السجن 11 سنة لرضا شرف الدين و10 سنوات مع النفاذ العاجل للرئيس السابق للاتحاد المنستيري    ردّ بالك تنسى قراءة آخر آيتين من سورة البقرة...يكفيوك من كل شر ويحميك من المكروه    وزير التشغيل يؤدي زيارة غير مُعلنة للوحدة الجهوية للمبيت والمطعم بأريانة    تأجيل محاكمة وديع الجريء ومن معه لجلسة 2 أفريل    القصرين: حجز حلويات رمضانيّة مُعدّة بملوّنات منتهية الصلوحية ومشروبات غازية غير آمنة    عاجل/ استهداف ناقلة نفط أمريكية في مياه الخليج بصاروخ..    عاجل: رجوع الأمطار؟ تقلبات جوية قوية منتظرة في شمال إفريقيا    وزارة الصحة: أمراض الكلى أصبحت من أبرز تحديات الصحة العمومية    حقائق الحرب الأمريكية الإيرانية    المروج 6: العثور على فتاة مصابة بكسور خطيرة ونقلها إلى المستشفى    الزهروني: إيقاف عنصر إجرامي خطير محل أكثر من 70 منشور تفتيش    بعد 86 مباراة مع المنتخب.. نعيم السليتي يعتزل اللعب دوليا    ضباب محليا كثيف الليلة وصباح غد الجمعة يتسبب في انخفاض مدى الرؤية الأفقية    سرق مصوغها ولما تفطّنت له خنقها حتى الموت ...الإعدام شنقًا لقاتل عمته.. بسيدي حسين    بعد حجز 37 كلغ من الكوكايين و11 ألف قرص مخدّر ... أسرار جديدة عن شبكات المخدّرات في تونس    دار الشباب البحاير حمام سوسة ..تواصل المشروع التنشيطي: «خطوة بخطوة نحو كوكب يتنفّس»    لمطة .. نسخة مميزة من: «ليالي رمضان»    بنزرت: وفاة شخص وإصابة 3 آخرين في اصطدام بين سيارة وشاحنة خفيفة    ذكريات رمضان فات ... اللمّة    الدورة الثالثة لمهرجان الطائرات الورقية    عاجل/ هذا ما قرره القضاء في حق سيف الدين مخلوف..    مع الشروق : السوق والأسعار .. خارج سيطرة الدولة!    كرة اليد: المنتخب التونسي لاقل من 21 عاما يشارك في دورة دولية بفرنسا    بعد التقلبات المسائية: كيف سيكون الطقس هذه الليلة؟    أريانة: رفع أكثر من 1140 مخالفة إقتصادية منذ مطلع شهر رمضان    شنّوة حقيقة وفاة هاني شاكر؟    رئاسة الحكومة: إحالة مشروع النظام الخاص بالعمد على مصالح وزارة الداخلية    بطولة النخبة لكرة اليد: برنامج الجولة الرابعة من مرحلة التتويج    سفارة تونس بالدوحة: منح التونسيين العالقين تأشيرات عبور اضطرارية لدخول السعودية    البريد التونسي: امكانية سحب المنتفعين بالبرنامج الوطني لمساعدة العائلات المعوزة ومحدودة الدخل مبالغ حوالاتهم بداية من اليوم الخميس    تحديد قيمة زكاة الفطر لسنة 2026 ب2000مليم (مفتي الجمهورية)    خطير: شوف كي تأكل بزربة وقت الإفطار شنّوة ينجم يصيرلك؟    مجتبى خامنئي يتحدث عن فتح جبهات جديدة ويتوجه برسالة إلى جبهة المقاومة    عاجل/ يهم التونسيين الراغبين في الذهاب الى الجزائر برا..بشرى سارة..    هلال شوال 1447 ه: استحالة الرؤية الأربعاء وإمكانية الرصد الخميس 19 مارس    ''الشخير '': 5 علامات لازم تخليك تمشي للطبيب    عقوبات الرابطة: توبيخ وخطية لإتحاد بن قردان    الأهلي المصري: قائمة اللاعبين المدعوين لمواجهة الترجي الرياضي    لاريجاني: المنطقة "ستغرق في الظلام" خلال 30 دقيقة في حال تدمير منظومة الطاقة الإيرانية    إيقاف لاعبين مدى الحياة في الدوري الأمريكي    وقتاش يرجع رونالدو للسعودية ؟    