ترمب يؤكد استمرار الهجمات ويتفاخر بتدمير القدرات الإيرانية    عاجل/ رفض الافراج عن هذا النائب بالبرلمان..    عاجل/ ترامب يحسمها بخصوص موعد انهاء الحرب مع إيران وهذا أبرز ما جاء في خطابه..    أول تحرك عسكري إيراني بعد لحظات من خطاب لترامب هدد خلاله بتدمير إيران    بعد مسيرات نصرة الأسرى في الجنوب.. أبو عبيدة يوجه رسالة إلى الشعب السوري    رفض الافراج عن النائب أحمد السعيداني وتأخير محاكمته الى الاربعاء القدم    لمدة 3 اشهر.. تحويل جزئي لحركة المرور بمدينة بنزرت    خبير في السياسات الفلاحية ل«الشروق» تشخيصنا لأزمات منظومات الإنتاج خاطئ    تونس - المصرف العربي للتنمية الإقتصادية في افريقيا : حرص مشترك لتعزيز التعاون في الفترة القادمة.    بطولة كرة اليد ...الترجي والافريقي ينتصران    مباراة كندا وتونس فضحت المستور ...تلفزتنا الوَطنية.. خطوة إلى الأمام و60 خطوة إلى الوراء    الذِّكْرَيَاتُ وَكْرٌ مَنْ لَا وَكْرَ لَهُ    سِرّ الكُرسي البُنّي    الجريمة جدّت بالجبل الأحمر .. الإعدام لقاتل صديقه بآلة حادة    بين ضغوط الأزمة ومحاولات الفتنة ..مصر تفعّل دبلوماسيتها لوقف الحرب    سأكتب عن العرب    عاجل: وزارة الفلاحة تحذر الفلاحين: انتشار 'الميلديو' في حقول البطاطا    كشفها حجز طنين بالعاصمة .. شبكة لسرقة النحاس وسوق سوداء للبيع    استعدادا لعيد الاضحى: شركة اللحوم تعلن..#خبر_عاجل    توزر: أنشطة متنوعة لدعم قدرات المربين والتصدي للسلوكيات المحفوفة بالمخاطر في إطار مشروع ضمان حق التعليم للجميع دون تمييز    عاجل/ من بينها تخلي الأمين العام عن السيارة الادارية: قرارات هامة للمكتب التنفيذي الجديد للاتحاد..    قرار جديد من وزارة الصحة يضبط تركيبة اللجنة الفنية للإشهاد على استئصال شلل الأطفال والتحقق من القضاء على الحصبة والحميراء    ''بصمات الروح'': مغامرة فنية جديدة للفنانة التونسية عايدة نياطي    تعيين هذا الحكم لمباراة الترجي الرياضي وصانداونز..#خبر_عاجل    عاجل/ اسرائيل تعلن اغتيال هذا القيادي البارز في حزب الله..    القضاء الفرنسي يرفض تسليم حليمة بن علي إلى تونس    عاجل/ في ظل تواصل التقلبات الجوية: بلاغ تحذيري لمتساكني هذه الولاية..    تصنيف فيفا: المنتخب التونسي يتقدم إلى المرتبة 44 عالميًا    مع التقلبات الجوية .. طبيب ينصح هؤلاء بتجنب الخروج من المنزل    الكنفدرالية التونسية للمؤسسات المواطنة، تعرب عن "انشغالها البالغ" إزاء تداعيات المذكرة الجديدة للبنك المركزي التونسي    بداية من اليوم: تعريفات جديدة لدخول المتاحف والمعالم التاريخية والمواقع الأثرية..