تأجيل النظر في قضية خلّية التحريض على اغتيال الشهيد بلعيد    أرقام صادمة عن التجارة الإلكترونية في تونس    اتحاد مرشدي السياحة: "الزيادات المفاجئة في رسوم الدخول الى المتاحف تُحمّلنا كلفة عقودنا مع الأجانب"    تركيا: مقتل 3 أشخاص بإطلاق نار قرب قنصلية الكيان المحتل في إسطنبول    ماسنجر باش يسكّر قريباً.. أفضل 5 بدائل يمكنك استخدامها    صراع فرنسي على بن حسن... والنجم الساحلي يرفع سقف المطالب    من تبرسق إلى العالمية... إياد بوريو بطل تونسي يُبهر العالم!    حي النصر: إيقاف مروّج مخدرات حاول الاعتداء على أعوان أمن بسلاح أبيض وغاز مشل للحركة    سبادري TN الأسطوري : علاش غالي وعلاش يحبوه ؟    صفاقس تحتفي بالرياضة بإطلاق مجمّع ON'Sport الجديد وتنظيم حدث "LEGENDS DAY"    ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور منذ بداية السنة وإلى غاية 5 أفريل الجاري    تفعيل مجلس الصحافة في تونس محور حلقة نقاش بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار    قريبا: إضافة الرئة والأمعاء والبنكرياس...في عمليات الزرع    باجة: تنظيم اول دورة لمهرجان العلوم يومي 11 و12 افريل بمشاركة 25 مدرسة ابتدائية    في بالك... أكياس الشاي عندها فايدة كبيرة في دارك    ما عادش الدجاج الكل يتقصّ: 15 % أكهو...كيفاش؟!    النادي الإفريقي: الخلافات تُنهي مشوار أحد الأجانب مع الفريق    رسميا: إلغاء مواجهة النادي الإفريقي والنجم الساحلي    سفارة تونس ببروكسال تنظم تظاهرة اقتصادية للترويج للاستثمار التونسي وزيت الزيتون    قبلي: تواصل الاستعدادات لانجاح اختبارات نهاية السنة في مادة التربية البدنية لتلاميذ البكالوريا    الحماية المدنية: 600 تدخل خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية    فتح باب الترشح للمشاركة في عروض الدورة 38 للمهرجان الدولي بنابل    ناسا تدرج الكسكسي ضمن وجبات مهمة في رحلتها إلى القمر    كأس حليب كل يوم... شنّوة يعمل لبدنك؟    اليوم النجم يواجه الترجي... ماتش نار في حمام سوسة...وقتاش؟    عاجل-خبير يفسّر: أجواء ماي وجوان في أفريل... الحرارة تفاجئ التوانسة    قفصة: تلميذة تضرم النار في جسدها داخل المعهد    عاجل/ تقارير استخباراتية تكشف معطيات جديدة عن وضعية المرشد الأعلى الإيراني وسبب اختفائه..!    قصف أكبر مجمع صناعي في السعودية وتعليق العبور على جسر رئيسي    بطولة مونزا للتنس : معز الشرقي يودع المنافسات منذ الدور الاول بخسارته امام السويسري ريمون بيرتولا    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    شنوّة صاير اليوم؟ إضراب يشلّ الإعدادي والثانوي    عاجل: قيس سعيّد يعاين إخلالات خطيرة وإهدارًا للمال العام بالمنستير    رئيس نقابة الفلاحين: أسعار الأضاحي يمكن أن تتراوح بين 800 د وتصل إلى مستويات أعلى بكثير    "أرتميس 2" تبدأ رحلة العودة إلى الأرض بعد إنجاز تاريخي حول القمر    حرب إيران.. ترمب يجدد تهديد إيران والقصف المتبادل يحتدم    تحرك في الكونغرس لعزل وزير الدفاع ودعوة لتفعيل التعديل 25 ضد ترامب    مجلس الدولة الليبي يرفض أي تسوية تخالف الاتفاق السياسي    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    حلم دام 30 سنة بصفاقس ...