الجمعية التونسية لطب الكلى تنظم الأبواب المفتوحة حول التحسيس بأمراض الكلى    السلطات الإيرانية تعلن عن مقتل 33 طالبا جامعيا على الأقل نتيجة العدوان الأمريكي الإسرائيلي    عاجل : قضية ضد شيرين ...المحامي يكشف هذه المعطيات    عاجل/ استهداف مطار الكويت بمسيّرات..    "مساء اليوم الخميس ... رمضانيات بيت الشعر التونسي تختتم فعالياتها بالاحتفاء باليوم العربي والعالمي للشعر    تظاهرة "رمضان يجمعنا ورياضة تحفزنا" ببوعرادة يوم الاثنين 16 مارس 2026    التبييض العشوائي للأسنان: غلق مراكز غير مؤهلة وإحالة ملفات للقضاء    دراسة : فوائد كبيرة للوز لهؤلاء    وينوا السكر ؟ : وزارة التجارة تطمئن التوانسة    الكويت: خروج 6 خطوط هوائية لنقل الطاقة الكهربائية عن الخدمة    المنتخب التونسي - لاعب كارلسروه الالماني لؤي بن فرحات ضمن قائمة صبري اللموشي في التربص القادم    عاجل/ الاحتفاظ بتلاميذ أضرموا النار في مكتبيْن بهذا المعهد..وهذه التفاصيل..    للحماية والطمأنينة.. أدعية فى العشر الأواخر من رمضان    المصادقة على استثمارات فلاحية خاصة بحوالي 548 مليون دينار لكامل سنة 2025    كسر وجروح.. تفاصيل إصابة مجتبى خامنئي    منوبة: حجز 111 قنطارا من الفارينة المدعّمة بمخبزة في وادي الليل من أجل الإخلال بتراتيب الدعم    "ناس الغيوان" تغني للإنسان والقضايا العادلة على ركح مسرح أوبرا تونس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصول من كتاب الوَهَن
نشر في الحوار نت يوم 15 - 09 - 2009

حينما يستقبل نتنياهو في القاهرة، رغم كل ما يمثله في الذاكرة وما تمارسه حكومته على الأرض، فإن ذلك يستدعي سؤالا كبيرا هو: هل نحن جادون حقا في التعامل مع الملف الفلسطيني أم أننا هازلون؟
(1)
في الأسبوع الماضي أجل وزير خارجية تركيا زيارة عمل لإسرائيل، احتجاجا منه على رفضها الاستجابة لطلبه زيارة قطاع غزة عبر معبر «أرينز».
في الوقت ذاته ألغى وزير خارجية السويد زيارة كانت مرتبة لإسرائيل، احتجاجا على الحملة التي شنتها على بلاده، عقب نشر تقرير صحفي في إحدى الصحف السويدية، فضح ضلوع عناصر من الجيش الإسرائيلي في تجارة الأعضاء البشرية التي ينتزعونها من أجساد الفلسطينيين.
أن يطالع المرء مثل هذه الأخبار، ثم بعدها بأيام يفاجأ بزيارة يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي للقاهرة (في 13/9) فإنه لا يستطيع أن يكتم شعوره بالدهشة.
ليس فقط حين يقارن «التسامح» المصري مع موقف الوزيرين التركي والسويدي إزاء فجاجة السلوك الإسرائيلي، ولكن أيضا حين يعجز عن أن يجد نقطة لقاء مشترك بين مصر وإسرائيل في الوقت الراهن.
ذلك أن الباحث المحايد إذا ما استعرض السياسات والممارسات الإسرائيلية إزاء فلسطين بل وإزاء مصر أيضا، فإنه يخلص إلى أنها تتضمن من عناصر الاستفزاز والتحدي ما يفترض غلق أبواب مصر في وجوه القادة الإسرائيليين، ويصبح الاعتذار عن عدم استقبال أي منهم هو أضعف الإيمان، أما حين يحدث العكس، بحيث تواصل إسرائيل عربدتها واستفزازها وإهاناتها، ثم يستقبل رئيس وزرائها في مصر، فذلك مما يتعذر فهمه وتفسيره، فضلا عن أنه يغدو من أعجب العجائب.
