بن عروس : ست قائمات انتخابية تودع ترشحاتها للانتخابات التشريعية    ماجل بالعباس: اعتصام فلاح بخلية الارشاد الفلاحي    وزارة الدفاع الوطني: قاضي التحقيق العسكري يواصل الأبحاث مع قائد الطائرة العسكرية الليبية    مصير غامض ينتظر لاعب الريال جاريث بيل    القصرين: المكتب الجهوي لحزب التيار الديمقراطي يفند ما ورد في استقالة اعضائه الاربعة    ميناء حلق الواد : حجز 15 الف حبّة اكستازي    يوسف الشاهد من الرياضة إلى حفلات الراب.. الدعاية السياسية واستهدافُ الشّباب    الليلة لطيفة العرفاوي تغني للنادي البنزرتي    حزب الورقة: ''الزطلة'' تُستعمل للعلاج في الشعانبي    التركيبة الجديدة للكتل البرلمانية    قطاع الدواجن في تونس يُطلق صيحة فزع    صحتك في الصيف..نصائح لتخفيف الوزن بشكل أسرع    نباتات الزينة..نبات ست الحسن    التعامل مع الأطفال    ليبيا.. تجدد المواجهات بمحور طريق المطار جنوبي طرابلس    يحدث في تونس : شريط فيديو يوثق اختطاف شاب واحتجازه وإجلاسه على قارورة ومفاحشته    بلاغ من هيئة مهرجان صفاقس الدولي حول ما جد في عرض الزيارة    الجامعة تعلن غدا عن تفاصيل نهائي كأس تونس    بطولة كرة اليد.. نتائج عملية قرعة المرحلة الأولى    قائمة رؤساء قائمات النهضة في الإنتخابات التشريعية    من دائرة الحضارة التونسيّة    هيئة الانتخابات تنشر النتائج النهائية للانتخابات البلدية الجزئية في بلدية باردو    قابس.. القبض على 15 شخصا مفتشا عنهم    إحباط عملية اجتياز الحدود البحرية خلسة باتجاه إيطاليا والقاء القبض على 7 أشخاص    وجيهة الجندوبي تتألق في مهرجان قرطاج الدولي بمسرحية " Big bossa "    تعرض عضو من الفرع الجهوي للمحامين بتونس الى براكاج    تركيز كاميرات على أزياء أعوان الديوانة    160 الف دينار تبخرت من محل فيولات..تورط حارس المحل واثنين اخرين    تونس تنتج 500 ميغاواط من الطاقة الشمسية بتعريفة قياسية    بطولة افريقيا للكرة الطّائرة: تونس تفوز على بوتسوانا وتواجه الليلة الجزائر    الترجي يتربص بالمنستير وفوسيني يتخلف    اليوم: انطلاق أولى رحلات الحجيج الى البقاع المقدّسة    الولايات المتحدة تسجل 25 حالة إصابة جديدة بالحصبة مع تفشي المرض في أوهايو وألاسكا    اليوم: نبيل القروي يمثل مجدّدا أمام القضاء    استعدادا لعودته إلى قرطاج بعد غياب 20 سنة الفنان عدنان الشواشي يعد جمهوره بمفاجآت عديدة    هام/ ادارة مهرجان قرطاج تمنع اصطحاب الأطفال في هذين العرضين.. وهذا هو السبب    وزير الشؤون الخارجية يشرف مع نظيره البرتغالي على إفتتاح المنتدى الاقتصادي التونسي البرتغالي    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    ارتفاع طفيف في درجات الحرارة غدا الاربعاء    لأول مرة.. باكستان تكشف "الخطوة الأولى" لاصطياد بن لادن    الجزائريون ينعشون السياحة التونسية.. 80 ألف زائر في 10 أيام ومليون و126 ألف في 2019    الإدعاء العام الأمريكي: كريستيانو رونالدو لن يتهم بالاغتصاب    ليبيا: مطار معيتيقة يستأنف الملاحة بعد توقف لساعات    مونديال قطر 2022.. 29 جويلية موعد سحب التصفيات الافريقية    بريطانيا تدعو لتشكيل قوة بحرية أوروبية للتصدي “لقرصنة” إيران    هبة فرنسية بقيمة 83 مليون دينار    يهمّ الذين يتناولون الأسبرين يوميا : توقفوا فورا    الهند.. 