جمعية «الرفيق» للأطفال فاقدي السند تدشّن مقرها الجديد    الفنّانة التشكيلية «ملاك بن أحمد» ... تقتحم مناخات الحلم بفرشاة ترمّم جراحات الروح وبقايا الألم    البطلة جنى بالخير، سفيرة المعرفة، تفوز بالكأس في البطولة الدولية للحساب الذهني بتركيا    تعديل في نظام المراقبة المستمرّة    الخميس 09 أفريل الجاري ... وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية تنظم يوما تطوعيا لتنظيف وصيانة الموقع الاثري بأوتيك    الدورة 34 من الأيام الوطنيّة للمطالعة والمعلومات من 15 أفريل إلى 15 ماي 2026    البنك المركزي: إرتفاع عائدات العمل المتراكمة بنسبة 6،5%    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    فتح مناظرات الدخول لمدارس المهندسين 2026-2027...سجّل قبل هذا التاريخ    شنوّا أفضل لصحتك؟: التنّ بالماء ولّا بالزيت؟    شوف شنوا ينجم يفيدك قشور الليمون والفلفل في كوجينتك!    عاجل-شوف منين تشري: تذاكر الترجي ضد صان داونز موجودة عبر هذا الرابط    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل ستمكن المحنة المشروع السياسي الإسلامي وتنهي المشروع العلماني في تونس
نشر في الحوار نت يوم 21 - 02 - 2010


بسم الله الرحمن الرحيم

منهجية تقييم نتائج هذا الصراع في عجالة:
لعله من غير الصواب النظر إلى النتائج الكبرى للصراع الإسلامي العلماني في تونس، وبناء تصورات تتعلق بالمستقبل السياسي لهذا الصراع من خلال تجلياته السياسية الظرفية، لأن من شان هذا المنهج إن يؤدي إلى نتائج خاطئة.
لذلك،لابد أن نضع هذا الصراع في سياقه التاريخي، ذلك أن الصحوة الإسلامية قد نشأت مبشرة بمشروع إصلاح اسلامي فكري وسياسي مناهض للمشروع العلماني لدولة الحداثة، ما لبث تجسد في مسمى سياسي وهو الاتجاه الإسلامي، ثم النهضة ليتحول ذلك التناقض الفكري والسياسي مع الدولة الى صدام عنيف معها بسبب عدم قدرة الحكام العلمانيين على تقبل وجود فكرة مخالفة لاطروحاتهم في بيئة لم تتاسس فيها قيم الاختلاف . وبعد أن انتهى هذا الصدام إلى محنة مريرة شلت فيها قدرة الإسلاميين على الفعل التنظيمي والسياسي. فهل يمكن إن نعتبر بأن هذه المحنة كانت بمثابة محطة قسرية خرج بموجبها الإسلاميون من دائرة الدفاع عن قيمهم والتبشير بمشروعهم البديل، أم أنها ، بر غم قسوتها، كانت امتحانا أثبت فيه الاسلاميون قدرتهم على مواجهة تحديات اكبر في معركة مفتوحة مع الظلم الدولي للمسلمين كما عمقت الفكرة الإسلامية وبلورت المشروع السياسي الإسلامي وربما تكون طريقا لهم للسبق على غيرهم في التمكين لفكرتهم ، مثلما كان لهم السبق عليهم في الانتشار لدعوتهم.
بمعنى آخر هل نحن في أواخر محنة مفضية إلى انتشار وتمكين الفكرة الإسلامية، أم أننا في ذيول ظاهرة آئلة إلى الاندثار
لعل الجميع يعلم كيف كان الصراع العلماني الإسلامي في تونس مسبوقا بصحوة دينية إسلامية شاملة وسط الشباب والكهول، بلغت أوجها أواخر ثمانينات القرن الماضي، حيث وصلت نسبة المنديين إلى أرقام عالية لم تشهدها تونس من قبل ، كما بلغ عدد مرتديات الحجاب - حسب بعض التقديرات - ثمان مائة إلف شابة وامرأة ، وكان ذلك ثمرة لجهود ثلة متفانية قامت على نشاط دعوي ضخم ، وملأت في فترة وجيزة فراغا روحيا وفكريا كبيرا- أنتجته آلة سياسية _ذهبت بعيدا في هدم قيم الشعب _ مما جعل هذه البلاد التي اختيرت بعناية لتكون رأس مشروع متقدم للاختراق الثقافي للمنطقة من خلال انجازات مدنية على أنقاض قيم شعب، تسير بخطى حثيثة ، بعد عشريتين من العمل الدؤوب، نحو مشروع سياسي بديل ، يحتضنه شعب إما تعاطفا وترحيبا او عملا والتزاما.
