عبد الكريم الهاروني: محمد عبو يمارس في الإبتزاز معنا…ولسنا بصدد «توزيع» الوزارات    قيس سعيّد: سنعمل على تشكيل الحكومة وفق الدستور    سالم لبيض: لنا كل الثقة في المحكمة الإدارية لاسترجاع مقعدنا في بن عروس    قيس سعيّد عند التصريح بمكاسبه: النصوص القانونية لن تكون ملاذا للصوص    إشادة جزائرية بنجاح الوحدة المختصة للحرس في القضاء على زعيم كتيبة عقبة...والقضاء على عناصر فرت من جبال القصرين    اللبنانيُون يردّون على "إصلاحات الحريري" …    الهيئة المديرة للنجم الرياضي الساحلي ترفض استقالة رضا شرف الدين    أصالة تحسم الجدل حول طلاقها من طارق العريان    التوقعات الجوية لبقية اليوم وهذه الليلة    بسبب دعوة نقابة أمنية لعدم تأمينها.. هل تؤجّل قمة الجولة الخامسة؟    أكثر من ألف مشارك في ملتقى الوقاية من أمراض القلب بالعاصمة    سبيطلة: شاحنة تزهق روح أستاذ    سليانة: وفاة امرأة وإصابة مرافقها في حادث مرور    مدير عام الشركة التعاونية المركزية للقمح: عدم توفر الأسمدة الفسفاطية تزامنا مع انطلاق موسم البذر    فحوى لقاء نبيل بفون بمحمد الناصر    جلمة: العثور على جثة امرأة معلقة بعمود كهربائي    قربة: منحرف يختطف فتاة ويستغلها كدرع له في مواجهته مع اعوان الامن..    الدور التمهيدي الأول للكأس لرابطة الهواة المستوى 2.الكرم وأكودة و حزق وحاجب العيون وعقارب والمظيلة تعود بالترشح من خارج الديار    وزير الصناعة: العجز الطاقي لتونس بلغ 52 بالمائة خلال سنة 2018    تونس والبنك الاوروبي للاستثمار يوقعان اتفاقية لتمويل إحياء المراكز العمرانية القديمة    كرة قدم: تعيينات حكام الجولة 5 للمحترفة الاولى    القديدي يكتب لكم : لماذا يستهدفون تركيا؟    مفاجاة سارة لجماهير الافريقي من "الفيفا"..وصابر خليفة يقود "حالة وعي" داخل النادي    الترجي والافريقي والنجم في قائمة افضل أندية العالم وترتيب صادم مقارنة بفريق باب الجديد    نانسي عجرم توجه رسالة لدعم لبنان عبر "فيس بوك"    حركة الشعب تحسم موقفها بخصوص المشاركة في الحكومة    الكاف.. استقالة جماعية لاطباء القسم الاستعجالي بالمستشفى الجهوي    أردوغان يستقبل الغنوشي    سوسة: إلقاء القبض على شخص صادر في شأنه 11 منشور تفتيش    النادي الصفاقسي الثامن إفريقيا من حيث القيمة التسويقية للاعبيه    هل يقاطع التّونسيّون مادّة الزقوقو بسبب أسعارها المشطّة؟    إلقاء مواد حارقة على مسجد في مدينة دورتموند الألمانية    استعدادا لمونديال قطر 2022.. تشغيل مكيفات في عدد من الشوارع والأسواق    السوق الجديد: وقفة احتجاجية امام المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية    النّادي الصفاقسي : 4 لاعبين يتخلّفون أمام النادي البنزرتي والمرزوقي يعود    قائمة الفائزين بجوائز الملتقى الدولي لفيلم مكافحة الفساد    رصد إعتداءات خطيرة على البرج الأثري بالحمامات    الفنانون في طليعة المتظاهرين في لبنان: مارسيل خليفة يشعل الثورة في طرابلس بأناشيده الوطنية    قانون المالية: الحكومة تقترح تمديد التخفيض في الضريبة على الشركات المدرجة بالبورصة    شركة النقل للسيارات تسجّل فائضا في خزينتها    القصرين : حجزملابس مهربة قيمتها تزيد عن 222 الف دينار    الرئيس اللبناني: يجب رفع سرية الحسابات المصرفية لكل الوزراء    غدا ..توقيع اتفاق لتنفيذ مشروع التبادل الطاقي التونسي الأوروبي    أكتوبر شهر الغضب: الاحتجاجات تهز 11 دولة ب3 قارات    بالصور: منال عبد القوي تتجاوز محنة المرض وتعقد قرانها    طرائف المظاهرات في لبنان: دبكة ومشاوي وحمام سباحة    مشاركة 26 مجموعة في الملتقى الوطني للكورال بالمدارس الابتدائية    دردشة يكتبها الأستاذ الطاهر بوسمة من باريس : إنهم يحاولون تبخيس الثورة    القيروان:صابة استثنائية للزيتون تقدر ب 170 ألف طن    توقعات الابراج ليوم الاثنين 21 اكتوبر 2019    السلطات الأمنية تنفي خبر اغتصاب سائحة أمريكية بدوز    بسن 34 عاما: اكتشف «السر الكامل» وراء اللياقة البدنية الخارقة لرونالدو    دور الغذاء الصحي في توازن الجسم    كلام × كلام...في الوعي السياسي    5 خرافات شائعة عن الشاي.. لا تصدقها    سؤال جواب ...ابني متعلّق بي، ابني لا يتركني    علاج مرض القولون بالأعشاب    حظك ليوم السبت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أي شفاء يحمله القرآن الكريم إلى الإنسان؟
نشر في الحوار نت يوم 22 - 08 - 2011


موعظة الحوار
بمناسبة ذكرى نزول القانون الأساسي لحياة الإنسان فوق الأرض.