إن السيد نتنياهو الذي استقبلناه هو من يرفض السلام مع الفلسطينيين، ويتحدث فقط عن سلام اقتصادي، وكأن فلسطين حظيرة ماشية وليست وطنا.
وحين «يتسامح»، فإنه لا يمانع في إقامة دولة فلسطينية شريطة أن تكون منزوعة السلاح ومعترفة بيهودية الدولة الإسرائيلية، الأمر الذي يترتب عليه طرد عرب 48 الذين لا يزالون يقيمون وراء ما سمي بالخط الأخضر، وحكومته الحالية مندفعة في التوسع الاستيطاني بالضفة الغربية، وماضية في بيع أراضي الفلسطينيين الغائبين إلى من يريد الشراء من يهود العالم، متحدية بذلك كل القوانين والأحكام والأعراف التي تمنع التصرف في ملكية الأراضي المحتلة.
وهي أيضا مستمرة في تهويد القدس وطرد سكانها الفلسطينيين من بيوتهم وتسليم تلك البيوت للمستوطنين، وإلى جانب تمسكها بحصار غزة وتجويع أهلها ومنع إعمارها، فإن طائراتها لم تتوقف عن قصف حدود مصر مع القطاع بدعوى تدمير الأنفاق، في انتهاك صريح لمعاهدة السلام بين البلدين، التي نصت على أن الحدود مصونة لا تمس... إلخ.
كل بند في هذه القائمة كفيل بأن يغضب القاهرة، ويدفعها إلى الاحتجاج ورفض استقبال القادة والمبعوثين الإسرائيليين، ما لم يغيروا من سياساتهم ويتوقفوا عن ممارساتهم العدوانية، فما بالك بالبنود إذا تعددت واجتمعت؟
صحيح أن القاهرة عبرت عن استيائها من بعض الممارسات -التوسعات الاستيطانية بوجه أخص- لكنها بدلا من أن تترجم ذلك الاستياء إلى أي إجراء حازم من قبيل رفض استقبال الرسميين الإسرائيليين أو الضغط بورقة العلاقات، فإنها دعت الولايات المتحدة إلى التصرف بحزم تجاه الإسرائيليين، ووقفت متفرجة على ما يجري، شأنها في ذلك شأن بقية عواصم العرب.
(2)
في العشرين من شهر أغسطس/ آب الماضي، نشرت «لوس أنجلس تايمز» مقالا بعنوان «قاطعوا إسرائيل»، كتبه أستاذ جامعي إسرائيلي هو نئيف غوردون، وبنى دعوته إلى المقاطعة على أساس أن إسرائيل دولة تطبق نظاما عنصريا فظا، يضاهي النظام العنصري الذي عرفته جنوب أفريقيا إن لم يزد عليه.
وخلص إلى أنه لم يعد هناك سبيل لهزيمة ذلك النظام إلا بمقاطعة عالمية واسعة تفضح عنصرية إسرائيل وتضغط عليها، تماما كما حدث مع النظام البائد في جنوب أفريقيا.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها هذه الدعوة في الغرب، فقد شهدت إنجلترا عام 2002 حملة قادها بعض الأكاديميين لوقف العلاقات الثقافية والأكاديمية مع إسرائيل.
وفي عام 2005 قررت جمعية العلميين الإنجليز مقاطعة جامعتين إسرائيليتين لتأييدهما للاحتلال. وهو الموقف ذاته الذي تبناه اتحاد الجامعات البريطانية عام 2007.
وفي الولايات المتحدة قررت الكنيسة المشيخية (وهي أكبر الكنائس وأهمها في أميركا) سحب استثماراتها الضخمة من إسرائيل عام 2006 بعدما ارتفعت الأصوات في داخلها معتبرة تلك الاستثمارات دعما للاحتلال والاستيطان.
في الأسبوع الماضي واجهت مصر موقفا كاشفا في هذا السياق. إذ قرر مهرجان تورنتو السينمائي إهداء دورته الحالية لمدينة تل أبيب في الذكرى المئوية لإنشائها، بدعوى أنها مدينة تجسد التنوع الثقافي.
ورغم كذب الادعاءين فإن ما يهمنا في الأمر أن بعض الفنانين الغربيين الشرفاء قرروا مقاطعة المهرجان، وأعلنوا أنه يحتفل بمدينة بنيت على العنف ويتجاهل دورها الوحشي في تشريد آلاف الفلسطينيين من بلدهم.