لكن ذلك التعطش الكبير للفكرة الإسلامية ، وذلك الانتشار السريع للدعوة ، وتلك الانتصارات الفكرية والنقابية ، وتلك الهزائم الفكرية للعلمانية بجانب ضعف البنية السياسية للنظام الحاكم ، وانسداد مواعينه السياسية بسبب تكلس فكره السياسي وتحجر عقيدته السياسية، قد أفضى إلى صدام شديد بين الإسلاميين المسنودين بتعاطف شعبي كبير والدولة العلمانية المسنودة بارادة خارجية ، وهو صدام أهدى فيه الإسلاميون لخصومهم في الدولة مبررا سياسيا لضربهم بعنف لا نظير له، وذلك بعد إن أخذوا شيئا من المبادرة في ذلك الصدام، ضمن خطة اضطرارية قرروا أن يسستخداوا فيها إمكانياتهم الدعوية "الندية" لتحقيق مكاسب سياسية مبكرة لمشروعهم، حيث لم تمكنهم حرارة تلك قلوبهم المسكونة بأشواق المشروع الإسلامي من التأمل في نتائج التجارب السابقة بين أنظمة وحركات مماثلة من وضع خطة واقعية بغرض حماية مكتسباتهم ، والنأي عن الصدام حتى يخففوا من آثار ضربة كانت قائمة لا محالة، إلى الحدود الدنيا الممكنة، إلى حين يقوى فيه عود الدعوة، وتتهيأ الظروف لتقبل المشروع الإسلامي ، أو على الأقل التعايش معه .
لكن، وقد حصل الذي حصل، ولا حذر من قدر ، فهل يمكن اعتبار حركة ثقافية دعوية أعادت للدين حيويته وجددت هوية شعب وكانت موئلا لذكر الله وطاعته وعبادته والالتزام بشرعة ، وبلغت ذلك المدى من الانتشار الدعوي، وذلك المستوى من التأييد السياسي لمشروعها، قد وصلت إلى ريق مسدود بعد ضرب مشروعها السياسي، بناء على المعطيات السياسية والحسابات المادية المجردة.
لا شك إن من ذهب في هذا الاتجاه ربما حجبه مشهد الأضرار البالغة التي أصابت للإسلاميين عن رؤية التأثيرات العميقة لذلك الصدام المرير على الفكرة والمشروع الإسلامي.
ومع التسليم بان الخسائر التي أصابت الإسلاميين وعائلاتهم كانت كبيرة، وأن جراحاتهم النفسية كانت عميقة، بجانب تلك الأضرار في بنية المجتمع، بسبب تلك السياسة التي ضربت كل شيء بما في ذلك قيم الشعب ، من أجل تصفية خصم سياسي، فان هناك نتائج موازية بدأت تظهر بوتيرة متسارعة ، وتؤشر على أن الدولة العلمانية كسبت الحاضر في صراعها مع الإسلاميين لكنها خسرت المستقبل، في حين خسر الاسلاميون حاضرهم لكنهم كسبوا المستقبل الذي سينتقلون اليه برصيد سياسي وثقافي كبير هو حصيلة عشريتين من الدعوة إلى المبادئ الإسلامية ، وعشريتين من الثبات والصمود في المحنة التي اختبرت صدقية تلك المبادئ وصدقية دعاتها وهذه هي النتائج الكبرى التي ستشكل المشروع الإسلامي في تونس في المستقبل :
1\ ثبات الوزن السياسي للاسلاميين أمام الآلة الأمنية
لم تستطع السياسة الأمنية للدولة العلمانية تحطيم القوة السياسية للإسلاميين من خلال الآلة الأمنية ، وكان ضربهم من اكبر الدلائل على عدم قدرة العلمانية على مجاراة خصمها الإسلامي في المجال السياسي، فردت على أطروحاته السياسية بوسائل أمنية ، فأضافت لهزيمتها الفكرية السابقة أمام الإسلاميين هزيمة سياسية لفكرها وثقافتها السياسية