هي مناسبة ليلة القدر التي شهدت نزول بدايات الذكر الحكيم. ليلة القدر التي ما شرفت ليكون العمل فيها مضاعفا بصورة خيالية لا تخطر على بال إمرئ حتى ليصل ذلك الشرف قدر ألف شهر أي ما يزيد عن ثمانين عاما كاملة .. ما شرفت تلك الليلة إلا بشرف إحتضانها لنزول الشفاء الجامع الذي حبا به سبحانه عباده. بل إن رمضان يستمد مشروعيته من الكتاب العزيز الذي نزل فيه ولذلك لم يصنف حراما لأنه فوق الحرمة بمثل ما رفع سبحانه عبده محمدا عليه الصلاة والسلام إلى درجة لم ينلها حتى جبريل في سدرة المنتهى بله إخوانه من الأنبياء الذين صلى بهم إماما قبل ذلك بقليل وعددهم يناهز أربعة وعشرين ألفا ومائة بمثل ما أخبر عن ذلك عليه الصلاة والسلام. تلك صورة من صورة التفاضل وأعلى الفضل الذي لا يقف شيء إلا تحت سقفه هو : فضل الزمان وأفضل الزمان رمضان وأفضله العشر الأواخر وأفضلها ليلة القدر وأفضل ليلة القدر سحرها الغالي. وفضل المكان وأفضل المكان المسجد الحرام بمكة المكرمة. وفضل الإنسان وأفضل إنسان محمد عليه الصلاة والسلام. وفضل الكلام وأفضل الكلام القرآن الكريم وأفضله آية الكرسي التي تنحت الإيمان الصحيح.وفضل العمل وأفضل العمل الإيمان وما يثمره من أفضل عمل من مثل الصلاة وبر الوالدين والجهاد في سبيله سبحانه بمثل ما أخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

هي مناسبة تثير الحديث عن الكتاب الذي جاء ليكون قانونا أساسيا ينظم حياة الإنسان فوق الأرض. هو قانون أساسي مفصل ومجمل من جهة ومحكم ومتشابه من جهة أخرى في الآن نفسه.

قرآن ميسر للذكر فهل من مدكر.

سبق أن بينت أمرين : أولهما أن تكرار هذه الآية ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) مرات متتالية في سورة قصيرة من مثل سورة القمر هو أمر مثير وليست إثارته سوى الدعوة الحرى إلى الذكر وإلا غدا التكرار مملا. ثانيهما هو أن الذكر المقصود هنا ليس هو التلاوة ولا ما يليها من مثل الحفظ والكتابة ولا حتى الدعوة إليه. الذكر المقصود هنا هو التلاوة التي يكون القصد منها إلتقاط العبرة وتحصيل الدرس وإستعادة الذاكرة التي قد يسلبها منك الإلف والعادة والغفلة والركون إلى التفاصيل والجزئيات والصغائر والذيول. فهل من مدكر معناها : فهل من متذكر. ولكن خففت الكلمة بحذف ما حذف تسهيلا للنطق. التلاوة ليست سوى قنطرة ووسيلة لبلوغ مقاصد الإعتبار ودقة الفقه وتصحيح الفهم والنهل من دروس التاريخ التي إمتلأ بها الكتاب العزيز بمثل ما لم يمتلئ بغيرها إطلاقا. أما تيسير القرآن للذكر فليس معناه سوى إخراجه باللغة العربية المبينة الميسرة السهلة التي تغدق على كل قارئ بمرادها دون عسر ولا حاجة إلى فقيه أو شيخ أو إمام. تلك هي الصورة الأصلية التي كان عليها العرب ومنهم المشركون الذين إستوعبوا رسالة القرآن وحقيقة دعوة محمد عليه الصلاة والسلام. لكن الصورة اليوم مختلفة تماما والسبب الوحيد الذي لا يرضيك كبرا وعنادا هو : أنك لم تعد عربيا إن كنت عربيا. إنعجم لسانك ولم تعد صلتك بعربية اللسان سوى صلة الأعجمي بها. ألم يثبت في أحد عشر موضعا أنه قرآن عربي ومبين؟ عندما ينعجم لسانك بل قد يتهود عقلك أو يتنصر أو يتمجس بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام في حديث عن تربية الأبناء تصبح في حاجة ماسة إلى الشيخ والإمام والفقيه. عندها ترتدي أسمال التقليد بإمتياز وأكرم بها من أسمال لا تقيك حرا ولا قرا ولا صرا. عندها تكون عبدا للفقيه من حيث تظن أنك حر. ألا ما أصدق الإمام البنا عليه رحمة الله سبحانه عندما سأله رجل عن أحسن تفسير فأجابه دون تردد : هو تفسيرك أنت. ظن السائل أن الرجل يسخر منه. فقال له : أجل. هو تفسيرك أنت أي ما إلتقطه عقلك مما تلوته في الكتاب العزيز إلا أن تكون كلمة إلتبست عليك دلالتها فلا بأس عليك من الرجوع إلى معجم. قال له : إرجع إلى المعجم. من رجع فينا إلى المعجم؟ أليس يرجع كلنا إلى معجم آخر. معجم آخر كثيرا ما يسعفك بغير ما أسعفك به معجم آخر. وتظل كرة طائشة بين المعاجم. وتمر أيامك مر السحاب وما كلفت نفسك يوما الإعتماد على نفسك في حسن فقه الرسالة الطويلة التي وصلتك من خالقك وصانعك ورازقك ومالكك أي : معبودك.

