القيروان.. منتجو الزيتون يحتجون    وزارة التربية تفتح باب الترشح لأساتذة اللغة الالمانية المباشرين للقيام بدورة تكوينية في ألمانيا    زيادة منتظرة في أسعار المحروقات    بعد احتراقه ليلة أمس.. إجراءات عاجلة لصيانة الحي الرياضي بالمنزه    انتخاب تونس في خطة نائب رئيس المنظمة العالمية للمياه المعدنية وعلم المناخ    عروض فنية متنوعة فى برنامج ''اكتوبر للموسيقى'' بنابل    مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا: الكلفة 2000 مليار والاتحاد الأوروبي على الخط    توننداكس يستهل معاملات الثلاثاء متراجعا بنسبة 01ر0 بالمائة    حزب العمال يدين ''الاعتداءات على النقابيين ويطالب الرئيس المنتخب بالتعبيرعن موقفه منها بشكل مباشر وواضح''    الرابطة 1: برنامج مباريات الجولة الخامسة.. وتعيينات الحكام    تونس : إنهاء أزمة مباراة النادي البنزرتي و الصفاقسي    ريال مدريد : المدرب زيدان مهدد بالإقالة    الأحزاب المُنتخبة لم تقترحه ولجنة المالية لن تكون معارضة! قانون المالية الجديد.. سيمرّ بمنطق استمرارية الدولة    تونس: تلاميذ المدرسة الإعدادية بالعيون من ولاية القصرين ينفذون وقفة احتجاجية تنديدا بمقتل زميلتهم    فتح تحقيق حول شبهات سوء معاملة لأطفال مركز الرعاية الاجتماعية بالزهروني    لطفي العبدلي يتحصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان بوردو العالمي عن دوره في فيلم تونسي    مستشار لحكومة لبنان:حسم مسألة التعديل الوزاري خلال أيام    هل رفضت حركة النهضة عرض القروي للالتحاق بحكومتها؟    سيدي بوزيد : أهالي منطقة "القصيرة" يغلقون الطرقات للمطالبة بالماء    توزر: طبيب تونسيّ يتبرّع للجهة ب3 سيّارات إسعاف    عبير موسي تستعد للانتخابات سابقة لأوانها    أبطال أوروبا (مجموعات-جولة 3): برنامج مباريات الثلاثاء 22 أكتوبر    أردوغان يرفض تمديد الهدنة في سوريا    زيمبابوي.. نفوق عشرات الأفيال و"كارثة" تهدد الملايين    سيدي بوزيد :إيقاف شاب تسور السور الخارجي للمحكمة    في سوسة: إلقاء القبض على عنصر إرهابي..وهذه التفاصيل..    سيدي بوزيد: القبض على شخص حاول التسلّل ليْلا إلى مقر المحكمة    ابتلع قطعة من ‘الزطلة'.. تعكر الحالة الصحية لرضيع بالقيروان    بوعرقوب/ للمرة الثانية.. تشويه لوحة جدارية تمّ رسمها خلال حملة النظافة    خبير إقتصادي : البلاد تعيش حالة إفلاس غير معلن والإنقاذ ممكن لو...    إثر الاضطراب في رحلة توزر باريس..استياء وتهديد بإضراب عام جهوي    وادي مليز : مدرسة بوقصة تشارك في مهرجان الفيلم القصير    المهرجان الدّولي للشعر بتوزر ..17 دولة عربية تحتفي بتونس عاصمة للثقافة الإسلامية    تونس: يتضمّن شهادة للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي..اليوم العرض الأوّل لفيلم”عالبار”    ماجدة الرومي ترد على تأخرها في التضامن مع التظاهرات اللبنانية    إصدارات المربّين : المجموعة القصصيّة «يشبهُون القمر» تحتفي بالطفل    نصائح لتحقيق أقصى استفادة من التمارين الرياضية    أهمية البروتين لصحتك    رسمي ..ملعب العالية يحتضن مواجهة النادي البنزرتي    أخبار الترجي الرياضي : ضغط كبير على البدري وال «كاف» تُواصل «حرب الأعصاب»    ليفربول يسيطر على ترشيحات جائزة الكرة الذهبية بسبعة لاعبين    طقس اليوم: رياح قوية تتطلب اليقظة    الإطاحة بمروّعي روّاد محطّة المترو بباب العسل    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2019    إشراقات..