فقد حول الإسلاميون بثباتهم وصمودهم الانتصارات الأمنية للعلمانية الحاكمة إلى هزيمة سياسية غير مسبوقة ، حيث تجمدت السياسة في تونس في محطة الاشتباك السياسيي بينهم وبين الدولة، فلم يعلنوا التسليم بالامر الواقع تحت وطأة الضربات الأمنية الشديدة ، وابقوا على مطالبهم بالحرية لهم ولغيرهم بعد إن غيبتهم السجون والمنافي، مما جعل الدولة العلمانية تبقي على الآلة الأمنية خارج وظيفتها الطبيعية رهينة لهذا الاشتباك بسبب القناعة أن الإسلاميين وان غابوا تنظيميا، إلا إن أطروحاتهم السياسية ظلت حاضرة، لذلك لم تنخفض وتيرة دوران هذه الآلة برغم غياب الإسلاميين، وظلت الدولة العلمانية لعشرين سنة حبيسة لهذا الاشتباك ، ولم تمكنها سياسة الاستدارة عن الملف السياسي إلى ملفات أخرى من الانعتاق من محنة أزمتها السياسية ، كما ازداد مأزقها السياسي بعد أن طحنت ألتها الأمنية الهامش الضئيل جدا من الحرية، وبذلك بقيت الأزمة السياسية قائمة ومرهونة بتحقيق مطالب الإسلاميين التي تحولت إلى مطالب وطنية، مما جعل المستقبل يعمل لمصلحتهم بتجدر مطالبهم وتبلورها في مشاريع سياسية، بينما يضيق الخناق على الدولة العلمانية ، وتتأكد مقولة إن العلمانية الحاكمة عدو للحرية، بعد إن تاكدت مقولة إن العلمانية عدو حتى للشعائر التعبدية.
2\ ثبات الاتجاه السياسي للمشروع الإسلامي
إن الناظر إلى هذه السياسة الممتدة عبر أكثر من عقدين من الزمن لا يحتاج إلى دلائل كثيرة ليثبت إن الاسلاميين ظلوا شاخصين في العقل السياسي لمخالفيهم ، ولعل الدليل الأكبر على ذلك ، تلك العزيمة السياسية التي لم تفتر بعد في ملاحقة الظاهرة الإسلامية ، كمحصن لدعوتهم، بعد تدمير جسمهم السياسي، وتفكيك بنيتهم التنظيمية ، وبذلك لم يخرج القهر والفتك الإسلاميين من دائرة التأثير، بل ظلوا المؤثر الأول على الساحة السياسية في تونس ليس من خلال المعطيات الواقعية لهذا المكون الرئيسي للمعارضة ، بعد إن مرت آلة الدولة على أجساد ابنائه ليعترفوا بخطأ اتجاههم ، حتى تسجل العلمانية نصرا سياسيا تاريخيا ، وإنما من خلال قوة فكرتهم وصمودهم وثباتهم لعشرين سنة في محنة كسرت عظامهم داخل السجون وخارجهها ولكنها زادت إرادتهم مضاء وفكرهم السياسي وضوحا، ولم نسمع أحدا من قادة قرارهم السياسي يغترف بخطأ الاتجاه السياسي للمشروع الإسلامي، ولم تسجل العلمانية شيئا من أهدافها السياسية من خلال الالة الأمنية ، مما جعل القرار السياسي العلماني يذهب في اتجاه إعادة إنتاج هذه المحنة وإدامتها ، برغم المضاعفات السياسية الخطيرة على البنية السياسية للدولة، وذلك لسد أبواب الأمل إمام الإسلاميين بعد خروجهم من السجن حتى يفتك بهم اليأس ويموت في قلوبهم الامل وتشقهم الخلافات وتتآكل إطرافهم وتتحطم معنوياتهم التي لم تكسرها قساوة التعذيب ووحشة السجون ، عسى إن تتبلور داخلهم رؤية سياسية تحول أخطاءهم التكتيكية التي تعلقت بتنفيذ خطة ضمن الخط السياسي الذي تواضع عليه ابناؤها، إلى الاعتراف بأخطاء إستراتيجية في اتجاههم السياسي القائم على التلازم القطعي بين الحرية والعبادة ، لغرض ضرب الإرادة السياسية للمشروع الإسلامي، وتشتيتها، وضرب اللحمة السياسية للمشروع السياسي للإسلاميين، وكل ذلك يثبت إن السلامين ظلوا القوة الأكبر والمحرك غير المباشر للسياسة في تونس. فهل يمكن بعد ذلك القول بعد إن هذه الفكرة قد ماتت وان هذا المشروع المحتضن لهذه الفكرة قد وصل إلى طريق مسدود