هل إنفعل فؤادك بالأسلوب القرآني يوما.

ليس هناك سؤال أخطر من ذاك السؤال. أجل. هل إنفعل فؤادك بالأسلوب القرآني يوما؟ إذا طرحت ذاك السؤال على نفسك فقد ظفرت بنصف الإجابة وقديما قيل : حسن السؤال نصف العلم أو نصف الجواب.حتى ينفعل فؤادك بالقرآن الكريم لا مناص لك كما أنف من أن تعرب لسانك لأن عربية اللسان كما قال الإمام الشاطبي بحق مقصد من مقاصد الإسلام وغاية سامية مقدمة من غايات القرآن الكريم. أما تمترسك وراء عروبة ليس لك منها حتى اللسان فهو تمترس وراء بيت من بيوت العنكبوت. ألا يبزك أعجمي يعلمك ما جهلت من كتابك ودينك؟ إذا كنت ممن لا يبزه ذاك إلى حد الوضاعة والحقارة فكبر على نفسك أربعا بل عشرا. هو موقف لا أملك معه إلا الغضب الشديد : موقف عربي يسألني عن شيء في الدين ثم يقول لي : سألت غيرك ويسمي لي أحدا من غير العرب فأجابني بغير ما أجبتني. لو وضعت علي في تلك اللحظة جبال الآلب بطولها وعرضها ما ألفيتني إلا ثائرا في وجه السائل. أي مضيع للنعمة أنت؟ أي نعمة أغدق عليك من نعمة اللسان العربي السليق. نعمة تباشر بها فقه قانونك الأساسي دون حاجة إلى قائد. نعمة لو بسطت أمام مسلمين جددا من ألمانيا وغيرها لطاروا فما حطوا حتى أحلوا بالثريا لفرط الفرحة والبهجة. أنسيت أن القانون الأساسي نزل عليك أنت بلسانك ليحملك مسؤولية إبلاغه إلى الناس كافة؟ ألا تستحي أن تهمل لسانك وتتخلى عن أشرف مسؤولية فوق الأرض ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ..) ثم لتلفى نفسك لفرط جهلك بين يدي إمام غير عربي أو فقيه أو شيخ!!! لا. لا تسل نفسك كذبا بالبخاري ومسلم وأبي حنيفة وصلاح الدين؟ لم؟ لأن أولئك تعربوا. أنا أكلم رجلا عربيا لم يتعرب. بل عربيا إنعجم لسانه عجمة ركيكة بليدة فلا هو صان لسانه وزكاه بلغة الضاد ليفقه عن ربه ولا هو تغرب بالكلية ليرطن رطنا. لم أعثر في حياتي على أشقى من رجل وقف في منتصف طريق العلم وهم اليوم كثر : فلا هو إستسلم لقدر الأمية ولكن يقينه أنقى من اليقين الصافي ولكنه لا يعلم غيره القرآن الكريم ولا هو قطع الشوط كاملا لينال الجائزة. لا. بل تعثر في منتصف الطريق وسقط فلا هو أمي ولا هو طالب عالم متمكن من منهاجه الصحيح. أولئك هم شر العلماء وشر المعلمين إذا إنبروا يعلمون الناس. ومثلهم من وقف في منتصف طريق اللغة العربية : لا يحسن منها سوى اللكنة العربية التي لا تخفى أو اللهجة العامية. فلا هو متغرب بالكلية ولا هو متعرب بالكلية.

ذاك هو الشرط الأول لإنفعال فؤادك إنفعالا يشدك إلى إلتقاط المعنى المراد. الشرط الثاني هو شرط الوله. أجل. لا يكفي الحب ولا حتى الود أو الغرام والهيام. لا يكفي ذلك زادا للطريق يبلغك مرادك. لا بد من أن تعيش حالة الوله بالقرآن الكريم لتكون ولهان. وخذ إليك هذه ولا تذكرني عند ربك : القرآن فرقان من الشفاء الذي لا يغادر سقما ولكنه طبيب متأنق مدلل لا يغدق شفاءه إلا على ولهان هام به هياما. ألا تكون صريحا مع نفسك : حاسب نفسك لتزن صلتك بالقرآن الكريم وهي التي تخبرك من بعد ذلك عن حظك منه. القرآن شفاء يصل واصله بقدر وصله إياه ولكنه حبل واه جدا ينقطع بصاحبه الذي يقطع صلته به حتى قبل أن يهم بذلك.القرآن الكريم ضيف عزيز كريم مبجل موقر لا يرضى إلا بخدمات عالية جدا وإلا فهو إلى باب عتبك بيتك أدنى. ولكنه يعود إليك كلما طلبته. لا يجد عليك في نفسه شيء : إذا جفوته فجرا عاد إليك في الضحى مهرولا إذا طلبته. له قاعدة لا يختلف عنها : لا يعطيك إلا بقدر ما تعطيه. قاعدة يعرفها الفلاح الذي يدرك أن أرضه لا تعطيه إلا بقدر ما يعطيها. ألا تكون فلاحا مع قانونك الأساسي إّذا. أجل. كن فلاحا لتجني فلاحا.