وهذه التفاصيل..    من أفريل إلى جوان 2026..توقعات بتسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات..    انسحاب الولايات المتحدة من "الناتو".. نعمة أم نقمة عليه؟    "احذر الوقوع في الفخ اليوم..! القصة الكاملة ل "كذبة أفريل"..ولماذا يحتفل العالم "بالكذب"؟..    كسوف الشّمس الأقوى في القرن...الوطن العربي على موعد مع ظاهرة فلكية تاريخية    ''موجوع...'': كلمة تونسية تفسّرها الدكتورة مزغنّي    شوف كان انت منهم: قائمة الفئات المستفيدة من ''الدخول المجاني'' للمتاحف التونسية    زيارة المتاحف: التذكرة الموحّدة للأجانب ستصل الى 70 دينار بداية من هذا التاريخ    عاجل/ الرصد الجوي يصدر نشرة متابعة ويحذر متساكني هذه الولايات..    وزارة الأسرة تفتح باب الترشح لنيل جائزة أفضل بحث علمي نسائي بعنوان سنة 2026    وين تنجّم تشوف الثلج في تونس؟ هذه أبرز المناطق    للتوانسة : ردوا بالكم يقولولكم حاجة و تصدقوها اليوم    الألماني "أندرياس فاغنر" يكشف عن حقيقة عودته لتدريب فريق أكابر كرة السلة للنادي الإفريقي    عاجل/ في ظل اغلاق المجال الحوي العراقي: سفارة تونس في العراق توجه نداء للجالية..    شوف سوم الخضرة،الغلّة واللّحم اليوم    التقلبات الجوية: أهم الظواهر المسجلة خلال ال24 ساعة الماضية وكميات الأمطار    عاجل-حمدي حشّاد: قريباً ''التيار النفاث''...الصيف في أوروبا والبرد في المتوسط... شنّوة الحكاية؟    شهر أفريل: أهم المواعيد ..مالشهرية لنهار ''الفيشتة'' شوف وقتاش    تعادل سلبي بين تونس وكندا في اختبار ودي استعدادًا لمونديال 2026    مجموعات كأس العالم لكرة القدم 2026 بعد نهاية التصفيات    عاجل/ رئيس الدولة يسدي هذه التعليمات..    زيادة ب100 د : علاش الاساتذة متغشيين و أعلنوا الاضراب 7 أفريل ؟    ما تفوتهاش: عادة يومية بسيطة تحمي قلبك وصحتك    العراق يتأهل إلى كأس العالم 2026 بعد فوز مثير على بوليفيا    بلدية تونس : التشاور حول استغلال "نزل الفرنسيس " في مشروع دولي لصيانة التراث العمراني    علاش رزنامة امتحانات الابتدائي تُثير الجدل؟    عاجل-خبير يكشف: ما يحدث في تونس ليس اضطرابًا عابرًا بل هو منخفض ''إرمينيو''    تُقَدّمُهُ الفنانة كوثر بالحاج بمشاركة يسرى المناعي: "دار العز" يعيد عز فناني الزمن الجميل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحرية والعدل روح الحضارة وأصل الإبداع بقلم : عصام مساعد
نشر في الحوار نت يوم 31 - 12 - 2010

