النهضة تهنئ الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون    مصطفى بن أحمد: قيس سعيد ليس له الحق دستوريا أن يعلن عن مشروعه السياسي    حضرتها قيادات أمنية.. الوضع الأمني محور جلسة عمل بإشراف قيس سعيد    النادي الإفريقي.. 5 مليارات جملة تبرعات الجماهير    بلاغ حول بيع تذاكر نهائي كأس الجامعة    مصدر من المعهد الوطني للرصد الجوي يحذر من رياح قوية    في صفاقس: تقديم كتاب "زمان الابيض والاسود"( صورة)    التبادل التجاري مع الخارج يسجل انخفاضا على مستوى الصادرات والواردات الى موفى شهر نوفمبر 2019    حمام سوسة: الإطاحة بفارّ من السّجن منذ سنة 2011    دوار هيشر: وفاة عائلة بسبب تسرّب الغاز    تحكيم شيلي للقاء الترجي والهلال السعودي    الشرطة الفرنسية تقتل رجلا هدد عناصرها بسكين في باريس    الدكتور محمود صميدة يُتوّج بلقب أفضل باحث في جراحة عظام الأطفال في الهند    ميركل: ليبيا باتت مكانا لحرب بالوكالة    الخطوط التونسية: الموقع الذي صنفنا ضمن اسوأ الشركات فاقد للمصداقية...    مديري الصحف يطلقون صافرة الإنذار    الهايكا تقرّر سحب إجازة إحداث واستغلال إذاعتي "رقاب الثورة" و"قصرين أف أم"    يمثل خطرا على أجهزة الاتصال: العثور على لاقط هوائي داخل طرد بريدي (صور)    البنك المركزي التونسي يصدر قريبا قرارات لمعالجة مديونية المعاصر ومصدري زيت الزيتون    البرلمان يكشف عن تركيبة اللجان التشريعية القارة والخاصة حسب حجم الكتل البرلمانية    عبد المجيد تبون…خلافه مع «رجال بوتفليقة» أوصله إلى كرسي الرئاسة    عصابة بميناء حلق الوادي تصادر فرحة أطفال محتاجين وأيتام    توقيع اتفاقية تمويل مشروع تجديد أسطول خط تونس- حلق الوادي- المرسى    كلّنا عمدون ".. حفل خيري لفائدة عائلات ضحايا الفاجعة    الدفعة الأولى من الجولة 12.. المنستيري لتعزيز صدارته وسليمان لتأكيد صحوته    احباط عملية ارهابية تستهدف منشات حساسة وثكنة عسكرية ببنزرت ليلة رأس السنة    خليل شمام : لن نكرر اخطاء مباراة العين واصرارنا كبير على تجاوز عقبة الهلال السعودي    توفيق الراجحي: الحكومة المقبلة مطالبة بالاسراع في تفعيل ثلاثة إصلاحات كبرى وعاجلة    "كانك راجل ايجا لتونس" وراء الحكم بسجن مخلوف والحصانة البرلمانية تحول دون تنفيذ الحكم    ميناء حلق الوادي: حجز 14 بندقية صيد على متن سيارة قادمة من مرسيليا    ليفربول يمدّد عقد مدربه كلوب    بعد فوزه الساحق .. جونسون يؤكد موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي    يهم النجم الساحلي : الاهلي المصري يتعاقد مع هداف الزمالك والنقاز يرفض    منح جامعية للدراسة بالمجر في هذه الاختصاصات    مصالح الديوانة بميناء حلق الوادي الشمالي تحجز 14 بندقية صيد    محمد الحبيب السلامي يصرح ويصارح : من لم يأخذ العبرة من الدرس يسقط في الدرس    حجز مواد غذائيّة غير صالحة للاستعمال وسط العاصمة.. وهذه التفاصيل    الدوري الأوروبي.. قائمة الفرق المتأهلة للدور 16    تونس : بلاغ مروري بمناسبة عطلة الشتاء المدرسية والجامعية    بالتعاون مع "الستاغ": أوريدو تطلق خدمة خلاص فواتير الكهرباء والغاز عبر الهاتف الجوال    رويترز: 25 مصابا على الأقل جراء انفجار شرق ألمانيا    بمناسبة احياء ذكرى الثورة.. فايا يونان تغني في سيدي بوزيد    الدقاش.. حريق هائل يأتي على عشرات أصول نخيل    رفع درجة التأهب الأمني والعسكري على الحدود التونسية الليبية    محمد بوفارس يكتب لكم : يوميات مواطن حر    في الحب والمال/توقعات الابراج ليوم الجمعة 13 ديسمبر 2019    مرام بن عزيزة تتّهم زوجها بالخيانة وتنشر صوره مع امرأة أخرى    عروض اليوم    "التونسية للملاحة" تؤجل موعد رحلتي "تانيت" و"قرطاج"    الندوة الفكرية لأيام قرطاج المسرحية .. في سينوغرافيا الفضاء المسرحي... وتاريخ المسارح الرومانية في تونس    منبر الجمعة : الضمير وازع تربوي    اسألوني    من مكارم الأخلاق....التعفف    الشاعر الصامت في ذمة الله ..محمد بن صالح.... وداعا !    نصائح فعالة للوقاية من نزلات البرد والإنفلونزا    كيف تعالج بحة الصوت‬؟    فوائد جمة للمشي لمدة 15 دقيقة يوميا    أضرار الإرهاق في العمل.. وهذه هي المهن ذات الخطورة العالية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل تمخر السفينة التونسية بقيادة لعريض عباب أمواج عاتية؟
نشر في الحوار نت يوم 24 - 02 - 2013