بقي سؤال ثالث كبير وخطير عن قضية الإنفعال. كيف أنفعل ومتى؟ حتى تنفعل لا مناص لك من تتبع خارطة طريق القرآن الكريم. وكيف ذاك؟ ألا ترى أن القرآن الكريم لا تكاد تفتح منه صفحة أي صفحة تفتحها بصورة عشوائية حتى يحيلك هو بنفسه إلى الكون؟ لا يحبسك عنده ليحدثك عن نفسه ولا حتى عن ربه أو نبيه. لا. يحيلك مباشرة في الأعم الأغلب وبسرعة كبيرة جدا إلى الكون. ذلك هو معنى خارطة طريق القرآن الكريم. رسالته إليك هي : إذا أردت فهمي فما عليك إلا إتباع خارطة طريقي وخارطة طريقي هي تدبر الكون من حولك بمثل ما أدلك على ذلك : „ أفرأيتم ما تمنون ..“ أو “ أفرأيتم ما تحرثون ..“ أو “ أفرأيتم الماء الذي تشربون ..“ أو “ أفرأيتم النار التي تورون ..“.. وغير ذلك مما هو عصب أسلوبه الأعظم. أما إذا واصلت التلاوة وفكرك شارد عن التدبر فيما أحالك عليه من خارطة طريق كونية .. عندها لن ترجع منه بخف واحد من خفي حنين. لا يسمح المجال هنا لذكر أهم محطات خارطة الطريق القرآنية ولكن هاكها بسرعة وإقتضاب : الكون أولا ثم التاريخ ثانيا ثم المثل ثالثا ثم أحوال النفس رابعا ثم أحوال الدنيا والآخرة خامسا. كلما ذكر لك من ذلك شيء دع شفتيك تواصل القراءة ولكن إرحل بذاكرتك وعقلك وفؤادك إلى ما أحلت عليه.

لا أقول لك متى يكون ذلك. بسبب أن القرآن الكريم كله كذلك. ليس فيها موضع شبر واحد إلا وفيه الوسائل الإحالية قوية الإستفزاز إلى حد الصعق أحيانا. ألا تجده كله من هذا القبيل : ألم تر.. ألم تروا .. ومن آياته .. هل ينظرون .. أفرأيت .. أفرأيتم .. فبأي .. وغير ذلك مما إمتلأ به إمتلاء لم يمتلئ بمثله أبدا قط. في كل مرة تجد ذلك فاعلم أنه يطلب منك التحول إلى موضع آخر من حولك لتجني العبرة المقصودة من التلاوة. فإن لبيت دعوته جنيت الدرر واللآلي من أحشائه غالية نفيسة وإن أبيت فاعلم أنك فريسة للغفلة وكل غافل معذور إلا غافلا يتلو مثل هذا وفؤاده على الكتاب والكتاب يطرد فؤاده إلى حقل من حقول خارطة الطريق.. كل غافل معذور إلا غافلا وهو يتلو أطول آيات إعتبار وإحالة في سورة الروم : „ ومن آياته ..“ ست مرات متتالية. والسابعة من بعد ذلك بقليل. جرب نفسك فإذا غفلت هناك فأنت غافل لا دواء لغفلتك إلا بصعقة كهربائية حادة عال ضغطها.

شفاء يحمل إليك الأمل في تصرم حبال القهر وسقوط الدكتاتوريات.