لما أراد الله سبحانه خلق آدم عليه السلام عرض الأمر على الملائكة في الملإ الأعلى و وجه إليهم خطاباً مباشراً قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .....البقرة). وتلقت الملائكة هذا الخبر باستغراب وتساؤل يثير الدهشة! و يوحي أنها لم تكن مسلوبة الإرادة كما قد يظن البعض، بل كان لديها مساحة من الحرية مكنتها من أن تجرؤ على طرح مثل هذا التساؤل والاستفسار وتجري حواراً مع الله!!! (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.....البقرة). والأعجب أن يلاقى هذا الاستفهام والتساؤل بالقبول والإيجاب (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ....البقرة)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلي سياق الأدلة والبراهين (وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنبُِٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ قَالُوا سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ. قَالَ يََٰٓٔادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون.....البقرة )، فهل كانت الملائكة في حاجة إلي البينة؟؟، أم هل كان الله سبحانه في حاجة إلي أن يسوق لها الدليل؟؟، (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) لكنها صفاته التي تخبرنا عن صنيعه، فأي عدل وإنصاف وأي تودد لخلقه وتواضع، ما أجهلنا بربنا.

وتتواصل دلالات الحرية والعدل في قصة الخلق، فقد شاء سبحانه أن يستخلف الإنسان لعمارة الأرض ويحمله أمانة معرفته وإتباع منهجه، وكان ذلك يستوجب مواصفات حسية ونفسية خاصة تفي للنهوض بواجبات هذا التكليف والتزامات هذا الاستخلاف قال تعالى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.....الملك). وبالرغم من أن هذه الخواص الحسية والشعورية الرفيعة تعتبر في ذاتها من النعم العظيمة التي تستوجب الشكر- كما أراد الله أن يشير في هذه الآيات- إلا أنها لا تميزنا عن باقي المخلوقات التي تشاركنا ذات الحواس، وبالتالي فهي لا تفي بحق القيام بواجب الأمانة والتزامات الاستخلاف. لذا جاء الخطاب في مناط التكليف لذاتالحواس مختلفاً، قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا......الإنسان) وهي إشارة للعقل والإدراك الذي هو مدار الابتلاء ومناط التكليف؛إذ البون شاسع بين من يسمع ويبصر والسميع البصير، وتأمل قول الله عز وجل:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.....الأعراف ). والمعنى، إذا عطل العقل عن إدراك حقائق الأشياء ( يعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ... الروم)فقد الإنسان خاصية الآدمية التي من أجلهاخلق، واشترك مع الحيوان في بقية الحواس فاستحق بذلك عقاب الله له.

والذي نريد أن نخلص إليه من هذا الطرح هو: هل العقل والإدراك كافٍ للقيام بواجب التكليف وأعباء الاستخلاف ؟؟؟ والإجابة: لا. لأن واجب التكليف قائم على إرادة الاختيار، ومجرد العقل والإدراك لا يفي بهذا الحق، والملائكة أبين دليل على ذلك. فالعقل والإدراك من صفاتها اللازمة لكنها لا تملك الإرادة في مسألة الاختيار فهي مجبولة على الطاعة وإرادة الخير وبالتالي لا يقع عليها التكليف. هي إذاً إرادة الاختيار. خاصية الإنسان الأولى التي ميزته عن سائر المخلوقات وخولته لحمل تكاليف الأمانة وأعباء الاستخلاف، قال تعالى: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.....الإنسان)أي سبيل الاختيار كما تبين الآيات التي تليها والله سبحانه وتعالى اعلم. ولكي لا نتيه في معرض هذا السياق بين المفاهيم المختلفة أقول: إن العقل والإرادة وجهان لعملة واحدة وكلاهما لا يعمل بمعزل عن الآخر فالإرادة بلا عقل لا معنى لها والعقل بلا إرادة لا يفي بواجب التكليف كما اشرنا سالفاً، فلا غنىً للإرادة عنعقل يوجهها ولا للعقل عن إرادة تدفعه.



ولتكتمل حلقة الحرية والعدل في قصة الخلق.. شاء سبحانه أن تكون إرادة العقل مطلقة، لا كوابح فيها لمساحات التفكير، فليس للعقل حدودٌ يقف عندها أو حواجز لا يمكنه تجاوزها؛ فللعقل أن يفكر متى شاء فيما شاء وكيفما شاءدون قيد أو شرط، ولا يلجم تيه العقول إلا العقول. وهذا من تمام العدل الذي يكافئ مقتضى التكليف، فلا يمكن لمسألة الاختيار أن تتم بمنتهى العدالة إلا إذا امتلك العقل مطلق الإرادة ( فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر....الكهف)، فأي حرية بعد هذا!.