فسحب المخرج الكندي جون نجريسون فيلما كان مقررا عرضه بالمهرجان، وتضامن معه في ذلك مخرج آخر هو كين لوتش. من الذين قاطعوا المهرجان أيضا جين فوندا ودافي جلوفر والمؤلفة ناعومي كلاين.
وهؤلاء احتجوا في موقفهم الذي أعلنوه بأن إدارة المهرجان متهمة بالانحياز إلى إسرائيل، كما أصدر 50 مخرجا وكاتبا كنديا بيانا اعتبروا فيه إدارة المهرجان متواطئة مع آلة الرعاية الإسرائيلية.
هذه الملابسات وضعت المخرجين المصريين الذين رغبوا في عرض أفلامهم بالمهرجان في موقف حرج، لكنهم لجؤوا إلى حل وسط، فقرر بعضهم الالتفاف على المشاركة من خلال التوقيع على بيان المخرجين والكتاب الكنديين، وفي الوقت نفسه، أرسلوا أفلامهم لكي تعرض في مهرجان تورنتو، وكانت حجتهم التي أعلنوها في الصحف أنهم رفضوا ترك الساحة لإسرائيل لكي تستعرض فنونها.
لقد ذهبنا إلى تورنتو في حين قاطع مهرجانها عدد من كبار الفنانين الغربيين، الأمر الذي وضعنا أمام مفارقة فضحتنا، وجددت السؤال: هل نحن جادون أم هازلون في التعبير عن الاحتجاج والغضب؟ وهذه المفارقة تتضاعف حين تلاحظ أن أصوات مقاطعة إسرائيل تتردد في الغرب، في حين أن بعضنا يحتال عليها في العالم العربي، لحسابات صغيرة للغاية، مثل دعوة موسيقار إسرائيلي إلى مصر وترجمة بعض الكتابات العبرية إلى العربية، لاسترضاء إسرائيل وحثها على التصويت لوزير الثقافة فاروق حسني في سعيه للفوز برئاسة منظمة اليونيسكو.
وأسوأ من ذلك وأغرب أن تساق بعض الدول العربية إلى التطبيع التدريجي مع إسرائيل، استجابة لخدعة تتذرع بمكافأتها على التجميد المؤقت للاستيطان.
(3)
في العشرين من شهر أغسطس/ آب الماضي، نشرت «لوس أنجلس تايمز» مقالا بعنوان «قاطعوا إسرائيل»، كتبه أستاذ جامعي إسرائيلي هو نئيف غوردون، وبنى دعوته إلى المقاطعة على أساس أن إسرائيل دولة تطبق نظاما عنصريا فظا، يضاهي النظام العنصري الذي عرفته جنوب أفريقيا إن لم يزد عليه.
وخلص إلى أنه لم يعد هناك سبيل لهزيمة ذلك النظام إلا بمقاطعة عالمية واسعة تفضح عنصرية إسرائيل وتضغط عليها، تماما كما حدث مع النظام البائد في جنوب أفريقيا.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها هذه الدعوة في الغرب، فقد شهدت إنجلترا عام 2002 حملة قادها بعض الأكاديميين لوقف العلاقات الثقافية والأكاديمية مع إسرائيل.
وفي عام 2005 قررت جمعية العلميين الإنجليز مقاطعة جامعتين إسرائيليتين لتأييدهما للاحتلال. وهو الموقف ذاته الذي تبناه اتحاد الجامعات البريطانية عام 2007.
وفي الولايات المتحدة قررت الكنيسة المشيخية (وهي أكبر الكنائس وأهمها في أميركا) سحب استثماراتها الضخمة من إسرائيل عام 2006 بعدما ارتفعت الأصوات في داخلها معتبرة تلك الاستثمارات دعما للاحتلال والاستيطان.
في الأسبوع الماضي واجهت مصر موقفا كاشفا في هذا السياق. إذ قرر مهرجان تورنتو السينمائي إهداء دورته الحالية لمدينة تل أبيب في الذكرى المئوية لإنشائها، بدعوى أنها مدينة تجسد التنوع الثقافي.