لكم يخطئ أكثر الناس اليوم عندما يقصرون الشفاء القرآني على الأبدان. أول وأكبر حجة داحضة لذلك الخرص الخاطئ هو دليل القرآن نفسه. قبل ذلك يجب عليك أن تعرف أن القرآن مبني على أساس أنه مجمل هنا ومبين هناك و عام هنا وخاص هناك ومطلق هنا ومقيد هناك وغير ذلك مما يعرفه طلبة العلم. ثم عليك أن تلتقط كل كلمة منه لتعرف بالأيام مواضعها منه. لم ذلك؟ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا. هل تعلم لم يلجأ الناس إلى غيرهم؟ لأنهم لا يصبرون على تلاوة القرآن تلاوة تدبر وفهم. لو صبروا على ذلك ولقد جربت ذلك بنفسي ورب الكعبة إنطلاقا من أغلى قاعدة في العلم جنيتها وهي أن القرآن يفسر بعضه بعضا لأدركوا ما إستغلق عليهم من فقه معنى أو فهم كلمة. لي أمثلة على ذلك كثيرة ولكن المجال ضيق. خذ إليك مثلا كلمة وسيلة. هي لغة : السبب والطريق وغير ذلك. ولكنها في القرآن الكريم هي كذلك لغة أما شرعا فهي : الدعاء. وما هو الدليل؟ الدليل هو الجمع بين آيتي المائدة والكهف. في الأولى :“ وإبتغوا إليه الوسيلة “. ولكن ما هي الوسيلة التي إذا إبتغيت تفضي إليه سبحانه؟ الجواب في سورة الكهف وفي قوله : „ أولئك الذين يدعون يبتغون إليه الوسيلة ..“. وعلى ذلك المنهاج في الفقه قس كل شيء.أجل. كل شيء دون أدنى مبالغة. لنأخذ كلمة الشفاء. ذكرها في موضع مطلقة : „ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين “ ثم ذكرها في موضع آخر بصيغة أخرى يسميها علماء الأصول : صيغة تفصيل أو صورة بيان وذلك عندما قال :“ شفاء لما في الصدور”. ما هو الحاصل؟ الحاصل هو أن القرآن شفاء لما في الصدور. ولكن هل ينفي ذلك أن يكون شفاء للأجسام؟ لا. وما هو الدليل؟ الدليل هو السنة. ولم؟ لأن السنة تتلو القرآن مباشرة وبالضرورة لشرح الإسلام. من مثل ذلك شفاء اللديغ بالفاتحة. المقصود هنا شفاء الأبدان من أمراض بدنية. أما شفاء النفوس من أمراض نفسية فذلك أمر يكاد القرآن الكريم يتمحض فيه حتى ليكون مختصا فيه بلا منازع. أي كأنه لم ينزل لغير ذلك. ليس مرادي هنا التحقيق ولكن مرادي هو أمر واحد لا ثاني له هنا : القرآن صيدلية كبيرة واسعة غنية ثرية خصبة ولكن الأدوية فيها مرتبة ترتيبا يخالف ترتيب الأدوية في صيدلياتنا ويختلف كذلك عن ترتيب الكتب في مكتباتنا. هو ترتيب عجيب غريب لم يقف له الإنسان على نظير. والحاصل من ذلك بالنسبة لنا هو أنه لكي نظفر بالدواء المطلوب من تلك الصيدلية التي ليس صيدلانيها سواك أنت يا حضرة المريض وكلنا مرضى نبتهل إليه أن يسعفنا ببلسم من عنده ليس لنا سوى أن نحيط بأجزاء تلك الصيدلية الواسعة الكبيرة الضخمة الغنية الخصبة الثرية كلها وبمختلف قاعاتها ومحلاتها إذ دون ذلك لا نعثر على الدواء الشافي والبلسم الكافي وإذا أصابنا الأعياء أو الملل فإنا سنظفر بدواء غير كاف لأن له محلقا آخر في جزء آخر. أليس مثال كلمتي الوسيلة والشفاء آنفا خير دليل على ذلك؟ أجل. في تقديري. أي أن الكسالى والخاملين لا يظفرون بالدواء ثم يهرعون إلى الفقهاء والمشايخ والأئمة ومن ليس منهم يستفتونهم وربما علم هؤلاء شيئا وربما جهلوه.
أعيد عليك النداء الذي يوجعك قطعا وإيجاعك مراد من مراداتي لعلك تنهض قائما : ندائي إليك هو : أليس لسانك عربيا؟ ألست عاقلا وقانونك الأساسي يشيد بالعقل زهاء مائة مرة كاملة؟ أليس ذلك الكتاب رسالة طويلة إليك أنت؟ أليس حسن الإيمان بها وحسن فقهها وحسن العمل بها وحسن الدعوة إليها كفيل بصنع مستقبلك وتشييد تقاعدك بأرضى ما تحب؟ إذا كان ذلك كذلك فلم لا تقوم لطلب العلم من كتاب ميسر للذكر ليس دونك ودون ذخائره سوى سهر ساعة من ليل أو سمر أخرى من نهار؟

هل تدبرت القرآن؟

سل نفسك بادئ ذي بدء : ما معنى تدبر؟ إرجع إلى القواميس لتعلم أن التدبر مصدر من فعل مزيد مجرده دبر. فما معنى دبر إذن؟ دبر معناها : أتى إلى الشيء المراد من دبره أي من خلفه. ولكن ما معنى ذلك؟ معنى ذلك هو الإتيان إلى الشيء من خلفه كناية على حسن حذق معانيه لئلا يكون المرء سطحيا قشريا يعلم ظاهرا من الحياة الدنيا. هي كناية لغوية ولا تنس أن قانونك الأساسي لا يعلم ولا يفقه بغير فقه لحمته التي شيد نفسه عليها وسداه الذي سلق به أقتابه. تدبر القرآن الذي دعينا مرتين في الكتاب معناه إذن : عدم الإقتصار على الحروف والسطور والباب الرئيس بل نضم إلى ذلك الإختلاف إليه من الأدبار والخوالف ومن كل جهة لنعلم منه أكثر ما يمكن لنا أن نعلمه منه. دع ترجمانه يفسر لك معنى التدبر فهو به أولى وهو حبر الأمة كلها قاطبة. دع خير فقيه للكتاب فوق الأرض بعد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام جميعا... دعه يفسر لك معنى التدبر. يقول حبر الأمة وترجمان القرآن : ثوروا القرآن. أعلم أن أكثر العلماء اليوم والمشايخ والأئمة والمحسوبين بحق أو بغير حق على السلك الديني لا يرحبون بحبر الأمة في هذه بالذات. لا يرحبون به فيها لأن الثورة عند أكثرهم والقرآن خطان متوازيان لا يلتقيان. إتبع تثوير حبر الأمة وترجمان القرآن إبن عباس عليه الرضوان. ثور القرآن معه لتظفر بلآليه وذخائره ونفائسه وعجائبه التي لا تنقضي. ثوره معناها دعه يثور عليك. ثوره معناه دعه يثور على واقعك من حولك. ثوره معناها إفعل به ما يفعل الفلاح في بيدره إذ لا طول له على محصوله الزراعي إلا بعد تثوير البيدر ببعض الآلات الفلاحية التي تنبش قعر البيدر لتذهب التبن والقش وأما ما ينفعه وأنعامه فيمكث في الأرض. ذلك هو معنى تثوير القرآن الكريم. وذلك هو معنى تدبر القرآن الكريم. أما الإقتصار على ما تسديه الحروف والسطور فهو كمن يقف على شاطئ بحر جميل عميق حظه منه تنشق نسماته. تنشق نسمات ذلك البحر الجميل العميق شيء جميل ينعش النفس ولكن البحر لم يوضع لذلك ولكن وضع لجلب النفائس التي في بطنه : لحما طريا وحلية تلبسونها. إذا أبيت ذلك فجع كما يجوع الواقف على شطآن البحر الجميل العميق الثر الخصب الغني. أجل. جع والحوت على مرمى بصر منك. إذا أبيت ذلك فتعر وتبذل. أجل. تعر وتبذل والحلية فيه على مرمى حجر منك. ذلك هو القرآن يا صاحب القرآن. فلا تجعل منه كتاب بركة. هو كتاب بركة. أجل. وهو كتاب شفاء بدني. أجل. ولكنه أكبر من ذلك وأخطر من ذلك وأعمق من ذلك وأجل من ذلك. هو كتاب شفاء للعقول والنفوس والأرواح والألباب والنهى.