ويتضح مما سبق أن الحرية ليست معنىً دخيلاً أو فكراً مستهجناً كما يحب أن يروج لها البعض بل يراها الإسلام فطرة أصيلة في صميم الإنسان ومكوناً أساسياً من مكوناته وحقاً طبيعياً ولد معه، تماماً كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه....الحديث) والمعنى والله أعلم: أن كل مولود يولد حراً وأبواه يكبلان أرادته ويُقيدان حريته بما لا يتواءم مع فطرته لأن الإسلام هو دين الفطرة كما هو معروف، لذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "يسلمانه"، ويؤكد هذا المعنى النصوص القرآنية قال تعالى: ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل الحرية هي إرادة الاختيار ؟؟ أو دعنانطرح السؤال بشكل آخر، هل الحرية بمعناها المجرد قيمة مطلقة؟؟. أقول: للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرك أولاً العلاقة بين مفهوم الإرادة المطلقة وحدود التصرف في هذه الإرادة. الأصل أن حرية الإنسان في مسألة الاختيار غير مقيدة ( فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر) فهو حر بهذا المعنى حرية مطلقة. لكن بمجرد أن يختار فهذا يعني أنه وقّع عقداً بمطلق اختياره لتفويض الجهة المختارة بالتصرف في إرادته وفق نظم وقوانين ومنهج تلك الجهة، التي إما أن تكبل هذه الإرادة وتحبسها عن أداء ما أنيط بها من تكاليف أو تصقلها وتحافظ عليها وتوجهها للدور الذي من أجله منحت. و الغريب أن الإنسان لا يملك الإحجام عن مسألة الاختيار ولا يستطيع عنها فكاكاً فهو مدفوع لها دفعاً ولا مجال له إلا أن يختار بين أمرين أثنين لا ثالث لهما إما الحق أو الباطل ( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.....الإنسان)، وليس هناك مجال ثالث للاختيار، حتى لو اختار أن لا يختار فهو في حقيقة أمره قد اختار. لذلك من يدعي الحرية في غير منهج الله فقد كذب لأن عملية الاختيار قدرية. حتى دعاة الليبرالية الذين انتفضوا على كل ما اعتبروه قيوداً وعلى رأسها الدين وظنوا أنهم تحرروا من كل الأغلال، هم في الحقيقة عبيد الحرية وأسراها. وخطؤهم الكبير في ذلك أنهم اعتبروها قيمة مطلقة اشتقت منها كل القيم وهي ليست كذلك، فهم قد وقعوا عقداً مع الحرية واعتبروها السلطة العليا ومصدر التشريع وأعطوها تفويضاً كاملاً للتصرف في عقولهم وهم اليوم يحصدون نتائج هذا المعتقد الخاطئ ويدفعون ثمناً باهظاً لأجل ذلك وخاصة على الصعيد الأخلاقي والإنساني والأمثلة أكثر من أن تحصى. لذلك من يختار الإسلامفقد أبرم عقداً مع الله وفوض رب العالمين للتصرف في إرادته من خلال الالتزام بتعاليم منهجه وهو بذلك قد اختار أن يعيش حراً، فلا حرية بلا إسلام ولا إسلام بلا عدالة. وتأمل هذه الآيات المعجزات، ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.. البقرة).



والحرية في الإسلام ليست فلسفة (أفعل ما بدا لك) فهي مسؤولية وتكاليف قبل أن تكون حقوقاً. فالفرد في الإسلام هو جزء من المجتمع الذي يعيش فيه له حقوق وعليه واجبات يجب عليه أن يؤديها؛ فالغني مستأمن في مال الله الذي عنده وللفقير حق في هذا المال، والمال في النهاية هو مال الله ، والأقارب لهم حق الزيارة و المواساة وحق الإنفاق إن كانوا فقراء ، وللجار حق كاد أن يصل إلي الميراث، وللوالدين حق الطاعة والإنفاق والإيواء...إلي آخر هذه المسائل التي ليس للفرد المسلم الخيار فيها بل هي واجبات تعاقد مع الله عليها مقابل سعادته في الدنيا والآخرة. وبهذا المعنى تصبح الحرية قيمة مقيدة بإتباع تعاليم المنهج الرباني الذي يسعى حثيثاً إلي تحرير الذات من كل أعداء الحرية من خلال مجاهدة النفس وتزكيتها من علائق الأهواء حتى تعود للإنسان فطرته الأولي ويرى الحق كما أراده الله؛ قال صلى الله عليه وسلم:(لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).