216 مولودا ذكرا.. والإناث صفر!    جرافات إسرائيل تواصل هدم منازل الفلسطينيين في القدس    عرض خيالي لإقناع مبابي بتجديد تعاقده مع باريس سان جيرمان    بعد قرطاج..."سولكينغ" يلهب مدرجات مسرح هواء الطلق بقابس    إيطاليا: حريق في فلورنسا يؤدى إلى حالة فوضى في حركة القطارات    تدهور الحالة الصحية للفنان فاروق الفيشاوي    شركات عالمية تتقدم بعروض لتنفيذ مشاريع في مجال الطاقة الشمسية    مرتجى محجوب يكتب لكم: كلنا فداء للوطن ...    سليانة :شاحنات الجيش الوطني تشرع في إجلاء كميات الحبوب المجمعة بالهواء الطلق    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    الإنسان عقل وضمير ووجدان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





شتاء أوروبا ومعاناة المتدينين
نشر في الحوار نت يوم 09 - 11 - 2016

أسئلة كثيرة يطرحها المتدينون من المسلمين المقيمين في أروبا وهم مسلمون أروبيون في حقيقة الوعي المطلوب بمناسبة دخول فصل الشتاء وتغيير التأقيت بتقديم ساعة سيما أن أكثرهم يزاول حياته إما طالب علم أو عاملا أو موظفا تحت نمط إداري حازم وصارم لا يعترف للشمس بشروق ولا بغروب إذ هي محجوبة عنه على إمتداد شهور طويلة ولا يعترف بالخمول ومساربه الملتوية وبذا تصدرت بلاد مثل ألمانيا وعلى إمتداد عقد كامل حكومات الأرض كلها في التصدير
المحافظة على الصلاة معاناة يومية
بدا لي أن أكثر السائلين يجهلون آماد اليسر في شريعة الإسلام ولا يكادون يصدقون أن رحمة الله بعباده المؤمنين ترتفع إلى مستويات عالية جدا من العفو والتيسير والرفق ونبذ كل ضروب العنت والمشقة والحرج. أسباب ذلك معلومة إذ ظل الخطاب الديني المرتجل وكثير منه موثق كذلك أميل إلى التشديد معرضا عن التيسير وأدنى إلى التنفير نابذا للتبشير وبذلك يظل لفيف كبير منهم أسير التأثم فيما يتعلق بصلاته التي تعاوده واجبا موجوبا مرة كل أربع ساعات ونيف على مدار الحياة. ولا شك في أن كثيرا من المتهافتين على الإفتاء لا يجرؤون لمن يعلم منهم ذلك على الإصداع بإتجاهات اليسر والبشر في هذه الشريعة المراعية للفطرة والمتجاوبة مع قصورات الإنسان في العمل لا في الإعتقاد وبذلك يقترفون خطأ شنيعا بل يعدّ ذلك إثما في حقهم عنوانه : الخوف من الناس ومجاملتهم أن تحط أقدارهم الدينية في عيونهم أو تنسج حولهم الأقاويل. كما أن كثيرا من أولئك يجهلون الحد الأدنى من المدونة الأصولية الفقهية وخاصة فيما يتعلق بقاعدتها الشهيرة : لا ينكر تغير الأحكام الظنية والفتاوى بتغير الموجبات من زمان ومكان وحال وعرف وغير ذلك مما أوصله بعضهم في كتاب له إلى عشرة موجبات فإذا لم تتغير الفتوى بين منطقة ساخنة وأخرى باردة وبين يوم طويل وآخر قصير وبين بلاد يغلب فيها التبطل أو الخمول والتقاعس وأخرى لا مكان فيها لمثل ذلك وبين عامل يملك من أمره شيئا وآخر يجد نفسه لساعات طويلات سائقا لحافلة مثلا أو لا ينفك عن آلة مثبتة لو غفل عنها توقف المصنع .. إذا لم تتغير الفتوى بين تلك المحطات فاي معنى للقاعدة الأصولية الفقهية آنفة الذكر؟ هل يرتقي المتهافتون على الإفتاء يوما إلى مستوى التمييز بين الحكم الأصلي القطعي وبين الحكم الظني أو بين الحكم نفسه وبين الفتوى أو بين العقيدة وبين العبادة أو بين ما هو واجب لنفسه وما هو واجب لغيره أو بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره أو بين الأصول والفروع أو بين الكليات والجزئيات أو بين الواجب وبين السنة أو بين الكليات الضرورية وبين المنازل الدنيا كالحاجات والتحسينيات ؟ أم يظلون يفتون الناس بالأعسر تحوطا كاذبا كأن الشريعة غفلت عن التحوطات وهي بحاجة إلى مثل هؤلاء؟ أظن أن شيئا عظيما فات كثيرا من هؤلاء عنوانه : هل أن الشريعة من عقائدها إلى أدانيها رحمة مهداة ونعمة مسداة جلابة للمصالح والمنافع في الدارين ومعترفة بجبلة الإنسان وقصوراته ومراعية لها حتى كتبت على نفسها خاتم اليسر كتبا موثقا أم هي نقمة مسلطة و عقوبة سماوية قارعة جلابة للمفاسد والمضار لا تعترف بفطرة ولا بغريزة ولا تراعي قصورا ولا تغيرا ولا شغلا ولا مرضا ولا حاجة ولا ضرورة؟ ذاك حال المستللين إلى الشريعة من نوافذها الخلفية أي من فروعها التحتية وليس يدخلونها من أبوابها الرئيسة أي من أصولها ومقاصدها وكلياتها. ذاك حال الذين يتعلمون الدين من السنة أولا حتى لو كانت صحيحة بل إن كثيرا منهم لا يميز بين متفق عليه فهو في قمة الصحة وبين صحيح كثيرا ما يتهم صاحبه بالمسارعة إلى التصحيح أو بين ضعيف يمكن أن يلجأ إليه في المستحبات تجوزا عند بعضهم وليس أصلا وبين منكور لا يتلاءم مع تلك الأصول والمقاصد والكليات على أي وجه قلبته. ذاك حال أكثر المتدينين اليوم ومثلهم الذين يفتونهم ممن يتسلل إلى العلم من السنة وليس من الحاكم على السنة أي القرآن الكريم. فتاوى معسرة منفرة في حقول الطهارات بكل أنواعها غاضين الطرف بجهل في الأعم الأغلب عن إختلاف الزمان والمكان بين شبه الجزيرة العربية قبل أربعة عشر قرنا وبين الحياة الأروبية في أيامنا هذه حيث تدب الحياة في الأرض مع مطلع كل يوم قبل بزوغ الفجر نفسه وليس الشروق بساعات بل إن ما قاله المالكية من إشتراك الوقت بين الظهر والعصر مثلا في بلادنا الحارة ينطبق بالكلية والتمام على المغرب والعشاء والفجر في أيام الصيف القصير فلا يكاد يغرب شفق إلا وقد إستحال إلى فجر صادق مما يفرض إنتاج فقه جديد في عبادات الصلاة والصيام سيما في شمال أروبا بما يتلاءم مع كلياتها المبثوثة في القرآن الكريم وفي صحيح السنة المعمول بها إجماعا ومع أحوال الناس في تلك المناطق
الصلاة : العبادة الوحيدة التي لا تسقط أبدا
لم يتشدد الإسلام في شيء من بعد تشدده في تحرير التوحيد الصافي من كل ضروب الشرك قدر الإمكان تشدده في الصلاة التي قال عنها أنها كتاب موقوت أي عهد موثق بين العبد وبين ربه سبحانه بتآقيت خاصة معروفة. تشدد الإسلام في شعيرة الصلاة لا يعني تشدده في تفاصيلها بل حتى في جزء مهم من تآقيتها جمعا وقصرا وجمعا بين الجمع وبين القصر بله طهاراتها وقبلتها مراعاة لحالات الحاجة والضرورة والجهل والغفلة وغير ذلك. منطقة العبادة الشعائرية هي المنطقة الثانية من حيث الأهمية في الشريعة الإسلامية أي بعد الحقل العقدي ولكن الصلاة في ذلك الحقل هي الفيصل إذ أخبرنا الصادق المصدوق عليه السلام أنها أول ملف يفتح في وجه المؤمن يوم القيامة في المحكمة التعقيبية العليا الأخيرة فإما صلحت الصلاة وينصلح بها ما بعدها على ما فيه من قصورات لا بد منها لإبن آدم وإما فسدت ويفسد بها ما بعدها على ما فيه من صلاحات وحزمات وجدات. الصلاة بالتعبير المعاصر هي التي تملك حق النقض الفيتو على ما يليها من العبادات فلا صلاح لأي عبادة حتى لو كان جهادا حقا مبرورا يتحرر به الناس من ربقات القهر والجور إلا بصلاحها هي ولذلك لم يأت الأمر بها إلا مقرونا بالإقامة كناية عن القوة والجد والعزم والحزم . لا تسقط عبادة الصلاة عن أي مؤمن ولا مؤمنة ما دام الوعي حاضرا حتى لو أدى الصلاة بقلبه أو برمش عينه أو بسبابته أو قاعدا أو متكئا أو جالسا أو لغير قبلة وهو يعلم غير مستطيع أو على غير طهارة أصلا وهو يعلم غير مستطيع. ما دام الوعي هنا فالصلاة معه قرنا مقرونا. لم؟ لأن المقصود الأول من الصلاة ليس هو سوى معانقة الذكر أي طرد الغفلة والهروع إليه سبحانه وفي الصلاة إستغفار وتوبة وتسبيح وتنزيه أي إنقطاع مقصود مؤقت عن الدنيا وفرار إلى الركن الركين الذي يمدّ عبده بالقوة اللازمة لمواصلة المسير. ليست الصلاة سوى محطة تزود بالوقود وهل هناك إمرئ ليس في حالة سفر في هذه الدنيا؟ يسقط الصوم وتسقط الزكاة ويسقط الحج ومثله الجهاد وحتى طلب العلم وواجبات أخرى كثيرة عن الناس أو بعضهم في حالات معروفة كالمرض والسفر والخوف ويؤجل كل ذلك ويقضى في أوقات الإستطاعة مهما بعدت ولكن الصلاة لا تسقط لمرة واحدة إلا جمعا أو قصرا أو جمعا بينهما أو ما يتخللها بالطبع من تيسيرات في طهاراتها وشروطها الأخرى بقدر الإستطاعة . ذلك هو معنى أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وأنها تملك حق النقض لما بعدها من واجبات وقربات وزلفات
حتى في ساحة الحرب والمواجهة المفتوحة بالذخيرة الحية شرع القرآن الكريم كيفية لصلاة الخوف تجمع بين حق الله بل هي حق النفس في الطهارة والزكاة وبين حق الإنسان في الدفاع عن نفسه والمستضعفين الذين لو نفذ إليهم العدو لافترسهم
القرآن الكريم يحدد زمان الصلاة والسنة تفصلها
لفرط جهل الناس بالقرآن الكريم وعزوفهم عنه فرارا إلى السنة بزعمهم فإن قليلا منهم من يعلم أن القرآن نفسه هو الذي وضع المعايير التأقيتية للصلاة وهي الأصل الذي لم تفعل السنة فيه سوى دورها أي البيان أو التبيين . قال تعالى :“ وأقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ". يعني أن النصف الثاني من اليوم هو المخصص للصلاة أما النصف الأول من اليوم فهو مخصص للضرب في الأرض بلسان القرآن أي طلب العيش والرزق والإنصراف إلى الكد والجد والعمل وطلب العلم وغير ذلك مما ينصرف الناس إليه. كما ذكر القرآن الكريم في مواضع كثيرة مسألة الذكر وخصص له زمنين أكد عليهما كثيرا وهما : قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. ذلك يعني مع ما فصلته السنة كما سيأتي في إبانه بحوله سبحانه أنه أكد على صلاة الفجر مرة أخرى لأنها مظنة تضييع وغفلة من الناس بسبب عسرة التغلب على شهوة النوم كما يعني ذلك أنه أرشد إلى أن إقامة الصلاة لدلوك الشمس له حد في مرحلته الأولى وهو غروب الشمس أي أنه على المؤمن أن يفرغ من صلاة دلوك الشمس قبل غروب الشمس. القرآن الكريم إذن يرسم تخوما ثلاثة للصلاة وهي حدود تأقيتية لا يمكن تجاوزها إلا غفلة أو نسيانا وليس إكراها لأن الإكراه يجبر بالصلاة على أي وضع كان كما تقدم ذكره آنفا فلا يعذر المكره حتى لو كان مكبلا بالحديد أن يتجاوز التخم المحدد أو الحد المرسوم وله بل عليه أن يقيم الصلاة في صدره أوبعينه أوبشفته أو بسبابته أو بأي وضع إستطاع ولا يعيد أصلا ذلك عندما يرفع عنه الإكراه. التخوم الثلاث التي رسمها القرآن قبل أن تفصلها