بين بين    توقيت جديد لأعوان الصوناد بداية من 1 نوفمبر    تحوّلت إلى تعجيز للمواطن..فاتورة الكهرباء تحرق... من المسؤول؟    حالة غريبة حيّرت الأطباء : معدته تنتج خمرا!!    صور من داخل قبة المنزه لآثار الحريق    سيدي بوزيد.انتحار طفل بالسنة الخامسة ابتدائي... وأب لطفلين    لبنان.. يوم جديد من التظاهرات والجيش يؤمن الحراك الشعبي    بالفيديو: وزيرة الرياضة : سيطرنا على الحريق في قصر الرياضة بالمنزه وسيتم التحري عن المتسببين في الحادثة    أكثر من ألف مشارك في ملتقى الوقاية من أمراض القلب بالعاصمة    أصالة توضح حقيقة طلاقها من المخرج طارق العريان    دردشة يكتبها الأستاذ الطاهر بوسمة من باريس : إنهم يحاولون تبخيس الثورة    توقعات الابراج ليوم الاثنين 21 اكتوبر 2019    بسن 34 عاما: اكتشف «السر الكامل» وراء اللياقة البدنية الخارقة لرونالدو    كلام × كلام...في الوعي السياسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ما أروع أن يكشف لك الإيمان عن سره
نشر في الحوار نت يوم 24 - 12 - 2010


موعظة الحوار
مشاهد من خلق الصادق الأمين.
ما أروع أن يكشف لك الإيمان عن سره.
((( 36 ))).
أخرج الإمام الترمذي عن الحارث الأشعري عليه الرضوان أنه عليه الصلاة والسلام قال : „ أمر تعالى يحيى عليه السلام بخمس فجمع الناس في بيت المقدس وأمرهم بها وقال لهم : إعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل إشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق وقال له : هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقيدوه وقدموه ليضربوا عنقه فقال : أنا أفدي نفسي بالقليل و الكثير ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعا حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى. ثم قال صلى الله عليه وسلم : وأنا أمركم بخمس : السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فقال رجل : وإن صلى وصام يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: وإن صلى وصام”.
آفتان من آفات التدين هي الأهلك للناس.
آفات التدين لا تلحق الدين بشيء لأن الدين وضع إلهي وليس التدين سوى محاولة تنزيل ذلك الوضع على واقع الناس ولذلك شرعت قيمة الإستطاعة ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ). آفات التدين كثيرة ومنها آفتان فتاكتان :
1 آفة الفراغ. ليس المقصود بالفراغ الإنقطاع عن العمل أو عن التفكير بالكلية لأن ذلك وضع نادر الحدوث جدا. ولكن المقصود بالفراغ : الفراغ القيمي الذي يقع فيه غير المسلمين في العادة أو من ترهلت مناسيب الإيمان في صدورهم ترهلا أدنى إلى الموات ومن أمارات ذلك اليوم : الإنتحار بكل ألوانه ومنه الإنتحار المعنوي لا المادي بوضع حد للحياة. ولكن المقصود بالفراغ في موضوعنا هو الفراغ المنهاجي الذي يكون العقل بمقتضاه غير قادر على ترتيب الأشياء وتصنيف الأمور بحسب مقاديرها الصحيحة وأحجامها الحقيقية بمثل من يكون أكثر همه اليوم منا ملبسه وذقنه ولو رفع رأسه مرة واحدة عن موضع سراويله من قدمه لأبصر في الأفق الإسلامي اليوم ما يشغله من عزائم الأمر مما يلقى المسملون من الأذى في ديارهم الأصلية أو مهاجرهم.
