسيها الروحية والتقليد المطلق للعلمانية الغربية أو العداء غير المبرر لفكرة العروبة ووحدة الأمة وكأنها نقيض الإسلام وعدوه المبين. بعد مرور أكثر من ثمانية عشر عاما علي مؤتمر القاهرة لا يمكن الجزم بحصول تغير جوهري في منهاج العمل أو حتي طريقة الحوار وطبيعة العلاقة بين التيارين الرئيسيين في الأمة ، صحيح أن هذه السنوات الطويلة قٌد أذابت البعض من جليد العلاقات بينهما وخفّفت إلي حد كبير من حدة الجفوة التاريخية والتناقضات الفكرية ،لكن ما حصل في بعض الندوات المنعقدة من 9 إلي 11كانون الأول (ديسمبر) الجاري في الإسكندرية لم يستجب في مجمله لانتظارات المتابعين ولم يرق لمستوي التحديات التي واجهتها الأمة خلال الفترة الماضية ولا لهذا الحجم من الإحباط العربي والإسلامي العميق، فقد تواصل الاشتباك والاختلاف خلال بعض الجلسات حول مفاهيم ومحاور قديمة كالمواطنة والعلمانية والهوية وحقوق المرأة وأهل الذمة والديمقراطية... والتي خيل للكثيرين منا أنها حسمت وأضحت في مجملها محل اتفاق. إن التحديات التي تواجه الأمة العربية الإسلامية داخليا وخارجيا تدعو القوميين والإسلاميين وهم يمثلون روح الأمة إلي ضرورة التقارب والالتقاء علي الثوابت ومن ثم توحيد الجهود والتأسيس لخطاب مشترك يخرج الأمة العربية من حالة الهزيمة ويعيد الأمل في نجاح مشروعها الحضاري المتميز الذي لا يمكن أن ينفصل عن بعده الإسلامي الشامل ولا يمكن أن ينجح بمعزل عن مقوماته الروحية الإسلامية ولا بد من الانصراف إلي معالجة القضايا الحساسة التي أفرزها الواقع العربي المتدهور وطرح البديل المشترك بعيدا عن السجالات النظرية الفكرية المجردة والطرح الاقصائي الذي ظهر به البعض من غلاة العلمانيين خلال جلسات هذا الحوار. كان علي المتحاورين في الإسكندرية أن يتفكروا في هذا الانفجار العبثي الطائش للتوجهات القطرية والمذهبية والطائفية في الوطن العربي ونمو نزعات التجزئة والتفتيت في وقت تتجه فيه أوروبا المتعددة الأعراق والقوميات والمذاهب إلي الوحدة التي تجسّدت عمليا خلال هذه الأيام في توسيع اتفاقية شنغن الخاصة بحرية تنقل الأشخاص والخدمات لتشمل تسع دول جديدة وإيجاد حلول ناجعة لهذه الظاهرة.التي تهدد تماسك بنيان الأمة ومستقبلها ووجودها. كان لا بد من التمعن في أسباب هذا السقوط الحضاري وعوامل هذا الاستسلام الشامل وهذه القابلية غير المعهودة للاستعمار وهذا الهوس المتجدد بتساؤلات الهوية لدي شريحة واسعة من العرب في ظل السعي الأمريكي الصهيوني إلي تحويل المنطقة إلي مجموعة أقليات متناحرة لا وجود لأغلبية فيها.إن تواصل الفرقة بين القوميين والإسلاميين لهي من أسباب قتامة الوضع العربي وبؤسه، ففي غياب أي مشروع جماعي أو حلم مشترك يمكن أن يشكل منطلقا و دافعا للتغيير ، نمت إرادة التسلط وتغوّلت الأنظمة الاستبدادية ومن حولها أوليغارشيات المال والأعمال وتوسعت دائرة المصلحية والبراغماتية وتفشت حالة من الاضطراب وتشوشت لدي المواطن العربي المعايير والمثل والقيم التي كانت تصنع الانسجام والتناسق، خاصة بعد الزلزال القيمي الذي أحدثه غزو العراق واحتلاله واختلال الكثير من الموازين الفكرية والسياسية فانقلبت الأضداد، واستحل البعض الخيانة والطائفية والعمالة والهرولة نحوالتطبيع وساد منطق التطرف بجميع ألوانه وأشكاله تحت مسمّيات مختلفة وجدت لها مبررات في الواقع المأزوم، وأصاب الكثير من الشرفاء والمناضلين من التيارين الإحباط والفشل، و أصبح العدو الجديد للغرب وإسرائيل وفقا لتصريحات الأمريكيين أنفسهم هو التشدد الإسلامي و التشدد القومي في إشارة إلي كل من يتبني فكرا عروبيا إسلاميا توحيديا يناهض الغطرسة الصهيونية والاحتلال الأمريكي واستبداد الأنظمة ويتبني خيار المقاومة والتنمية العادلة والديمقراطية الحقيقية الناتجة عن تفاعل قوي الداخل العربي دون وصاية أو تدخل ومنهم بالتأكيد كل من حضر هذا المؤتمر. لم تعد المناكفات مجدية حينئذ، ولم يعد هناك مجال للجدال غير المثمر في الواقع العربي المعاش، فقد طغي الخطب وعيل الصبر وتتالت النوائب وكثرت الشدائد. وحريّ بصفوة الأمة وأخيارها أن يؤسسوا لحراك سياسي حقيقي وفعال وأن يطوروا أدوات وآليات عملية تتفاعل مع قضايا عامة الناس وتجد طريقها إلي عقولهم وقلوبهم وتحول دون هذا السقوط المريع حتي علي الصعيد المعنوي . من المفروض عليهم التوحد حول أسس تمكن من إعادة المعني لهذه الأمة وتستنهض قواها الكامنة وتدفعها إلي الخروج من حالة الإحباط والخنوع والاستسلام. فمن المحزن أن نري النظم الاستبدادية القطرية تطور أساليب عملها وتحصن مواقعها وتستثمر حالة الفراغ والركود والانقسام لتوطيد سلطانها وترسيخ سياساتها وخياراتها وتبقي التيارات الأصيلة الممثلة لجماهير الأمة تراوح مكانها خطابا وممارسة، بعيدة عن مجال الفعل الذي يوفر امكانية تغيير لن يحصل إلا عبر التوافق وارتباط العمل القومي الإسلامي بدل الاشتباك والخصومات المفتعلة.