أعز ما تفقه من شفائك : قوانين العز والملك والعلم في الحياة.

أي التي عبر عنها بقوله : „ قد خلت من قبلكم سنن “. وأحيانا ما يدعونا إلى السير في الأرض لحسن فقه تلك السنن. السير في الأرض يكون سيرا معنويا أي بالعقل المتفكر والفكر المتدبر كما يكون السير حقيقيا وكلاهما مطلوب وذلك معنى من معاني السياحة التي فسرها الأقدمون بالصيام وبغيره ولا يعجبني ذاك لأنه تحريف في اللغة شنيع ربما أملاه الفقر في البعد السياحي يومها أو في البيئات التي أساءت تأويل السياحة وللسياحة عقلا أو بدنا ولا خير في بدن سائح بعقل محنط كما هو شأن أكثر السائحين اليوم والسائحات أغنام لولاها لما حث على السير في الأرض. ألم يسح الأنبياء كلهم تقريبا من سياحة آدم من الجنة إلى الأرض ومن سياحة إبراهيم من العراق إلى مصر وإلى مكة المكرمة ومن سياحة يعقوب من فلسطين إلى مصر ومن قبله إبنه يوسف ومن سياحة موسى من فلسطين إلى مصر ومن سياحة محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين من مكة إلى الطائف ثم إلى المدينة .. لو كانت تلك السياحات بغير أثر روحي وعقلي لما رتبتها أقدار الرحمان سبحانه لعباده الذين ستوكل إليهم مهمة هداية البشرية. ألم تسح المهاجرات من مكة وحدانا غير زرافات من مكة سرا وخوفا إلى المدينة لبيعة نبي الدعوة الجديد محمد عليه الصلاة والسلام؟ أم أن السياحة لا تكون إلا مذكرة؟ أم أن السائحة لا تكون إلا أنثى غربية عارية؟ ألسنا بحاجة إلى التخلص من صورة نمطية الصور النمطية كلها ودون أي إستثناء لحسن الفقه وتحريره مما قد يشغب عليه وهو ما يسميه علماء الأصول في الكشف عن حقيقة الحكم : تشذيب أو تهذيب للمناط.

عندما نفقه هذه يتشرف بنا القرآن.

أجل. عندما نفقه سنن التحضر والرقي والتمدن والعز والملك والسؤدد والتقدم والعمران .. عندها يتشرف بنا القرآن الكريم ويكون لنا فعلا شفاء هاديا وبلسما حاديا. أما دون ذلك فهو بركة ربما يقينا العين ونحن نحتاج إلى الوقاية من عين الأمم من حولنا وليس من عيون الحاسدين فينا فحسب. تعال نقوم بعملية حسابية جردية رياضية عقلية. تعال نبسط آي القرآن الكريم ( 6236 على رواية حفص عن عاصم ). تعال نبسطها على بساط أخضر كبير جميل. تعال نوزعها على حقولها المناسبة. ذاك جهد قام به الرجال فألفوا التالي : هي محاور خمسة. أكبرها : محور الكون ثم القصة ومنها المثل بها ملحقا ثم النفس. محاور ثلاثة. ولكن أين ذهب المحوران الآخران؟ المحوران الآخران هما مقصدا القرآن الكريم كله وهما : توحيد الله سبحانه توحيدا يليق بجماله وكماله وجلاله وسبحان من ليس كمثله شيء. والإيمان باليوم الآخر والبعث بطريقة علمية لا سحر فيها ولا طلاسم ولا شك ولا ريب ولا تقليد. ومحور آخر صغير جدا حتى إنه لا يكاد يذكر وهو محور التشريع بسبب أنه محور حفظته السنة حتى لو كان القرآن الكريم هو الذي أصل أصوله وحد حدوده ومنه محور التربية. معنى ذلك هو أن الكتاب كله وهو رسالة طويلة لا طول للمرء على تلاوته إلا بعد ثلاثة أيام .. معنى ذلك هو أن الكتاب الكريم بآياته التي جاوزت ستة آلاف له مقصد أسنى أعظم هو : تحقيق الإيمان بالله واليوم الآخر ولكن بالبرهان والحجة والبيان وليس بالتقليد. والمنهاج الإسلامي لبناء ذلك الإيمان المبرهن عليه هو توخي القصة والمثل والتاريخ. ذلك هو الكتاب كله. وتلك هي محاوره كلها وتلك هي رسالته العظمى وذلك هو منهاجه.