2 آفة التقليد. ليس المقصود تقليد إمام في الفقه وإن كانت كلمة التقليد ذاتها بما توحي به من إزراء بكرامة الإنسان ممجوجة في الإسلام لا حظ لها ولو كان التقليد يحوز على أدنى ثقة في الإسلام لأمرنا ولو إستحبابا ترغيبيا بتقليد خير البرية محمد عليه الصلاة والسلام. ألا يثير إنتباهك أنك لم تؤمر ولو مرة واحدة ولو تعريضا بتقليده وهو من يستقل بالتشريع أصلا في بعض المسائل ( لحوم الحمر الأهلية وحرمة الحرير والذهب وبعض الأنكحة إلخ..)؟ ألست تلفى كلمة الإتباع فحسب. الإتباع غير التقليد لأن التقليد إتباع بهوى أو بجهل. أما الإتباع فهو إقتفاء الأثر برشد. وأي رشد هو إذا علمت أن الصحابة الكرام أجمعوا على تبديل بعض سياساته الإدارية أو الدينية لما تبينت لهم عللها ومقاصدها ( الأذان الذي ثلثه الفاروق و ما يعرف بضوال الإبل في عهد ذي النورين إلخ..). ليس المقصود ذلك التقليد. ولكن المقصود هو إستمراء الغفلة الذهنية يوما من بعد يوم حتى تصبح العبادات عادات وتأسن الحياة وينبذ الإجتهاد ويحتقر التجديد ويكفر المرء بكل جديد في التدين ولكن يبش في وجه كل جديد في الدنيا ويهش. كلما آلت الأمة إلى مثل ذلك وعد سبحانه بتقييض من يجدد لها دينها على رأس كل مائة عام. لو ركن مجدد إلى التقليد لماتت الحركة وإنحطت في إثرها الهمة وحصل الوعيد الذي حذر منه الذكر الحكيم : „ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا”.
حديث يبسط بين يديك مقاصد الدين وغايات العبادة.
قال إبن القيم عليه رحمة الله سبحانه : „ بحثت عن العلل والمقاصد في كتاب الله سبحانه فلما أحصيت منها أزهى من ألف موضع أرسلت الأمر..“ أو كما قال. الحديث الذي بين أيدينا يعلمنا لم نعبد الله سبحانه سواء في الجملة ( التوحيد المنافي للشرك ) أو في التفصيل ( الصلاة والصيام والصدقة والذكر). هذا يعبد الله ويؤمن به ويطيعه ما إستطاعه غافلا عن الحكمة من ذلك وذاك يعبده ويؤمن به ويطيعه عن بصيرة. لا يستويان أبدا. قس ذلك على أمر من أمور دنياك لتدرك حجم الحقيقة. كثيرا ما يعلق هذا بخاطري فيعذبني ورب الكعبة : أرى الرجل الجلد الحزم القوي لا تكاد تفوته فرصة من أسواق الدنيا إلا وقد نهل منها بذكائه كرعا واسع المغنم بسبب تفكره وتدبره وتحليله وإستخدامه الأقيسة والقوانين الطبيعية ( وفضل الله قبل ذلك وبعده دون ريب).. فإذا أوى به المأوى إلى مسألة في التدين تراه كمن أغلق كل إمكانياته الذهنية التي كان قبل قليل يستخدمها لجلب المكاسب والأرباح فلا يكاد يفقه عنك شيئا من الأقيسة الدينية وإستصلاحاتها وإستحساناتها وإستصحاباتها وذرائعها ولجوء الحكم إلى العرف أحيانا. كلما مر بي مشهد من تلك المشاهد أحزن كثيرا. أحزن وأقول في نفسي : مشكلة هذا الرجل مشكلة عويصة وكبيرة ومعقدة وليست مشكلة عارضة طارئة. لو علم منك حكم هذا اليوم فسيأتيك غدا بواقعة جديدة لا تختلف عن واقعة الأمس إلا في الزمان والمكان. وسيظل الرجل حيال دينه كمن يتعامل مع قنبلة موقوته تنذر بالإنفجار في كل لحظة أو كمن يتعامل مع آلة معقدة لا أمل له في حل أسرارها أو كنه ألغازها. سيظل الدين في نفسه معادلات من الطلاسم غير قابلة لفهم بله فقه. أسأل نفسي في حسرة وحزن : أين ذهب ذلك العقل الحازم الذي يحكم به قبضته على الدنيا أو على ما يسر له الله منها؟ كيف أمكن لذلك المارد الذهني الذي وهب منة وفضلا وتكريما أن يستقيل بالتمام والكمال حيال التدين ومعالجاته؟
وأين حظ الدعاة من ذلك.