السنة هي : الفجر ولا يحتاج أوله إلى قول لأنه يحمل في إسمه موضع زمنه أي الفجر ويكون تخمه الأعلى أو سقفه الأخير طلوع الشمس وبذلك يضمن المؤمن ذكر ربه في الوقت المحدد أي قبل طلوع الشمس. التخم الثاني هو دلوك الشمس الدلوك هو التحول والإنزلاق فبدلوك الشمس عن كبد السماء تكون صلاة الظهر ولم يعين القرآن الكريم لها وقتا أخيرا أو سقفا أبعد تمييزا لوقتها عن صلاة العصر كما ستفعل السنة مبينة بعد حين ولكن بتأكيده على الذكر قبل غروب الشمس أفاد بأن الصلاتين وخاصة العصر لها سقف محدد وتخم عال إسمه غروب الشمس. التخم الثالث الأخير الذي حدده القرآن الكريم تأقيتا لفريضة الصلاة هو غسق الليل وهو يجمع المغرب والعشاء. الغسق هو الظلمة وليس يعني شدته أو حلكته حتى يكون غسقا لأن الظلمة كلها غسق ولكن الكلمة تنصرف إلى المعنيين لمن أراد التمييز ولم يتردد القرآن الكريم في عبادة الصوم لإرشادنا إلى أن الليل مبدؤه غروب الشمس وبذلك تميز الليل عن النهار تأقيتا : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي إلى غروب الشمس فبغروب الشمس يحل الليل. تلك هي التخوم التأقيتية الثلاث المجملة التي عينها القرآن الكريم إذ هو مشغول دوما بالكليات والإجماليات وليس بالتفصيلات إلا في حالات قليلة جدا منها الحالة العائلية وما يتعلق بها نسبا وصهرا ومالا وغير ذلك
بيان السنة
ورد في الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام ظل يلازم محمدا عليه السلام من بعد الإسراء والمعراج أي من بعد حد الصلاة على هيئتها الأخيرة على إمتداد يومين كاملين ليرشده في اليوم الأول إلى أول وقت الفجر وذلك عندما بزغ الفجر الصادق ولما إندلكت الشمس عن كبد السماء قليلا يسمى في الفقه ظل الفيء أرشده إلى صلاة الظهر ولما إصفرت الشمس أو كان ظل كل شيء مثليه وعند بعضهم مع ظل الفيء أرشده إلى صلاة العصر وما إن غربت الشمس أي غاب قرصها أرشده إلى صلاة المغرب وما إن غاب الشفق الأحمر حتى أرشده إلى صلاة العشاء. ولما كان اليوم التالي جاءه إسفارا والشمس تتأهب للشروق فأرشده إلى صلاة الفجر ولما أصبح ظل كل شيء مثليه أرشده إلى صلاة الظهر ولما أوشكت الشمس على الغروب أرشده إلى صلاة العصر وقبيل غروب الشفق الأحمر أرشده إلى صلاة المغرب وبعد مرور هزيع طويل من الليل أرشده إلى صلاة العشاء ثم قال له : بين كل أمارتين صلاة. أي أن كل صلاة من الصلوات الخمس يكون وقتها بين ذينك الوقتين اللذين حددهما له عليهما السلام جميعا. سمى بعض الفقهاء بعد ذلك ذلك بوقت إختياري وآخر ضروري ولكنه ضبط فقهي فحسب وكذا يكون التدوين دوما ربما يساعد على الضبط ولكنه مع مرور الأيام يتحول إلى ما يشبه التشريع سيما مع إندياح الجهل بين الناس
نصيحتي لأهل أروبا العاملين وخاصة في التوقيت الشتوي
تقبل صدقات الله كما سماها عليه السلام أي يسره الثابت وعدم ركل ذلك لأنه ليس من الأدب في حقه سبحانه وهو يحب الأخذ برخصه كما يكره إتيان معاصيه سواء بسواء. من تلك الرخص المسح على الحذاء الذي يتنزل اليوم منزلة الخفين وليس الجوربين فحسب هما اللذين يتنزلان منزلة الخف لأن الخف في القديم هو الحذاء في الجديد وليس الجورب وخاصة لمن لا يسمح له بسبب العمل أو الدراسة أو غير ذلك من وقت كاف للوضوء أو لا يجد مثل ذلك متاحا أو فيه حرج وعنت وليس من الفقه أبدا أن يقال أنا مالكي مثلا