يقودناالسياق للحديث عن خصوم الحرية وأعداء العدل عن تلك الفئة في المجتمع الإنساني، التي تريد أن تفرض وصاية على العقل بمنطق الإكراه (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، وتكبح جماحالفكر بلجام الجهل تحت مسمى الدين و إيديولوجيات المذهب السياسي والمعتقد الفكري ومصوغات العرف والعادة والتقليد . تلك الفئة التي عجزت أن تفهم رسالة الله إليها ورهنت إرادتها لمصالحها وأهوائها واختارت أن تتخطى حاجز الحقيقة تحت جنح الظلام، فأبت إلا العبودية والقيد، متناسية أن الله سبحانه لم يفرض هذه الوصاية على عقول الخلق ولو شاء لفعل( لَايُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.....الأنبياء) ، ولم يشأ سبحانه أن يكبل إراداتهم بل خلقهم أحراراً ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )، أفيصعب علينا نحن أن نتعايش بهذا المفهوم؟؟؟.

لكنه منطق الظلم ونهج الاستبداد الذي نشأ في واقع الجهل وصنع عقلية العبيد، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ......النحل)

. صدق ربي العظيم. أكثرهم لا يعلمون أن الحضارات لا يصنعها العبيد، فلا يلوي عنق التاريخ إلا أحرار الرجال، إذ كيف يمكن لمن حجب عن حقيقة ذاته خلف أسوار إرادته الحبيسة أن يكون مبدعاً ؟. كيف يمكن لمن أضاع إنسانيته وفقد آدميته تحت تراكمات الجهل والظلم والتخلف أن يحق حقاً أو يبطل باطلاً.لا يصنع الحياة أشباه الناس وأنصاف البشر وأسرى الأهواء، ولن يجد الحلول من رهن عقله لإرادة غيره واتبع هواه، لن يقام العدل وتكون نهضة حتى تعود للإنسان فطرته ويدرك حقيقة ذاته وجوهر إنسانيته، ولن يكون ذلك حتى يخرج مارد الإرادة الحبيس من أغلال القيد ويعود العقل يحلق في أجواء الفطرة حراً طليقاً كما خلقه الله. ولن يحدث ذلك إلا في أجواء من الحرية والعدل، ولن يتحقق العدل والحرية إلا في ظل الإسلام فلا حرية بلا إسلام ولا إسلام بلا عدالة.

لكن عدالة الإسلام غابت مع قيمه الأصيلة ومعانيه العظيمة تحت ركام هائل من الجهل والتخلف، واخْتزل الإسلام الرحب في مفاهيم وتصورات ضيقة يعوزها الوعي وتفتقر إلي الأخلاقوحوصر في لباس ومظهر وتحول إلي مجرد شعائروطقوس لا روح فيها، وانتهى إلي زاوية ضيقة لاتسع أفراد الحي الواحد فضلاً عن البشرية جمعاء (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ......الأنبياء) وعاد الإسلام غريباً كما بدأ.

إن غياب قيم الإسلام ومعانيه الأصيلة عن الساحة الإنسانية عامةً والإسلامية خاصةً يجسده اليوم واقع مرير ويرسم أبرز معالمه طغيان سياسي وظلم اجتماعي وفوضى أخلاقية، وشلل وإرباك في شتى مناحي الحياة. لن تستفيق هذه الأمة من غفلتها وتستعيد دورها الحضاري في قيادة البشرية حتى تعود للإسلام في معانيه الأصيلة ويفهم الناس أن الإسلام قيم وأخلاق ومعانٍ إنسانية قبل أن يكون شعائر وعبادات وخلافات مذهبية، وقد قال رسول الإسلام: (إنأقربكممني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً). لكننا لا نجد من دعاة الإسلام اليوم إلا في ما ندر من يذكر بقيم الإسلام الغائبة بنفس الحماس والعمق الذي يدعو به في قضايا قد تأتي متأخرة جداً في سلم الأولويات، بالرغم من أن قيمةً مثل العدل والحرية هي من أوجب واجبات هذا الدين وأبرز مقاصده، بل إنها على رأس هرم القيم في النظام الإسلامي قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.....الحديد). وعلى دعاة الإصلاح اليوم ألا يستنزفوا جهودهم في البحث عن حلول في الشرق والغرب وينشغلوا بالفروع عن الأصول وبالواجب عن الفرض. فبالعدل والحرية تنهض الأمم وتبنى الحضارات.

عصام مساعد – سويسرا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.