أنا لو كنت مقاتلا، من أولائك المروّجين للجهاد المسلّح، أقفز كاليربوع من هنا إلى هناك، أسبوع في سوريا وشهر في الصّومال وشهران في أفغانستان.. ومخابرات الأمريكان تلهث ورائي من مكان إلى مكان، وبطونهم لا يتركها الإسهال.. لذهبت أقاتل في اليمن.. أي نعم.. لذهبت فورا إلى اليمن في هذه الأيّام المباركة المحرّمة، ولقاتلْتُ الغوغاء اليراع الحوثيين الهمج.. الحوثيون في الأيام الأخيرة اكتسحوا العاصمة صنعاء مثل الجراد.. انظروا إليهم.. يوم أمس رأيناهم يُخلون مدارس ومعاهد وجامعات.. وحتّى مدارس قرآنية.. على طريقة جماعة "بوكو حرام" في قلب إفريقيا السّوداء.. ثمّ جعلوها ثكنات تطلّ من وراء أسوارها فوهات الرّشّاشات.. وزاد الطّين بلّة مناوشة جماعة القاعدة لهم وجماعات أخرى.. واختلط الحابل بالنّابل فلا تسمع إلاّ رنين الرّصاص و لا ترى إلاّ غباره على جدران وأسوار صنعاء الأثرية الجميلة.. الحوثيون حاصروا أمس مقر مؤسسة نسوية في صنعاء، فيها روضة قرآن للفتيات وهدّدوا باقتحامها رغم اعتصام النسوة فيها.. ولولا خوفهم وعلمهم باليمنيين لا يتسامحون في الشّرف لفعلوا أفاعيل في أولائك النّساء.. والله أنا أريد أن أذهب لأقاتلهم.. أولائك المجوس الأنجاس.. فإذا غبْتُ عنكم عن التّدوين أربعة أيام متتاليات فاعلموا أنّني هناك ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.. لكن لا أدري سأقاتل من وأقتل من..؟ وكيف سأتعرّف على جراد الحوثة النّتنة من بين اليمنيين، وقد اختلطوا جنوبيين وشماليين وقاعدة ونصرة وحزب الله وحوثيين وزيديين و ربّما بوكو حرام...؟؟ الإخوة اليمنيين كلّهم متشابهين.. "فوطة" من الأسفل وقميص من الأعلى وعليهما جميعا حزام عريض مزركش تحته خنجر منقوش وفي بعض الأحيان مذَهّب والعمامة على الرّأس، وفي داخل حَنَكه الأيمن أو الأيسر لفافة من حشيش "القات" يمضغها بشراهة وعلى ظهره "كلاش" وهو "مفحّج" على ظهر درّاجة نارية ضخمة..! إذا سقط الواحد منهم غاطسا في دمائه يجتمع حوله جمهرة من النّاس يُشبهونه في الشّكل، نصف يوم كامل يتحدّثون ويتجادلون بصوت عال ويرفعون أيديهم في وجوه بعضهم وأسلحتهم على ظهورهم وخناجرهم في أحزمتهم، وربّما يقولون شعرا يمنيا قحّا ويشربون شايا أخضر ويأتي المساء ولم يتفاهموا بعد مَنْ هو هذا المقتول المغدور ولأيّ طائفة أو قبيلة ينتمي لتأخذه فتواريه التّراب.. وربّما فرّقهم انفجار آخر وقع بالقرب منهم فتراهم يتطايرون و يتناثرون في الهواء.. أوّل أمس أتبادل أطراف الحديث مع أحد الإخوة، فقلت له إنّ في داخلي قناعة بأنّ وراء صولة الحوثيين هذه، المخلوع المحروق "علي عبد الله صالح"، فأسكتني قائلا وما مصلحته في دفع ومؤازرة الحوثيين وهم عدوّه بالأمس..؟ وصدق حدسي، وأفتخر برؤيتي السّياسية المتواضعة، فقد قالها أمس وزير الخارجية اليمني "جمال عبد الله السّلال" أمام الأمم المتّحدة حيث صرّح "أن الدّعم السّياسي من قبل النّظام اليمني السّابق هو الذي مكّن جماعة الحوثي من تحقيق ما حقّقته" إن لم تفهموها فهي بسيطة وواضحة.. مخلوع اليمن "علي عبد الله صالح" وأزلامه الّذين أسقطتهم الثّورة ولكن تركهم يعيشون في اليمن تسامح اليمنيين وضعفهم في هذه المرحلة، ليسوا في أمان، تخيفهم الدّيمقراطية الآتية للبلاد لا محالة ويخيفهم نمو الثّورة وتقدّمها وما يمكن أن ينتج عنها من قوانين قد تهدّدهم في يوم ما بالرّجوع إلى الماضي وتحاكمهم على جرائمهم السّابقة في الشّعب اليمني.. لذلك حدثت صفقة بين إيران و علي عبد الله صالح الّذي سيدعم الحوثيين مقابل التّمكين في اليمن في ظلّ دولة شيعية والعيش بأمان.. ولا تنسوا نصيب إسرائيل في دفع اليمن نحو التّقسيم والتّفكيك والهدم لتزداد حبكة متاهة اليمن السّعيد...