أو غير ذلك في أرض لو وطأها الإمام مالك من جديد لكان له فيها بمثل ما كان للإمام الشافعي مذهب جديد ولم يكن بين العراق ومصر يومها ما هو اليوم بين أي بلاد عربية أو إسلامية وبين بلاد أروبية أو غيرها ومن كل الجوانب والعلماء يسمون المسح على الخفين معلوما من الدين بالضرورة. بل إن المسح كما هو ثابت في الفقه يكون على العمامة والخمار ولا داعي اليوم للعمامة لأنه لا وجود لها هنا ولكن الخمار تحتاج المرأة إلى المسح عليه سيما إذا كانت في مكان لا يمكنها فيه نزع خمارها وكل ذلك مشروط بطبيعة الحال بالشروط الفقهية المعروفة أي أن المسح لا يكون إلا من بعد لبس الحذاء والخمار على طهارة ويكون ذلك يوما وليلة للمقيم وثلاثا للمسافر ومن تجاوز مسافة القصر يعد مسافرا حتى لو كان منه ذلك كل يوم بل هو الأحق بذلك بسبب الحرج الذي يلقاه. مسافة القصر نفسها مختلف فيها وما وضعه الفقهاء أي زهاء ثمانين ميلا ليس إلا تقديرا فقهيا قديما والحقيقة أن التحقيقات الفقهية المؤصلة دلت كلها على أن المسافة أقل من ذلك بكثير بحسب ما روى بعض الصحابة الكبار من مثل إبن عباس وغيره والسفر لا يخضغ لمسافة في الأصل بل يخضع لعرف وليست المسافة إلا علامة. كما أن الجمع بين الظهر والعصر بالنسبة للعاملين الذين لا يجدون وقتا كافيا لكليهما أمر متاح بل أتاه عليه السلام مرتين على الأقل دون طروء أي حرج ولا عنت ولما سئل حبر الأمة عن ذلك قال أنه يريد أن ييسر على أمته. ومثله الجمع بين المغرب والعشاء بالنسبة للعامل الليلي الذي لا يجد وقتا لكليهما ولكن الأمر أوكد بالنسبة للظهر والعصر بسبب أن اليوم الشتوي في أروبا حتى في وسطها فضلا عن شمالها قصير جدا ولا يكاد المرء يصلي الظهر حتى يعاجله العصر ومن يغفل قليلا تغرب شمس يومه وهو لم يصل العصر وبذا يكون قد أحبط عمله لأنه ركل رخصة ربه أو نبذ اليسر. بل إن بعض الحالات التي يقدرها أصحابها العاملين ليلا أو نهارا تتيح لهم القصر أيضا بل جمعا بين القصر والجمع معا وكل منهم موكل إلى ربه ونيته وما عليه سوى أن يعلم رخصة ربه إليه ويسر دينه وشريعته عليه وهو من يقدر متى يجمع ومتى يقصر ومتى يجمع بينهما وغير ذلك.وما وضع الفقهاء من تقديم وتأخير في الجمع هو إجتهاد كذلك والعبرة هي بالتيسر على المصلي فإن كان التقديم أيسر له قدم وإن كان التأخير أيسر له أخر وليس هناك دليل على أفضلية هذا على ذاك ودوران المسألة على ما يتسنى للمصلي يسرا فحسب. بل إن بعض العاملين مثل سائقي الحافلات مثلا وغيرهم قد تضطرهم بعض الظروف وفي بعض الأحوال والأيام إلى أداء الصلاة جلوسا أمام مقود الحافلة بل ربما يكون في حالة سياقة. هذه ظروف قد لا تتكرر كل يوم وقد لا تتكرر مع كل عامل وسائق ولكن عند طروءها فلا بد من تقدير الموقف على أساس ألا تغرب الشمس إلا وفي يدي شهادة تدل على أني أديت الظهر والعصر سواء قصر أو جمعا أو جمعا بين القصر والجمع وسواء في إتجاه قبلة أو في غيرها عند الضرورات القاهرة وسواء كنت على طهارة مائية أو ترابية أو أمسح على حذائي أم لا أم على خماري أم لا . الله لا يريد الإنتقام منا ولكن يريد منا أن نظل على الصلاة محافظين قدر الإمكان قياسا على صلاة الخوف بل إن بعض حالات العمل في أ روبا تكون بمثل صلاة الخوف وأشد