ماذا أعني بذلك؟ أعني بذلك أن العبادة التي تضخمها في رأسك طقوسا ليس لها حظ كمي كبير مقارنة مع حقول أخرى. لا يعني ذلك أن العبادة مؤخرة. إنما يعني ذلك أن العبادة ليست هم الكتاب الأوحد. لم تكن العبادة هم الهم الأوحد والأكبر للكتاب بسبب أن الإيمان بالله واليوم الآخر الذي ينشئه الكتاب بمنهاجه إحالة على الكون والتاريخ .. ذلك الإيمان بذلك المنهاج ينشئ العبادة بالضرورة. فإذا لم ينشئ ذلك عبادة بالضرورة فاعلم علم اليقين أن الإيمان نفسه أو منهاجه في أحدهما خلل أو فيهما معا.

دعنا نبسط الأمر بطريقة أيسر عليك من ذاك. إقرأ القرآن مرة أخرى لتلفى أمرا ربما تكتشفه لأول مرة. ستكتشف أن أكثر حديث رسالة مالكك إليك هو حديثه عن الأمم الخالية وتجاربها حسنها وسيئها وعن نشوء الحضارات وتقدمها وسؤددها وعن تدهورها وسنن ذلك وأسبابه ونواميسه وقوانينه. إقرأ الكتاب مرة أخرى لتلفى ذلك بنفسك. يجب أن تفترض أني أكذب عليك الآن أو أني جاهل أقول كلاما لا صحة فيه. يجب أن تفترض ذلك لتعود إلى الكتاب بنفسك فإن ألفيت الذي قلته لك فبها ونعمت وتكون عندها قد وقفت بنفسك على الحقيقة وإن لم يكن ذلك فإنك لاف شيئا آخر يفيدك قطعا.

إذا عدت إليه وألفيت أنه يحدثك عن التاريخ وسننه وقوانينه في نشوء الحضارات والثقافات والدول والجماعات وعن نواميس نهوضها ونواميس إندحارها.. إذا فعلت ذلك وألفيت ذلك فلا تقل من بعد ذلك : القرآن الكريم كتاب بركة نتمسح به و عليه ثم نقبله ونضعه على الرف حتى رمضان كريم آخر. وكفى الله المؤمنين القتال.

إذا ألفيت ذلك فلا تهتم بالعبادة أكثر من إهتمامك بالمحاور الأخرى التي حفل بها كتاب ربك إليك حفلا عجيبا. عد إلى أصل الفكرة ودعني أبسطها لك. هب أن أباك مات في غيابك وترك لك رسالة طويلة طول القرآن الكريم مثلا. قرأت الرسالة فوجدته يركز فيها على أشياء قليلة أو كثيرة ولكن شيئا أو شيئين لا يبرحهما. أجل. لا يدع صفحة واحدة من رسالته الطويلة إليك إلا تحدث عنهما.

ما هو الإنطباع الذي يحصل لك وأنت تستكمل قراءة رسالة أبيك الذي تعرف بالضرورة أنه يريد لك الخير من بعد موته؟ أليس هو الإنطباع بأن رسالته وصية ذهبية تحوي أمورا مرتبة ترتيبا معينا أي ليست على مستوى واحد من الأفضلية والأحقية. أليس هو إنطباع بأن الأمر أو الأمور التي لم يدع صفحة واحدة في كتابه الطويل إليك إلا أودعهها .. تلك الأمور لا بد أن تكون محددة في بناء مستقبلك من بعد موت أبيك؟ أليست تلك الأمور هي الأولى بالفهم والفقه والعناية والإهتمام؟

لا يطلب منك سوى بناء عقلك وفق النظم القرآني.

ذلك هو المطلوب منك على وجه التحديد والدقة. أي : إفقه النظم القرآني مبنى ومعنى ثم إحص موضوعاته ثم تدبر مقاصدها ثم رتبها بمنهاج أولوي محدد ثم إلتقط الأول فالأول منها بحسب الأهمية والأحقية. ليس المطلوب منك إذن سوى ذاك وفي الأثناء ستعلم أن ذاك أكثره لا يتم في غير جماعة لأنه من قبيل الواجبات والفرائض التي سميت كفائية في القديم والإسم الأحسن هو فرائض أو واجبات جماعية بسبب أن الكفائية فيها تقتصر على جانب واحد من التعريف وهو أنه إذا قامت عصبة من الأمة بذلك سقط التكليف عن الأمة جمعاء. أما قولك إنها فرائض جماعية فمعناه أنها كذلك ويضاف إلى ذلك التعريف : وإذا لم يقم بتلك الفرائض واحد من الأمة أثمت الأمة بأسرها. ذلك ما يتحاشى قوله كثير من المحسوبين على السلك الديني. بعضهم يتحاشاه خوفا من سيف السلطان وبعضهم يتحاشاه جهلا به أو إحتقارا له وهو مربط الفرس في مكان الأمة بين الأمم وهل للأمة من مكان بين الأمم غير مكان القيادة والريادة والهداية والتعليم والتحرير وهي المكانة التي إختصرها كتاب ربك إليك في كلمة واحدة هي : الشهادة على الناس والحكم بينهم بالحق والعدل والقسط؟

لا يطلب منك سوى بناء عقلك وفق النظم القرآني لتكبر ما كبر وتصغر ما صغر وتقدم ما قدم وتؤخر ما أخر وتحكم ما أحكم وتشبه ما شبه وتجمل ما أجمل وتفصل ما فصل وتعمم ما عمم وتخصص ما خصص وتطلق ما أطلق وتقيد ما قيد وتحقق ما حقق وتكني ما كنى.