ورغم كذب الادعاءين فإن ما يهمنا في الأمر أن بعض الفنانين الغربيين الشرفاء قرروا مقاطعة المهرجان، وأعلنوا أنه يحتفل بمدينة بنيت على العنف ويتجاهل دورها الوحشي في تشريد آلاف الفلسطينيين من بلدهم.
فسحب المخرج الكندي جون نجريسون فيلما كان مقررا عرضه بالمهرجان، وتضامن معه في ذلك مخرج آخر هو كين لوتش. من الذين قاطعوا المهرجان أيضا جين فوندا ودافي جلوفر والمؤلفة ناعومي كلاين.
وهؤلاء احتجوا في موقفهم الذي أعلنوه بأن إدارة المهرجان متهمة بالانحياز إلى إسرائيل، كما أصدر 50 مخرجا وكاتبا كنديا بيانا اعتبروا فيه إدارة المهرجان متواطئة مع آلة الرعاية الإسرائيلية.
هذه الملابسات وضعت المخرجين المصريين الذين رغبوا في عرض أفلامهم بالمهرجان في موقف حرج، لكنهم لجؤوا إلى حل وسط، فقرر بعضهم الالتفاف على المشاركة من خلال التوقيع على بيان المخرجين والكتاب الكنديين، وفي الوقت نفسه، أرسلوا أفلامهم لكي تعرض في مهرجان تورنتو، وكانت حجتهم التي أعلنوها في الصحف أنهم رفضوا ترك الساحة لإسرائيل لكي تستعرض فنونها.
لقد ذهبنا إلى تورنتو في حين قاطع مهرجانها عدد من كبار الفنانين الغربيين، الأمر الذي وضعنا أمام مفارقة فضحتنا، وجددت السؤال: هل نحن جادون أم هازلون في التعبير عن الاحتجاج والغضب؟ وهذه المفارقة تتضاعف حين تلاحظ أن أصوات مقاطعة إسرائيل تتردد في الغرب، في حين أن بعضنا يحتال عليها في العالم العربي، لحسابات صغيرة للغاية، مثل دعوة موسيقار إسرائيلي إلى مصر وترجمة بعض الكتابات العبرية إلى العربية، لاسترضاء إسرائيل وحثها على التصويت لوزير الثقافة فاروق حسني في سعيه للفوز برئاسة منظمة اليونيسكو.
وأسوأ من ذلك وأغرب أن تساق بعض الدول العربية إلى التطبيع التدريجي مع إسرائيل، استجابة لخدعة تتذرع بمكافأتها على التجميد المؤقت للاستيطان.
(3)

تطول القائمة إذا ما تتبعنا صفحات سجل الوهن والاستخذاء، لذا سأقف أمام صفحتين اثنتين فقط.
في عام 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي حكما تاريخيا قضى ببطلان إقامة جدار الفصل العنصري الذي شرعت إسرائيل في بنائه.
واعتبر هذا القرار أهم وثيقة قانونية في الشأن الفلسطيني منذ صدور وعد بلفور. إذ أكد أن الحقوق الوطنية التي يطالب بها الفلسطينيون غير قابلة للتصرف، وأكد قرارات الأمم المتحدة السابقة، واعتبر الاحتلال غير مشروع، وبنى على ذلك قرارا بوجوب إزالة الحاجز وتعويض المتضررين منه.
وقد صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار، بحيث أصبح ورقة ضغط بالغة الأهمية، تستطيع الدول العربية استخدامها لفضح ووقف المخططات الإسرائيلية الوحشية وإحراج تل أبيب أمام الرأي العالمي، لكن الدول العربية لم تكترث بالقرار، وتعاملت معه بدرجة مذهلة من عدم المبالاة.
الورقة الثانية تتمثل في التقرير الذي قدمته اللجنة الدولية لتقصي حقائق العدوان الإسرائيلي على غزة الذي وقع في بداية العام الحالي (2009).
وكانت الجامعة العربية قد كلفت اللجنة بهذه المهمة في شهر فبراير الماضي، بعدما شكلتها من ستة شخصيات عالمية، أغلبهم من كبار رجال القانون.
ورأس اللجنة البروفسور جون دوغارد من جنوب أفريقيا، وضمت أعضاء من هولندا والنرويج وشيلي والبرتغال وأستراليا.