المرحلة الإنتقالية في تونس لم تكن بدعا من التاريخ.

أجل. ذلك هو ظني بسبب أن المراحل الإنتقالية التي تفرزها الثورات الشعبية العارمة كفيلة بأن تكون محضنا خصبا دافئا يستغله أعداء الثورة للرجوع بعقارب الساعة إلى الوراء. الحادث الوحيد الذي كان كفيلا بزعزعة الأمن وإرباك المنتظم الشرعي القانوني ( التأسيسي خاصة ) هو حادث إغتيال الفقيد شكري بلعيد. عاملان إثنان يؤطران ذلك الحادث القاسي جدا علينا جميعا ليجعلا منه بدعة سرعان ما إرتدت على آثارها : العامل الأول هو الحركة السياسية التي قام بها المهندس حمادي الجبالي لإمتصاص الصدمة إذ تعامل مع الصدمة بمثل ما يتعامل بعض الأطباء مع ضرب خاص من السموم عافاكم الله جميعا إذ يقومون بحقن الجسم المسموم بسم مضاد. عالج الجبالي صدمة الإغتيال بصدمة أخرى في مثل وزنها وبذا نجح في إنقاذ السفينة التونسية. أما العامل الثاني فهو أن مؤشرات الإغتيال كانت تتجه منذ أول يوم وإلى يوم الناس هذا إلى أطراف غير تونسية بالأساس أي من حيث التخطيط وليس بالضرورة من حيث التنفيذ. الإغتيال إذن فيما يبدو والتونسيون على أحر من الجمر لمعرفة الآمر بالقتل صناعة غير تونسية وهو أمر مريح جدا لنا جميعا. أما ما عدا ذلك من تجييش للإعتصامات وحملات ضد رابطات حماية الثورة وقطع للطرقات وتصعيد المطالب الإجتماعية المشطة وتسللات كثيرة وخطيرة للسلاح .. كل ذلك لا يجعل المرحلة الإنتقالية بدعا من التاريخ المعاصر. نجاح الدولة في تأمين تلك المرحلة الإنتقالية التي يستخدمها أعداء الثورة قاربا من قوارب الموت لا يمكن أن يعتبر سوى قدرة إرادية ونفسية عالية على إمتصاص الكدمات مهما كانت متوالية بمثل ما حدث سيما في النصف الثاني من تلك المرحلة. لم تكن الثورة مهددة اليوم فحسب. تعرضت الثورة إلى التهديد من أول يوم : أول تهديد كان من لدن حكومة الغنوشي ثم كان التهديد من لدن حكومة السبسي ولم تشفع للدولة قيام مؤسستها الدستورية الضامنة للشرعية بل هي الضامن الوحيد للشرعية حتى اليوم أن تكون بمنأى عن تواصل التهديدات ضد الثورة. جاء دور فلول اليسار الذي فارق المربع اليساري منذ عقود طويلة ليقطن يمين اليمين بل أقصى اليمين وذلك منذ دخول خصمه الإيديولوجي التقليدي حلبة التدافع السياسي ( الإتجاه الإسلامي بمختلف فصائله الفكرية والسياسية). إن ثورة نجحت في الخروج سالمة رغم الكدمات الموجعة من محاولات الغنوشي ثم السبسي ثم اليسار المتيمن المتطرف .. تلك ثورة تشق طريقها حتى لو كانت لا تتقدم. المعركة بين الثورة وأعدائها المنتفعين من الدولة ومؤسساتها على إمتداد أزيد من نصف قرن كامل .. هي معركة شرسة ضارية وهي معركة ضروس بل هي معركة حياة أو موت. ذلك هو التصوير الحقيقي للمعركة في شوطها الأول وهو الشوط الأخطر أي شوط المرحلة الإنتقالية. الثورة غنم لا بد من دفع غرمه وإلا إضطربت السنن والأسباب وما ينبغي لها أن تضطرب.