وبمثل ذلك لا يشرق فجر جديد إلا وفي يدي شهادة تدل على أني أديت المغرب والعشاء . ليس معنى ذلك أني أتهاون أو أتقاعس ولكن معنى ذلك أن من تحول دونه ودون الأداء العادي للصلاة بسبب العمل أو الدراسة أو غير ذلك ظروف قاهرة فما عليه سوى أن يلجأ إلى الضرورات والحاجات لأنه في حالة إستثنائية ولا عبرة بالإستثناء ولو طال سنوات وعقودا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ذلك هو معنى أن للصلاة تخوما ثلاثة هي خطوط حمراء لا تتجاوز في كل الأحوال : تخم شروق الشمس بالنسبة لصلاة الفجر وتخم غروبها بالنسبة لصلاتي الظهر والعصر وتخم شروق الفجر وليس الشمس بالنسبة للمغرب والعشاء. وكما قال سبحانه تعقيبا على صلاة الخوف : فإذا إطمأننتم فأقيموا الصلاة. تلك حال الطمأنينة وليس الحديث هنا عن حال الطمأنينة التي يحرم منها كثير من عملة وموظفي وطلبة أروبا وخاصة في التوقيت الشتوي وبالنسبة لبعض الأعمال. فما حصل الإطمئنان فإقامة وأداء كما هو معروف بل في صلاة جماعة ومسجد وهذا لا يتاح لكل أحد هنا وكم من مصل يظل محروما من صلاة الجمعة في أروبا لشهور وسنوات فهل نحكم عليه وهو يصلي ذلك ظهرا بالنفاق؟ وما لم يحصل الإطمئان فاللجوء إلى رخص الله سبحانه ويسر شريعته. أما الصلاة قبل وقتها فلا يجوز أبدا وفي كل الأحوال إلا في صلاة الجمعة حيث قال الحنابلة بذلك للضرورة وقال المالكية بذلك تأخيرا إلى صلاة العصر للضرورة كذلك. بعض الناس يعمدون إلى صلاة الفجر مثلا قبل دخول وقته بساعة وأقل وأكثر ظنا منهم أن ذلك يجزئهم وهذا خطأ. الصحيح هو الإستعداد لذلك بالوضوء والمسح أو الطهارة الترابية لمن يعجز عن حبس وضوئه وأداء الصلاة قبل الشروق ولو مباشرا للسياقة مثلا وفي غير إتجاه القبلة قصدا أي حيث تدور الحافلة وبقدر ما يمكن من إيماء إلى السجود والركوع وغير ذلك. فلا تصلى أي صلاة قبل وقتها إلا ما كان مشتركا كالعصر مع الظهر أو العشاء مع المغرب. الفجر هو الذي لا يجمع مع غيره. بعض الناس كذلك يعمدون إلى تأخير الصلوات حتى خروج وقتها الأخير ثم يصلي كل ذلك في بيته عند رجوعه كأن يصلي العصر أو الظهر أو كليهما بعد الغروب بدعوى أنه على غير وضوء أو على غير قبلة أو في حالة عمل أو يفوت المغرب والعشاء حتى بزوغ الفجر. كل ذلك جهل يجب أن يصحح. لا تصلى أي صلاة قبل وقتها ولا بعد وقتها ولكن في الوقت هناك متسع كبير ورخصة في الجمع بين الجمع والقصر مع رخص الطهارة وغير ذلك إلا الفجر بطبيعة الحال. هي معاناة يومية أجد مرارتها وحرارتها كل يوم تقريبا من خلال أسئلة الناس هنا. ولكن المعاناة عندما تكون مسنودة بالعلم تتحول إلى عبادة لا غبار عليها بإذنه وحده سبحانه فلا تأثم ولا تحرج بل إن المطلوب هو وضع الحرج ونبذ العنت وليس إستقباله كما يفعل أكثر السائلين الحائرين الذين ربما تزيد حيرتهم عندما يوجهون السؤال إلى خليجي أو عربي لم تطأ قدماه يوما أرض أروبا فهو لا يعلم عن تغير الفتاوى والأحكام الظنية شيئا ولا يجد من المعاناة اليومية هنا شيئا فأنى له أن يفتي لأرض أخرى وظروف أخرى وأنى للسائل أن يتوجه إليه هو أصلا ولكنه الجهل من الطرفين والعياذ بالله
الخلاصة
