لم يكد الشارع التونسي يستفيق من هول الصدمة التي أحدثتها استفاقة إرادته حتى تتالت عليه الضربات الموجعة محاولة إدخاله في حالة غيبوبة تامّة لا يستفيق منها إلاّ في قبره. رصاص ودماء ورئيس مخلوع...أحداث حاول بعدها المواطن التونسي أن يتأقلم مع ضروريات المرحلة الجديدة التي تحتّم عليه نجاح الثورة ووضعت عليه عبء أن يكون قدوة لبقية الشعوب العربيّة التي أبت إلاّ أن تتحرّر من سنوات الظلم والإستبداد. لكن المؤامرة التي كانت تحاك ضدّه كانت أكبر من أن تجعله يمضي للأمام رافعا شعراته بكل إعتزاز بعد أن كان عضوا في حزب الصمت لثلاثة وعشرين عاما.
لكن أبى أصحاب البطون المنتفخة والممتلئة من خزينة الدولة بعد أن أفرغوا جيوب الشعب التونسي أن يعيدوا لنا ولو وطنا مرهونا للبنك الدولي فترنّحوا على الكراسي بكل وقاحة ودناءة مما جعلني أتساءل: ألم يعرف هؤلاء في يوم من الأيام معنى الحياء؟ لم يحرّك أحدهم ساكنا ولو باستقالة تشفي غليلي بل وكانوا على قائمة الحكومة الإنتقالية الأولى. فبعد الجلوس على طاولات الصفقات المشبوهة جلسوا حول طاولة السلطة المشبوهة مساومين على آخر أشلاء الوطن الذي تناوب على حكمه علي بابا والأربعون حرامي.
لم يكن الغنوشي في يوم من الأيام رجل المراحل الحاسمة ولن يكون. لذلك أتى تشكيله للحكومة الإنتقالية الأولى عقيمة كما كانت الحال بالنسبة لمواقفه في فترة حكم بن علي، فلم ينبس ببنت شفة. وظلّ ساكتا على خيره وشرّه.
لذلك هام على وجهه لأكثر من شهر ونصف دون أن يتمكّن من أخذ قرارات حاسمة تتماشى مع المرحلة الحرجة والإنتقالية التي تعيشها تونس لا لشيء إلاّ لأنّه يتمتّع بما يكفيه من العقم في الأفكار والآراء والمواقف ما يجعل منه عاجزا عن أن يكون رجل المرحلة الحاسمة والمواقف الكبيرة.
وهو ما يوصلني إلى تساؤل كبير: ما الذي دفع بألفي شخص للوقوف على أعتاب بيت الغنوشي متذرّعين له للبقاء في السلطة على إثر إستقالته والتي أعلن فيها بكل وضوح أنه ليس قادرا على تحمّل مسؤولية فترة حاسمة كالتي تعيشها تونس؟ ما هي المواقف العظيمة التي شفعت له حتّى يبكيه ألفي تونسي؟ ألم يفكّروا ولو للحظة في الدافع الذي يقف وراء تذرّعهم؟
قالو: نحن نطالبه بالبقاء أو نتذرّع إليه لأنّه كان نزيها...
ألم يتساءلوا ماذا كان يفعل عندما كان بن علي يطبق على أربعين بالمئة من الناتج المحلي لتونس؟ ألا يعتبر شاهدا على مذبحة تونس الإقتصاديّة؟ اليس رمزا من رموز العهد البائد؟
لما نتشبّث بالرموز إلى هذا الحدّ المرضيّ؟ أم أنّها أمور طبيعيّة كالألفة التي تنشأ بين السجين والسجّان أو القاتل والضحيّة؟ تونس اليوم لا تحتاج إلى هذا النوع من الرجال، لا تحتاج إلى واجهة يواصلون من خلفها حكم الوطن ونهبه. تونس تريد من يأتي لفتح الملفات الملغومة بالحقائق، تريد من يبحث عن الحقيقة ليهديها للوطن قبل إنتخاباتها القادمة، لا حرقها وتدميرها.