المهندس علي لعريض رجل دولة.

الحقيقة التي لا بد من إستذكارها هي أنه ليس بإمكان المهندس علي لعريض أن يفعل شيئا كثيرا إلا بتوفر جملة من الشروط الأمنية والسياسية والأجتماعية بل وحتى الإقليمية والدولية والعربية . قيادة المراحل الإنتقالية في عقب ثورات شعبية مزقت حجب عقود طويلة من الإستبداد الأعمى ومع تجند أعداء الثورة المنتظمين في قلب ساحة الفعالية المدنية بسبب الإرث التاريخي .. قيادة مثل تلك المراحل في مثل تلك الظروف لا بد له من التكافل منا جميعا إذ لا يملك طرف واحد فينا المفتاح السحري الأوحد للعبور بالبلاد إلى شطآن السلام. السياسة هي كذلك من حيث المبدإ فما بالك إذا كانت السياسة اليوم تدار بأسلحة غير تقليدية ومتمترسة خلف الثورة وخلف القانونية ومتذرعة بالحرية. سوى أن المهندس علي لعريض ورث مناخا أقل سوء بكثير جدا مما ورثه المهندس الجبالي عندما تولى رئاسة الحكومة. ورث المهندس لعريض الشوط الثاني من المرحلة الإنتقالية وهو شوط يحيل البلاد إلى إستكمال بناء مؤسساتها الدستورية بحسب ما ينص عليه الدستور الذي هو في طور الكتابة. أي أن رئيس الحكومة المكلف يغذ السير نحو الأمن والإستقرار وهو يبصر بعينيه الضوء المنفلق في آخر النفق. ذلك أمر لم يكن متاحا للمهندس الجبالي.

حاز الرجل من لدن خصومه قبل أصدقائه شهادات تقدير عالية جدا وهو يسير أعقد جهاز من أجهزة الدولة أي وزارة الداخلية. ذلك صك مصرفي عالي الثمن في رصيده وكسبه. لا شك في أن المعركة الضارية الضروس الدائرة اليوم في تونس هي معركة إرادات تماما كما كانت بالأمس بين المخلوع بن علي وزبانيته الذين يحتفلون بالثورة معنا اليوم جنبا إلى جنب وبين المساجين السياسيين. إذا وعى المقاوم في أي ساحة من ساحات المقاومة. والحياة بأسرها ساحة مقاومة أن معركته هي معركة إرادات فلا عليه من بعد ذلك أن ينتصر عليه خصمه بالنقاط ولا حتى بالضربة القاضية وكل ضربة لا تقصم ظهرك تقويك كما قال الشهيد المقاوم عمر المختار.