حظ كثير من الدعاة اليوم ليس بأنأى من ذلك. كم داعية يقدم الإسلام اليوم بمثل ما قدمه هذا الحديث؟ تعبد الله ولا تشرك به شيئا لأمر بسيط جدا لا يتعدى كونك عبدا مخلوقا مصنوعا مستخلفا في ضيعة كونية واسعة فإن عملت بشروط العقد فكسبت وأديت إلى صاحب الضيعة حقه تنال ثوابك وإن أبيت تنال عقابك. هل هناك في الدنيا بساطة أشد من هذه؟ أليس ذلك هو يسر الإسلام وبيانه وعقلانيته وفطريته وقابلية فهمه المتاحة لكل من هب ودب؟ أليس ذلك هو الذي جعل العرب المشركين يؤمنون ويسلمون؟ هل إحتاجوا إلى علم كلام أو إلى مخابر طبية أو فيزيائية أو كيميائية متطورة أو علم فلك أو قوانين الضوء والأشعة؟ كثير منا يظن أن الغربي هو بالضرورة رجل الثقافة والفكر بما يوحي بأن قبوله للإسلام لا يكون إلا بعد جهد جهيد من إستجماع الحجج والبراهين والأدلة. ذلك وهم مركب. وهم بسيط ( غير مركب ) لأنه ينبني على مقدمة خاطئة إذ صفة الغربي لا تعني ما حملناها جهلا بأثر مما حشيت به عقولنا لما كنا يافعين على مقاعد الدراسة ( المغلوب مولع بتقليد غالبه أبدا). الغربي إنسان كثيرا ما يكون في غاية البساطة إلا من تلبست به جنون العظمة أو كانوا من نخبة القوم حقا. وهو وهم مركب لأنه يفترض مسبقا بأن الإسلام شيء عصي عن الفهم.
ورغم ذلك فإن تعليلا آخر كثيرا ما نغفل عنه أو نفر منه.
كثيرا ما يسأل الناس من مسلمين وغير مسلمين عن الحكمة من تحريم أكل لحم الخنزير.يندفع بعضنا إلى تآليف علمية لبعض أطباء ألمانيا أو غير ذلك لإثبات أن ذلك التحريم معلل ومقصد. معلل تارة بعدم الغيرة على أنثاه ويحشد لذلك أوضاعا أسرية ممزقة في الحياة الغربية أو مقصدا ذلك بأكله القاذورات ولكن يفر من ذلك إذ علم أن الخنزير الحضري ( التقدمي الديمقراطي) اليوم إنما يأكل ما لا تحلم به شعوب إفريقية أو آسيوية بأسرها. أو أن به دودة مضرة بالجسم البشري. ولك أن تسأل نفسك : لم أعرض الوحي ( قرآنا وسنة) بالكلية عن مجرد التعريض أو الإيماء بأي علة أو مقصد لحرمة أكل لحم الخنزير؟ لم دأب الوحي في الجملة على التعليل والتقصيد إما جملة أو تفصيلا أو بأساليب أخرى معروفة للدارسين ولكنه في شأن أكل لحم الخنزير أعرض عن كل ذلك جملة وتفصيلا؟ إن قلت : ذلك ضرب من الحرمة لا بد أن تكون معللة بسبب أنها مفهومة معقولة وغير تعبدية.. ما جانبت صوابا البتة. وإن قلت : أن الحرمة لا بد أنها تصرف عن الإنسان مضار إما نفسية أو بدنية أو مالية أو عقلية أو في كل ذلك.. ما جانبت أيضا صوابا البتة. ولكن لم لا تؤول إلى هذا التعليل الجميل جدا : حرمة أكل لحم الخنزير قطعي ثابت بالقرآن الكريم شأنه شأن الخمر والميتة والدم المسفوح وغير ذلك. لم نعثر إلى حد اليوم على علة قطعية ثابتة ثبات أن أكل الربا ظلم للناس. وقد نعثر يوما على ذلك ولا يعني ذلك وقف الأبحاث أو التهوين من شأنها بل هي مطلوبة للدعوة الإسلامية المعاصرة. ولكن حتى يتبين ذلك على وجه القطع الثابت يسعنا أن نقول والسعادة تغمرنا : هذا أمر ثبتت حرمته ثباتا قطعيا والله إبتلانا بذلك على الأقل ريثما نعثر على العلة القطعية الثابتة لتحريمه بمثل ما إبتلانا بعدم تعليل تفاصيل العبادات : لم أصلي الصبح ركعتين فحسب ولو أسلمت الأمر لعقلي لصليت أربعا لأني حديث عهد براحة ومقبل على نشاط وحركة ولم أصلي العشاء أربعا أو العصر ولو أسلمت الأمر لعقلي لصليت ثنتين فحسب لأني حديث عهد بنصب وتعب. هي علة الطاعة بالغيب إذن. تلك التي كثيرا ما نغفل عنها لنظل نلهث وراء أبحاث علمية قد يصدق بعضها بعضا وقد ينقض بعضها بعضا.