3\ ثبات الفكرة الإسلامية كبديل للاديولوجيا العلمانية
لعل الجميع يعلم إن الدولة ، وبعد إن وجهت ألتها الأمنية لتصفية الإسلاميين ، ااتجهت للإجهاض بشكل نهائي على المشروع الإسلامي ليس فقط من خلال ما عرف بخطة تجفيف منابع التدين، وإنما كذلك بضرب جوهر الفكرة الإسلامية القائمة على التوازن والتناغم بين قيم المادة والروح ، حيث سخرت ألتها الاعلامية ومنظومتها التربوية والتعليمية لاحداث شرخ بين القيم المادية والقيم الروحبة ،وضخمت الثانية على حساب الأولى، وذلك لتغييراتجاه الشعب من البحث عن نفسه في الدين إلى البحث عن نفسه في الرفاه المادي خصما على قيمه الروحية، ولكن هذه السياسية لم توصل الشعب إلى جنة العلمانية ، وإنما ساقته إلى حافة كارثة اجتماعية ، بعد إن بلغت مؤشرات الطلاق والعنوسة والتفكك اجتماعي والجريمة والسكر والتدخين مستويات قياسية، مما يؤكد إن قيمة الرفاهة المادي الذي استحدثتها العلمانية وحولتها إلى إيديولوجيا للحكم ووضعت لها السياسات وسخرت لها إمكانات الدولة وعلاقاتها الخارجية واستمدت منها شرعية ماضية وأخرى قادمة لم توفر الاطمئنان والسكينة والاستقرار للشعب وإنما جلبت اليه تعاسة اجتماعية كبيرة منذرة بمخاطر كبيرة، مما يفقد العلمانية السند الاديولوجي للحكم، بعد تلاشي السند السياسي، ولم يبق لها غير الجدار الأمني لحماية منظومة في أواخر عهد إفلاسها
4/ عودة الصحوة الاسلامية كمحض للمشروع الإسلامي
في مقابل ذلك عادت الصحوة الإسلامية والفكرة الإسلامية ،التي اختفت لعقدين كاملين من الزمن تحت أزيز الآلة الأمنية ،إلى الظهور من جديد، حيث اتجه الشعب إلى الدين ليبحث الأمان والسكينة والجدلية الايجابية بين المادة والروح ، لتجد العلمانية نفسها مطوقة بايدولوجيا طالما حاربتها ، ولعل قراءة العلمانية الحاكمة كانت صحيحة حين أدركت حجم هذه الصحوة فبدأت ترسم ملامح طريق جديد للعبور إلى
المستقبل من خلال وصفة إسلامية، بعد إن وصلت ايدولجيتها إلى نهايتها أو كادت ، ولم يبق لها إلا الرهان على المستقبل من خلال إعادة صياغة المشروع العلماني بما يتواءم مع المشروع والفكرة الإسلامية ، لتثبت العلمانية بان هذه المشاريع الإسلامية المفاجئة دليل على إن الفكر السياسي العلماني المتمترس بالدولة وصل إلى قناعة إن الاختيارات العلمانية الكبرى التي صادرت بموجبها الدولة حرية شعب في اختيار من يحكمه واملت عليه منظومة من التشريعات المخالفة لعقيدته ثم صادرت حقه حتى في بعض شعائره قد اوصلت الدولة العلمانية إلى طريق مسدود، في الوقت الذي تهيات فيه الاختيارات الإسلامية لحكم الدولة الحديثة . حيث لم يبق مجال لمنظومة مرفوضة في الحاضر لتحكم مستقبل كان يمكن إن تنقل اليه اشراقات حكم قائم على التوافق لكنها نقلت اليه افرازات خطيرة لحكم تاسس على مصادمة معتقدات شعب باكمله
5 / الدولة العلمانية أمام مفترق طرق