زارت اللجنة غزة، ورفضت الحكومة الإسرائيلية استقبالها، لكنها تمكنت من تقصي جميع حقائق ما جرى، ثم أعدت تقريرا من 250 صفحة قدمته إلى الجامعة العربية في 30 أبريل/ نيسان الماضي.
وتضمن التقرير وصفا للوقائع وتحليلها، وتقييما قانونيا لها، وخلص إلى مجموعة من التوصيات والإجراءات الواجب اتخاذها في مواجهة إسرائيل.
أثبت التقرير ارتكاب إسرائيل قائمة طويلة من جرائم الحرب، إضافة إلى اتهامها بالإبادة الجماعية للفلسطينيين، وقدم 13 توصية للجامعة العربية، دعت إلى عرض الأمر على محكمة العدل الدولية، ومطالبة مجلس الأمن بإحالة ملف الوقائع إلى المحكمة الجنائية الدولية، ودعت التوصيات الجامعة العربية أيضا إلى حث دولها الأعضاء على اتخاذ إجراءات الملاحقة القانونية ضد المسؤولين الإسرائيليين الضالعين في جرائم الحرب التي ارتكبت والإبادة الجماعية التي تمت.
إلى جانب ذلك، دعا مجلس أبحاث العلوم الإنسانية في جنوب أفريقيا إلى مؤتمر عقد في شهر مايو/ أيار الماضي بمدينة كيب تاون، شهده عدد كبير من أبرز الخبراء، لدراسة الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وموقف القانون الدولي منها. وأصدر المجلس تقريرا إضافيا في 300 صفحة من القطع الكبير، فضح فيه تلك الممارسات وأدانها.

هذا العمل الجاد لم يحرك شيئا لا في الجامعة العربية ولا في أي عاصمة عربية أخرى، رغم أن الخلاصات التي انتهى إليها إذا أخذت على محمل الجد، كان يمكن أن تهدم السمعة الأخلاقية، فضلا عن السياسية للدولة العبرية، كما كان يمكن أن تستدعي مجرمي الحرب الدوليين إلى القضاء الجنائي في أي دولة أوروبية، بل أمام المحاكم الفلسطينية أيضا.
(4)
أحسب أن ما تقدم يجيب عن السؤال: هل نحن جادون أم هازلون؟ حيث تشير مختلف القرائن إلى أنه ليس هناك ما يدل على الجدية أو يؤيدها في السلوك العربي. وكل ما نشاهده من اجتماعات وبيانات لا يزيد على كونه جري يمثل مراوحة في ذات المكان، لم تسفر عن تقدم يذكر لأي خطوة إلى الأمام.
إن شئت فقل إنه استسلام لمنطق إدارة الخد الأيسر إزاء كل صفعة تضرب الخد الأيمن. وفي أحسن فروضه فإنه يعد استغراقا في «التكتيك» وتغييبا للإستراتيجية.
هذه الخلاصة تستدعي سؤالا آخر هو: هل هذا الحاصل في العالم العربي تعبير عن عجز وعدم قدرة، أم أنه تعبير عن عدم الرغبة؟
لا أستطيع أن أسلم بالعجز العربي، وأقبل وصفه بالضعف فقط، لأن العالم العربي يملك أوراقا كثيرة كتلك التي مررنا بها، كما تتوفر له أسباب القوة التي لا تحتاج إلا إلى إرادة لاستثمارها واستنهاضها.
لذلك أزعم أننا إذا أردنا أن نتصارح وأن نتجنب الكذب في الشهر الفضيل، فلا مفر من الاعتراف بأن مشكلتنا الحقيقية تكمن في غياب الإرادة، الأمر الذي يعني أننا بصدد حالة من عدم الرغبة وليس عدم القدرة.
وإذا جاز لي أن استمر في الاعتراف والمصارحة، فإنني لا أتردد في القول إننا في مصر عشنا ثلاثة أطوار للقضية، طور الدفاع عنها بالانحياز للمقاومة وإشهار اللاءات الثلاثة في الستينيات، ثم طور التخلي عن القضية بمعاهدة كامب ديفد في السبعينيات والثمانينيات، وأخيرا طور تصفيتها وبدء إغلاق ملفها منذ التسعينيات، وهو تقدير أسأل الله تعالى أن تكذبه الأيام بحيث يعد تعبيرا عن الإحباط أكثر منه تصويرا للحقيقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.