الدين واحد في أصله وجذره ولكن مطلوبات الإسلام أجمع للناس والدنيا.
لحكمة هي من أنقى الحكم لم يرد الدين في الكتاب العزيز إلا مفردا أبدا ولذلك وضع الإسلام عليه الصلاة والسلام في موضع اللبنة التي إفتقدها الناس وهم يطوفون ببيت رفيع مشيد:“.. يقولون : لولا تلك اللبنة.. فأنا تلك اللبنة”. الإسلام هو اللبنة التي أكملت جمال ذلك البيت الرفيع المشيد ولذلك قال فيه سبحانه في أواخر نزوله :“ اليوم أكملت لكم دينكم..“. ذلك ما أراد قوله عليه الصلاة والسلام في حديث هذه الموعظة المتواضعة المرتجلة. ما أمر به يحيى عليه السلام قومه هو أمري إياكم ولكني أزيد عليه خمسا : السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة.
السمع: سمع من ولم.
السمع هو أول مطلوب. السمع معناه حسن فهم خطاب المتكلم لوعيه ولذلك رهن سبحانه الإيمان بالسمع فقال :“ إنما يستجيب الذين يسمعون”.ليس المقصود هنا السمع في الحقيقة ولكن المقصود هو حسن هضم المسموع وحسن وعيه وحسن العمل به زمانا ومكانا وحالا وقدرا. ذلك لأن الناس كلهم يسمعون بآذانهم ولكن السمع المقصود هنا هو سمع الأفئدة. بل الأنعام ذاتها تسمع بمثل ما يسمع الإنسان. ولكن نسمع لمن؟ نسمع لمن جاء ذكرهم في أعظم آية دستورية في الكتاب العزيز:“ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولي الأمر منكم”. أولو الأمر هم أهله الجديرون به والحقيقون ( جمع حقيق وليس حقيقي ). هم المهندسون في شأنهم والأطباء في شأنهم وعلماء الإسلام في شأنهم والمفكرون في شأنهم إلخ.. حتى لا يكون صاحب شأن في الأمة إلا وهو ولي أمر من الأمور. أما صرف ذلك إلى طائفة فحسب بمثل ما يقول بعضهم هم علماء الإسلام فحسب أو هم الساسة والحكام فحسب فذلك أدنى إلى التحكم بغير علم.على أن ذلك السمع مقيد بقيود كثيفة منها أن يكون ولي الأمر منا وليس فينا أو علينا أو بنا أو حوالينا ومنها أن يكون قوله متصلا إما بطاعة الرسول أو بطاعة الله أو بكليهما إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ومنها أن التنازع عليه وارد بمثل ما نطقت الآية ذاتها ولذلك رسمت الآية منهاج حسم التنازع بالرد مجددا إلى طاعة الله وطاعة الرسول حيث إقتصرت عليهما حال التنازع ولم تستصحب طاعة أولي الأمر المعطوفة في أولها على طاعة الله وطاعة الرسول الذي ظلت الآية تتحدث عنه بمقام الرسالة فحسب ومن تلك القيود كذلك أن ذلك المنهاج عند الإبتداء أو عند حسم التنازع علامة من علامات الإيمان( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).
الطاعة. طاعة من ولم.