المهندس لعريض يستثمر رصيده في حرب الإرادات السابقة إذ برهن الرجل على حنكة في إدارة المعركة بينه وبين أعداء الثورة من جهة وبينه وبين الحمقى الذين يسيرون في ركاب العداوة للثورة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. عناوين تلك الحنكة هي تجدد طاقات الصبر فيه كلما أوشكت على النفاد. ومن تلك العناوين كذلك نجاحه في ضبط تصريحاته والحقيقة أنه مشهور بيننا منذ سنوات التأسيس الأولى بقدرته على حسن إختيار كلماته. كان يحسن ذلك حتى في إدارته لبعض مؤسسات الحركة من مثل مجلس العمال الذي كنت عضوا فيه عام 1985 وما بعدها حتى محنة 1987 إذ تحمل الرجل في تلك الفترة مسؤولية نيابة رئيس الحركة. ومن تلك العناوين كذلك وضوح الأمور عنده بصورة عز نظيرها عند كثير منا. من ذلك مثلا أنه كان يردد دوما أن مصلحة البلاد مقدمة على مصلحة الحركة عند التعارض. كان يقول ذلك قبيل المحنة أي محنة 1987. كأنما كان يستشرف محنة ضارية قابلة. المهندس لعريض معروف بالجدية والصرامة في غير كبر ولا قهر ولكنه ليس ميالا كثيرا إلى الهزل وبالكاد تكرهه على التبسم الخفيف أما القهقهات المطولة فليست من طبعه ومزاجه. قضية الوضوح مهمة جدا وقد برزت في شخصيته في مقاومته وزيرا للداخلية لتسللات السلاح المتهاطل على البلاد من شرقها ومن غربها. كثير منا أجل. كثير وليس قليل عندما توشك بعض الأمور أن تصطدم إما أنه يؤثر السلامة فيلوذ بالفرار أو يحاول الترقيع الذي لا يزيد الطين غير بلة. ليس من اليسير على الواحد منا أن يقاوم تلك التسللات بسبب أنه يغلب على الظن أن الواقفين وراءها مشاركون لنا في العقيدة وغير ذلك وما زلت تسمع أصواتا من هنا وهناك منا. أجل. منا تدعو إلى تهدئة مع تلك التسللات أي عن تهدئة مع من يفترض أنهم يقفون وراءها. تلك سذاجة سياسية. والرأي عندي أن من لم يقرأ التاريخ الإسلامي في صدره الأول ( أي من الجمل حتى أواخر العباسيين أي عندما خفتت حدة الثورات الإسلامية ضد الدول الإسلامية ) .. لن يكون له حظ كبير في حسن إستيعاب الأمور إستيعابا صحيحا عند إدلهمامها أي عندما توشك أن تصطدم فكريا. كما يعرف المهندس لعريض بأنه إستطاع أن يبني عقله بناء منظما. بناء العقل بناء منظما معناه بإختصار شديد : لا تعطني فكرة بل علمني كيف أفكر. الرجل يعرف كيف يفكر ومن يعرف كيف يفكر لا بد له أن يقوم يوما حتى لو سقط على الطريق ألف مرة ومرة. أما من لا يعرف كيف يفكر فإنه سيختم حياته بسقطة في وهدة لا يقوم بعدها أبدا حتى لو قضى حياته كلها محمولا على الأعناق لفرط نجاحاته في عيون الناس وندرة إخفاقاته أو ربما إنعدامها بالمرة. عرف عنه ذلك أول ما عرف في الحركة بمناسبة مشروع فكري في الحركة إسمه مشروع الأولويات وهو مشروع كان الرجل من مهندسيه الأوائل. مشروع طرح سؤالا كبيرا في إثر أول محنة أي محنة 1981 والسؤال هو : لم حصل لنا هذا؟ هو مشروع واعد جدا أنقذ الحركة من حدبها الدائب على العمل اليومي مع تفريط في التفكير والنظر والتدبر والتقويم. وهو مشروع يرجع له الفضل في إسترجاع الطبيعة الفكرية الثقافية التجديدية الإجتهادية التحديثية للحركة إذ لو إنخرطنا يومها في تتبع آثار المحنة لربما صدرت منا أعمال طائشة إذ الطبيعة تأبى الفراغ كما يقولون فكان المشروع عاصما لنا من ذلك وكان مناسبة لأن تشهد الحركة في رأيي أنا أزهى عصورها طرا مطلقا حتى يومنا هذا. تلك شميلة لا يملك المرء اليوم حيالها إلا أن يقول ما قال السالف : لو إستقبلت من أمري ما إستدبرت لرجعت بالجماعة إلى عهد المأثورات. ( أي إلى عهد الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي ومعانقة مصاف التجديد والتحديث والإجتهاد) ولا شك عندي في أن من لا يجتهد يذوي ثم يموت موتا فكريا ثم يبتلعه التقليد ثم يصبح من حيث لا يشعر هو ولا من حيث تشعر أنت كذلك من أعداء الثورة. المهندس لعريض معروف كذلك بأنه رجل جهاز من طراز عال جدا. رجال الأجهزة الحزبية في