إذا فعلت ذاك فأنت رجل القرآن ..
إذا فعلت ذاك فأنت ضيف على مائدة القرآن..
إذا فعلت ذاك فأنت من أئمة القرآن..
إذا فعلت ذاك فأنت مرشح لشفاعة القرآن ..
إذا فعلت ذاك فأنت من أهل القرآن وخاصته..
إذا فعلت ذاك فأنت متدبر للقرآن متفكر فيه ..

أما إذا كنت ممن يتلوه بلسانه وعقله له من الهاجرين..
أما إذا كنت ممن يتلوه بلسانه وعقله لو نخله بإخلاص وحساب عسير لألفاه عقلا يهوديا أو عقلا نصرانيا أو عقلا مجوسيا..

إذا كنت كذلك فعد إلى دستور حياتك..
إذا كنت كذلك فعد إلى قانونك الأساسي..
إذا كنت كذلك فعد إلى فريضة التدبر والتفكر ..

إذا رمت ذلك فلا مناص لك من لغة الكتاب..
إذا رمت ذلك فلا مناص لك من منهاج الكتاب..
إذا رمت ذلك فلا مناص لك من إحالة عقلك على الحقول التي أحالك عليها..

وقبل أن تفعل كل ذلك سل نفسك هذا السؤال الخطير الحرج.

نحن اليوم مليار ونصف مليار من المسلمين نزحم الأرض مع الناس .. نحن ثلث الناس.
نحن كثير عديدنا..
بحوزتنا الدستور الذي ما فرط فيه من شيء..
الأولون السابقون حققوا بهذا الكتاب شهادة على الناس لن يزال الناس بها هداية حتى اليوم..
حتى بعد الإنقلاب الأموي على ثاني أكبر ثابت في الإسلام ( الشورى ) وإنقلابات أخرى مدمرة كثيرة ..
حتى بعد ذلك ما زال الناس يذكرون إبن خلدون وإبن الهيثم وإبن النفيس وإبن البيطار والرازي وإبن سينا وإبن رشد .. قمم العلوم وعلامات التقدم ..

سؤالك المحرج الخطير هو :

الكتاب بين أيدينا هو الكتاب..
الدين هو الدين..
الأمة هي الأمة..
الأرض هي الأرض..

فما بال الأولين بالكتاب سادوا..
وما بال الآخرين به سيدوا..

هما إجابتان معاصرتان لا ثالث لهما.

جماعة يقولون : لا سيادة إلا خارج الكتاب..
وجماعة يقولون : لا سيادة إلا داخل الكتاب..

نحن بحاجة إلى تقديم حل عملي يقيم الحجة على الفريق الأول بأن السيادة تكون داخل الكتاب.
ولكن ذلك لا يكون حتى : نقيم الحجة على أنفسنا نحن بأن السيادة تكون تحت سقف الكتاب.
ذلك لا يكون حتى : نأخذ الكتاب بقوة. هي قوة الجماع وليس قوة التجزئة والتبعيض. هي قوة الجماعة وليس قوة الأفراد والأفذاذ. هي قوة الحديد. هي قوة الشورى. هي قوة التوحيد القائم على العلم.

هذه هدية القرآن إليك.

إذا حاصرك الزمان أن تتدبره فتدبر مواضع ثلاثة فيه.
هي موضع التوحيد وقوامه العلم والبحث واليقين من ( الرحمان والقلم والعلق).
هي موضع الشورى وقوامها الحرية والكرامة والجماعة من ( الشورى).
هي موضع الحديد وقوامها القوة لبسط العدل من ( الحديد).

ذاك هو مخ كتابك.

الرحمان والقلم والعلق.
الشورى.
الحديد.

عندها تجيب عن السؤال آنف الذكر : أي شفاء يحمله القرآن إلى الإنسان؟ الجواب هو : شفاء الأمة وليس شفاء الأفراد فحسب. شفاء الفرد دون الأمة معناه شفاء عضو واحد أو أكثر من أعضاء جسمك وبقية جسمك مريض. هل تدعي عندها أنك معافى؟ هل يعافى بدن أصيب عقله أو قلبه أو جمجته أو بصره أو سمعه؟ هل يزعم أحول أنه بصير وهل يدعي أعرج أنه سليم؟ الجواب هو : شفاء ثقافي حضاري معاصر جامع يفيض على الأمة قوة ثم يفيض على البشرية رحمة وهداية وعفوا وشهادة وعلما وعدلا وقسطا وتعارفا وحقا وصبرا وإيثارا وإحسانا.

والله تعالى أعلم.


الهادي بريك ألمانيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.