الطاعة هي تحويل المسموع المعقول إلى وقائع عملية أو ذهنية.إذ أن السمع وحده لا يفي بالسعادة. لعل ما ينفر كثيرا من الناس اليوم عن الإسلام هو تلبسه بالحال التيوقراطي الذي عاشته أوروبا ذات يوم.أي أن الإسلام يفرض طاعة ولاة الأمر في كل الأحوال فإذا تلبس ولاة الأمر بالإسلام فإن المصيبة تكون أنكى لأن ذلك يذكر أروبا بعهد الظلمات. ولعل أكثر الناس اليوم يجلهون أن الإسلام حرر السمع و الطاعة من كل أصحاب السلطة ( سلطة الزمان أو المكان) تحريرا كليا مطلقا ثم جعلها في يد الله سبحانه ويد رسوله عليه الصلاة والسلام. أي تحرير السمع والطاعة للملك الذي لا يجادل في العادة سوي في ملكه وخلقه وتلك هي أبهر قيم المساواة في الإسلام. ولكن الإسلام مع ذلك لم يكن مثاليا يطالب الناس بما لا قبل لهم به في الحياة اليومية العادية ولذلك أكمل لهم الكليات الإستراتيجية العظمى التي منها تتشكل هوية حياتهم وعنوان وجودهم وبطاقة رسالتهم ثم ترك لهم الباب مفتوحا على مصراعيه إجتهادا فيما دونها وأرسل أولي الأمر لفتح مغاليق تلك الجزئيات التي لا تحصى .. أرسلهم بقيمة المساواة مرة أخرى أي بتأشيرة العلم وليس بتأشيرات النسب أو العرق أو اللون أو اللغة أو حتى الدين فيما هو خارج عن دائرة الدين من مثل تثليث الأذان من لدن الفاروق عمر عليه الرضوان. لا بد للناس من سراة في أي أمر هندسي كان أو طبي أو علمي أو سياسي فكان لا بد من طاعة ولاة الأمر العلماء بذلك الأمر مع ورود التنازع عليه ليكون الوحي العظيم الكريم هو الحاكم الذي يحرر الناس أجمعين وإليه مرجعهم أجمعين أي ليتساوى الناس في التحاكم والإجتهاد.
ما الجهاد ولم؟
الجهاد ذروة سنام الإسلام وما أروع التعبير النبوي العظيم. أليست الإبل تخزن في أسنمتها ما فضل عن حاجتها اليومية لإستخدامها في الشدائد والأزمات والمجاعات والمسبغات؟ الحقيقة أن الإبل تقوم بذلك مرتين : مرة كل يوم وذلك عندما تسترجع من بطونها جزء مما تعذر طحنه لأي سبب من الأسباب ليلا لإعادة طحنه ومرة عندما تخزن في أسنمتها حاجاتها لأيام الطوارئ القاسية. معنى ذلك أن الإبل تستبقي لها جهودا إضافية تخزنها لمعالجة الطوارئ. ذلك هو معنى الجهاد في الإسلام بالضبط والتحديد. لم يكن التشبيه النبوي الباهر بنية بيانية جميلة فحسب. لا. إنما تعدى ذلك ليصل المبنى بالمعنى. الجهاد في الإسلام هو تحصيل مدخرات لازمة تحتاجها الأمة أيام العدوان عليها أو أيام العدوان على المستضعفين عامة ولو لم يكونوا منها أو فيها. يعني تخزين ذلك في سنام في الأمة أي أسلحة وبشرا وعلوما ومعارف وأموالا لمجابهة حالات الطوارئ. الجهاد في الإسلام إذن خزان إحتياطي لمواجهة الشدائد وليس هو للعدوان على الآخرين أصلا سواء كانوا أبرياء أو كفارا مسالمين. من لا يحسب حساب الجهاد فلا يخزن من قوته اليومي ما يسعفه عند النائبات مثله مثل جمل أكل ما وقع عليه وإنتفع منه كاملا دون أن يدخر في سنامه ما يحتاجه في المسبغات والأرض القفار. الفرق الوحيد هو أن الإبل تصنع ذلك كرها تدبيرا من عليم حكيم سبحانه أما الإنسان فإنه يصنع ذلك عن بصيرة وتخطيط. هناك وجه شبه آخر بين ذروة سنام الإبل وبين الجهاد ومفاده أن الأمرين بارزان على نحو يبصرهما كل من هو في المشهد والصورة. التاجر الخبير بالإبل يفحص ذروة البعير أول ما يفحص ليدرك قوته وجلده. الذروة في البعير رمز يغري التاجر والفلاح أو يزهده. كذلك الجهاد شبه بالذروة لأنه في مكان من الإعداد بحيث يراه العدو والصديق والحليف والجار وكل أحد. ولذلك خصصت القوة بإرهاب المعتدين فهي للمستضعفين أمان وركن ركين وهي في عيون المعتدين سيف بتار يحرس أهله.