بين إتجاهي الحرج الموضوع شرعا بنصوص كثيرة صحيحة صريحة من القرآن الكريم نفسه مباشرة والتسيب سيما فيما يتعلق بشعار الإسلام وفريضته الكبرى وعماده الأول و( حق النقض ) فيه يوم القيامة أي الصلاة .. بين ذينك الإتجاهين هناك طريق ثالث رسمه القرآن الكريم نفسه وبينه رسوله عليه السلام وأكده حبر الأمة وفقهاؤها من مثل إبن مسعود ومعاذ وغيرهم كثيرون لا يكادون يحصون وسارت عليه الأمة. الطريق الثالث الأوسط العدل الذي يحبه سبحانه هو طريق التوازن بين الإفراط في تحريج النفس وربما يعود هذا في اروبا على الناس بتضييع مصالحهم حتى لو كانوا كفارا ولا عبرة بالدين هنا وطريق التحريج يبدأ بالتأثم ثم ينتهي تجربة إما بالإنخراط في مسالك التطرف والعنف والإرهاب أو بالإنخراط في طريق التسيب وبين التفريط في عماد الدين الأسّ أي المعراج الروحي اليومي الذي يزود السالك بالوقود اللازم لمواصلة السير. هو طريق الأخذ بالرخص الصحيحة في الطهارات من مثل المسح على الحذاء بديلا عن الخف الذي لم يعد له وجود بل إن الخف هو الحذاء بل إنه كان يصلي عليه الصلاة و السلام وصحابته بالأحذية والخفاف إلا في حادثة واحدة نبهه جبريل عليه السلام إلى وجود نجاسة في حذائه هو وليس في أحذيتهم هم ومن مثل المسح على الخمار بالشروط المعروفة طبعا ومن مثل إعتماد رخصة السفر للقصر والجمع أي الجمع بينهما معا حتى مع إعتماد مسافة الفراسخ الأربعة أي زهاء ثمانين ميلا كلم لمن لم يقدر على إستيعاب يسر الإسلام كما رواه إبن عباس عليه الرضوان وربما يكون معذورا بسبب أن الإنسان صنيعة بيئة والبيئة كانت دوما ميالة إلى التشدد في غير محله إذ أن الفقه التقليدي نفسه متشدد في الجملة كما دونه كثير منهم بل إنه متشدد في الصغائر ومتساهل في الكبائر كما يأتي في فقرة أخيرة. وغير ذلك من الرخص التي لا يمكن إحصاؤها ولكن تثيرها الأسئلة. ربما يكون هذا مقصورا على فصل الشتاء في اروبا وخاصة وسطها وشمالها وعلى العاملين الذين لا يتمكنون من أداء صلواتهم والمحافظة عليها بما يرضيه سبحانه
هذه مناطق التشدد لمن أراد التشدد
بمثل قولي أن الإسلام دين اليسر في الصغائر وما يتعلق بالشخص في عباداته فإن الإسلام متشدد كل التشدد في المحكمات القطعيات العظمى المتعلقة بالأمة من مثل وحدتها وإحتلال أرضها والمقاومة حتى الموت الحقيقي لا المجازي في سبيل كرامة الإنسان مهما كان دينه ولونه وعرقه وأصله وفي سبيل تحرير الوطن المحتل وفي سبيل تحرير الناس من آصار الإستبداد السياسي والقهر المالي والجور الدولي ومعاملة الأمة أنها قطيع يساق ويعلف أو متاع موروث لا حق له في إختيار خدامه وفي سبيل قطف العلم ونشره وبثه وتعليمه وفي سبيل تشييد أسرة إسلامية متوازنة غير معرضة للطلاق ويسودها الإستقرار وتبادل الحقوق الزوجية وفي سبيل توحيد الصف بدءا باللبنات الأولى فما يليها وفي سبيل إدارة الشورى الديمقراطية في كل المساحات من الأسرة حتى الحكومة والدولة وفي سبيل إمتلاك نواصي الحديد الذي يجعل الحياة راقية مزدهرة متحضرة متمدنة ويقي العدوان. تلك هي المحكمات العظمى والمعاقد القطعية التي يجب على المتشددين أن يتشددوا فيها وهو تشدد مطلوب لأن الإسلام تشدد فيها تشددا عجيبا. أما الذين يتشددون فيما رخص فيه الإسلام ويعملون في الآن نفسه على تفريق صف الأمة وهو مفرق بالتنظيمات الكلامية والفقهية والفكرية والحزبية أو على خرق كرامة الإنسان المخالف لهم وغير ذلك .. هؤلاء في أبنيتهم الشخصية إخلالات كبيرة وغائرة أو أنهم لم يفقهوا بعدُ تركيبة الشريعة في مختلف مستوياتها
والله أعلم
الهادي بريك ألمانيا
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.