الحركات الكبيرة والخاضعة للقوانين والمؤسسات واللوائح ومع ما يثمر ذلك من تعقيدات وتشابكات .. رجال الأجهزة في الحركات الديمقراطية مثل حركة النهضة (الديمقراطية الداخلية كانت دوما هي الحالة الغالبة وليس معنى ذلك أنها الحالة الدائمة ولكن الديمقراطية تغلبت على نزوعات الإستبداد بالرأي فينا غلبة تكاد تكون مطلقة) رجال الأجهزة في مثل تلك الحركات ضربان : ضرب يبدع في القيادة الإدارية وليس بالضرورة أن يكون صاحب عقل منظم ولنا في الحركة من هؤلاء عدد غير يسير. الضرب الثاني الذي يمثله المهندس لعريض .فهو رجل جهاز إداري ضابط صارم قوي وعامل دائب يوظف ويكلف ويتابع ويحاسب وينصح ويصلح ويفسح المجال لحرية الرأي وهو في الآن نفسه صاحب مشروع في الإصلاح ومشروعه الإصلاحي قوامه النفس الطويل والمراهنة على عامل الوقت أي إدارة معركة الإرادات. مثله فينا أي من يجمع بين القيادة الداخلية الإدارية وبين القيادة الخارجية .. مثله فينا قليل. المدربون في هذا المضمار يكادون يجمعون على أن الصفات القيادية والقيادية هنا هي القيادية الخارجية أما القيادية الداخلية التي لا حظ لها خارج الحزب فلا تسمى كذلك إلا تجوزا مشتركة بين الإرث والإكتساب ولكنهم مختلفون في نسبة كل منهما. لا شك أن الرجل ورث من أهله شيئا غير يسير من ذلك ولا يمكنني التوسع في الحديث هنا خشية الإسهاب من جهة ولعدم الحاجة إلى ذلك الآن. ولكن القسط المكتسب عنده من الصفة القيادية بمعناها الحكومي العام هو قسط كبير جدا كذلك. هو رجل صنعته المحن بكلمة واحدة إذ ربما هو أكثر الرجال في الحركة ممن عاش مغمورا يدير شؤون الحركة بهوية غير هويته على إمتداد عقد الثمانينات تقريبا ثم عاش معزولا في السجن بأضعاف ذلك. الأصل أن رجلا مثله إما أن يخرج من المحن مدمرا بالكلية فهو ضيف ثقيل على الدنيا كمن عاش فيها طفلا ومات طفلا وإما أن يستثمر رصيد تلك المحن المتلاحقة وهو ما فعله الرجل بتوفيق من الله سبحانه. لعل ما يثير السخرية أن عددا غير يسير من شراذم اليسار المتيمن سخر من تكليف رجال على الدولة قضوا حياتهم في غياهب السجون. أنى لهؤلاء أن يديروا دولة وبعضهم مازال بحاجة إلى إدارة عائلته. فاقد الشيء لا يعطيه كما قالت العرب بحق. غفل هؤلاء عن حقيقة في فقه الحياة وهي أن الحياة هي أم المدارس التي تسند شهاداتها العليا إلى الفائزين فيها بينما تقذف بالآخرين إلى مزابل التاريخ. دندن أولئك كثيرا حول ما يسمونه باللغة الأجنبية ( سي في ) أي سجل الحياة العلمية والعملية. من ميزات الرجل كذلك أنه يقتصد في الكلام والمقتصد في الكلام عادة ما يظفر بالسلم. فإذا كان المقتصد في الكلام سياسيا كان إقتصاده ماعون صنعة لا بد له منه وإلا وقع في السقط في حضرة خصوم شرس لا يرعون فيه إلا ولا ذمة. „ كأنما خلقت من جديد ". تلك هي الكلمة التي بادرنا بها في سجن 9 أفريل عام 1987 من بعد صدور العفو الرئاسي عنه أي بتحويل عقوبة الإعدام التي حوكم بها غيابيا إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. لك أن تتصور شابا في مقتبل الحياة مقبوض عليه وهو محكوم بالإعدام ويقبع في زنزانة ضيقة فريدا وحيدا مقيدا بالسلاسل في السجن المضيق بجناح ( أ ) بالسجن ذاته أي 9 أفريل. ومن قبله أعدم منا شابان في فجر الخميس من يوم من الأيام القليلة التي سبقت إنقلاب المخلوع ضد بورقيبة. هما : محزر بودقة وبولبابة دخيل. من يحول إذن دون إعدام الرجل الذي كان يقود التحركات ضد نظام بورقيبة. أليس هو أولى بالإعدام شنقا؟ فقه مدرسة الحياة ينبئك أن الحياة والموت بيده وحده سبحانه. تتهاطل علي الذكريات لأؤكد أن الرجل صنيعة مدرسة الحياة ومن كان صنيعة مدرسة الحياة فلا خوف عليه. هل يمكن أن تخبرنا شراذم اليسار المتيمن عن ( سي في ) المرحوم المناضل الكبير الحبيب عاشور؟ ألم يدوخ الرجل بورقيبة وما أدراك ما بورقيبة عندما كان الآمر الناهي في البلاد طولا وعرضا لا يواجهه إلا ميت لا محالة؟