ما الهجرة ولم.
الأمر بالسمع والطاعة والجهاد عام مطلق في كل زمان ومكان. ومعلوم أن من لم يعد للجهاد عدته فلن يجاهد إلا كما تجاهد النعامة حين تغرس رأسها في التراب. أما الأمر بالهجرة فلا يفهم على إطلاقه لتكون الهجرة على قساوتها ومرارتها دواء علقما لا يقدم عليه إلا من ضاق به وطنه فلم يشبع منه بطنه أو لم يأمن فيه على نفسه أو دينه وأهله وولده أو لم يشبع منه عقله بالعلم والفكر والعرفان أو غير ذلك من المطالب البشرية المعروفة.
ما الجماعة ولم.
الجماعة في الإسلام مقصد قاصد ومبدأ بادئ وعزيمة عازمة وأصل أصيل. يكفيك دليلا على ذلك أنك تلهج بقولك صباح مساء في الليل والنهار ( إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم). ما يحملك على ذلك وأنت فرد واحد؟ ما يحملك على التحدث إلى الله سبحانه في لب رسالتك ( العبادة والإستعانة) أو دعاء .. بصيغة الجماعة؟ أليس عجيبا وغريبا أن يكون رجل في أدغال إفريقيا يصلي لوحده ليلا لا يتصل به بشر ولم يتصل ببشر .. أليس عجيبا وغريبا أن يحمل ذلك الرجل الذي ربما لم يلتق بشرا منذ شهور ولم يخرج من قريته الصغيرة جدا .. أليس عجيبا وغريبا أن يحمل ذلك الرجل هم أمة بأسرها تعد اليوم مليارا ونصف المليار من البشر؟ لم لا يحمل هم نفسه فيقول : إياك أعبد وإياك أستعين إهدني الصراط المستقيم؟ يكفيك دليلا على ذلك أن كل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم لم ترد إلا بصيغة الجماعة بما فيها تلك المتعلقة بالتقوى والصيام وهما عبادتان باطنيتان. 89 مرة ياأيها الذين آمنوا وحوالي 23 مرة يا أيها الناس وحوالي 5 مرات يابني آدم ومرتين يا أيها الإنسان بصيغة الجنس.. أليس ذلك موجها لنا جمعيا بأن الجماعة في الإسلام ليست نافلة ولا رغيبة ولكنها فريضة من أجل فرائض الدين؟ الحقيقة أننا أغنياء عن كل ذلك اليوم بسبب ما بدا لنا من تكتلات دولية في زمن لا مكان فيه للمتفرقين. ولكن إذا عثرنا على حقيقة دنيوية بالتجرية ثم وجدنا أن الإسلام يزكيها فإن الأمر عندها يكون خطبا جللا.
لا تخلع ربقة الإسلام من عنقك فلا يشفع صوم ولا صلاة.
من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وإن صام وصلى. الجماعة المقصودة هي الأمة الإسلامية دون ريب. والفراق المقصود هو فراق الدين بسبب أن أكثر ما يدفع المفارق إلى التعاون مع أعداء الأمة ضد أمته الأصلية هو فراق الدين فإذا وجدت أسباب أخرى فإن الفراق هو الفراق لأن العبرة بالمعاني والمآلات. لو زعم أحد أنه لم يفارق دين الأمة ولكنه يتعاون مع العدو ( إسرائيل التي تحتل الأرض مثلا ) فإنه مفارق دون ريب بل هو مفارق خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وعلى هذا الأساس فسر بعضهم الحديث النبوي الصحيح المعروف : „ لا يحل دم إمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة”.( متفق عليه عن إبن مسعود).. فسره بعضهم بأنه لا يقتل إلا المرتد المفارق للجماعة بسبب أن مفارقته للجماعة هي في العادة تعاون مع عدو الأمة أو ما يسمى اليوم خيانة وطنية. وهو تأويل حسن يصل المعادلة التي حيرت بعضا من الناس .. معادلة تشديد الإسلام على حرية التفكير من جهة وتشديده من جهة أخرى على الردة. على أن المفارقة اليوم عادة ما لا تكون مفارقة مادية بدنية بمثل ما كانت عليه في الماضي. هي اليوم مفارقة من داخل الجسم وهي أشد وأنكى.
والله أعلم.

الهادي بريك ألمانيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.