فقه مدرسة الحياة عنوانه : إطلع ثم إجتهد لنفسك.

رصدت كسوب رجال كثيرين في بعض العلوم فوقفت على هذه الحقيقة : الرجال الذي تميزوا عن غيرهم ليسوا هم الرجال الذين إكتسبوا أكثر علما ولا معرفة ولكنهم الرجال الذين يطلعون على ما تيسر من كسوب غيرهم ثم يعولون على أنفسهم ليفكروا فيما بين أيديهم من معطيات وأحداث ثم يخطون لأنفسهم طريقا هو طريق الإجتهاد والتجديد والتحديث ونبذ الإجترار والتقليد والإنبهار. المهندس لعريض من أولئك الرجال. لو نخلت ما عنده من علوم ومعارف ما وجدت عشر معشار ما عند آلاف مؤلفة من القيادات الفكرية. ولكن الفقه كل الفقه فقه الحياة في مدرسة الحياة هو أن تستثمر ما لديك من علوم ومعارف إستثمارا إجتهاديا لتقلب المسائل وتخضعها للنظر والإختبار والنقد والإجتراح. ذلك أن العلوم لا شطآن لها ومثلها المعارف وفي كل حقل من حقول الحياة. فلم يبق للراحلة إذن سوى أن يقتصر على حد أدنى ثم يطحنه في فؤاده طحنا ليستنبط منه خير ما فيه. لما سئل حبر الأمة إبن عباس عن علمه كيف إكتسبه قال : بلسان سؤول وقلب عقول. المهندس لعريض كان يسأل الزمان في خلواته والزمان يجيبه وخير حوار تديره هو مع الزمان أي مع الحياة وأحداثها وعبرها وعظاتها. ومن بعد السؤال كان المهندس لعريض يعقل ما يلقى إليه. أي يخضعه للعمليات العقلية الصارمة دون شفقة.

أجل. سيمخر الرجل بالبلاد عباب الأمواج العاتية.

أعداء الثورة لن يترددوا في مواصلة مسلسلات الرداءة التي ينتجونها. سوى أن الزمن لم يعد لصالحهم. سفينة البلاد تتقدم نحو إستكمال الهيئات الدستورية يوما من بعد يوم. يوم يصدر الدستور رسميا سيكون يوما ثقيلا مشؤوما على شراذم اليسار المتيمن لأنه وتد آخر في البناء الدستوري يعزر المجلس التأسيسي. وكلما أنجزنا خطوة على درب إستكمال المؤسسات الدستورية ضيقنا الخناق على تلك الشراذم البئيسة الكئيبة. عنوان المرحلة في نظري واحد لا ثاني له لو نتمحض لها بالتكافل : هو عنوان التكافل والحدب الدائب لأجل إستكمال المؤسسات الدستورية للحيلولة دون الإنقلابات ضد الشرعية. كلما تقدمنا على ذلك الدرب تحسنت الأوضاع الأمنية ووجدت حركة الإعتصامات العشوائية والإضرابات المناوئة نفسها في حركة تسلل. كلما تقدمنا على ذلك الدرب داخل اليأس القوى الخارجية قريبة وبعيدة أن تغتال رجلا آخر منا بمثل ما فعلت مع الفقيد بلعيد. ظني أنه بنجاح المهندس الجبالي في طي صفحة الإغتيال سينجح المهندس لعريض في طي الشهور القادمة بصبره الجميل وحركته الهادئة للدخول في آخر مرحلة وهي مرحلة الإنتخابات التي ستخبر الناس بأحجامهم وأوزانهم وأثقالهم وأسعارهم. عندها تكون لنا حكومة لا مؤقتة وشرعية مكتملة. يومها تبدأ تونس الثورة في بناء الدولة. يومها نبدأ في كتابة تاريخ جديد إن شاء الله تعالى.

الهادي بريك ألمانيا
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.