إن هذه النتائج الكبرى تثبت إن العلمانية أصبحت محاصرة بالفكرة الإسلامية من جديد ، فإذا كانت أفكار الإسلاميين بدأت تتبلور في شكل مشاريع استباقية مثلما تبلورت مشاريعهم الدعوية التي كانت يوما ما ضربا من الخيال ليلجئوا إلى الالتفاف عليها بدل الذهاب في الاتجاه الصحيح ولو خطوة واحدة بالتعامل مع الإسلاميين كحقيقة وتجلي سياسي لهذه الفكرة كما فعل جيرانهم الذين كانوا أوضح أعداء الفكرة الإسلامية ولكنهم تعاملوا بواقعية وفكروا في مستقبلهم السياسي من خلال الحقائق السياسية الكبرى في المنطقة وليس على حسابها، فان عودة المشروع السياسي للإسلاميين سيكون سريعا ، سيما وان العمود الفقري لهذه الصحوة الجديدة هم أولئك المئات من الآلاف من المتديين الحاضنين للمشرع الإسلامي قبل المحنة الكبرى كفكرة أو المنتظمين فيه عملا والتزاما هم و أبناءهم وإخوانهم وأحفادهم وجيرانهم لن يختصروا الإسلام في شعئار تعبدية، حتى لا يفرح العلمانيون كثيرا بعد إن كرت عليهم صحوة نذروا انفسهم لمحاربتها بالادعاء بانها صحوة دينية غير مسييسة بعثتها القنوات الفضائية وفي الحقيقة ما هي الا تلك الصحوة الكامنة التي تربت على أدبيات كانت يوما ما مادة لجريمة قانونية ،ودارت سنن الله ودخلت هذه الأدبيات كل بيت وأصبحت محور نشاط قنوات فضائية فعاد هذا المحضن كما لو كان الإسلاميون قائمين عليه دعوة وفكرا لا ينقصه غير الترشيد والتنظيم
الخلاصة
إن فشل السياسات العلمانية المؤسسة على منطق الاستئصال الفكري والسياسي وضع العلمانية الحاكمة إمام طريقين لا ثالث لهما ، إما الذهاب في نفس الاتجاه السابق وإدارة المستقبل بأسلحة الماضي أو العودة إلى الصواب باعادة الآلة الأمنية للدولة إلى حجمها الحقيقي ووظيفتها الطبيعية ، وادارة الملفات السياسية بأدوات سياسية، وفك الاشتباك التاريخي مع اكبر التعبيرات السياسية للفكرة الإسلامية والابتعاد عن مسلك المناورة بالفكرة الإسلامية لأنه طريق محدود و قصير وسيكون الذهاب فيه في نهاية المطاف استثمارا لمصلحة خصومهم الإسلاميين واعترافا بصحة الطرح الإسلامي وقدرته على معالجة الإفرازات الخطيرة للعلمانية وتنمية أشواق الناس في إن يروا الإسلام في السياسات الأخرى للدولة حينها ستكون عودة المشروع الإسلامي الذين احتضن أشواق الإسلاميين لعقدين من الزمن اقوي بكثير مما كان عليه ولعل القليل من الثلة التي صبرت يمكن إن يلتف حولها الشعب الذي انفض من حول العلمانيةا لأنها باختصار هى الفئة التي سيجد فيها الشعب نفسه . وهل هناك من يمكن إن يكون أكثر أمانة للتعبير عن معتقد الشعب في جميع أوجه الحياة العامة ممن ضحى بكل شيء من اجل إن تتصالح الحياة العامة مع معتقدات هذا الشعب
لذلك فالمزيد من الثبات والصبر والتلاحم واجتماع الكلمة هو الذي سيسد الفجوة المضروبة بقوة بين محض الإسلاميين ومشروعهم السياسي إما من خلال التوافق السياسي على المشروع الإسلامي أو انفراط عقد العلمانية بذهابها في اتجاه التآكل كما يظهر حاليا غير ذلك من الإسراف في النقد وفي غير أطره هو استثمار لمصلحة أعداء الفكرة والمشروع الإسلامي لضرب اكبر مكاسب الإسلاميين وهي لحمتهم السياسية التاريخية و صحة اتجاههم السياسي _ بان لا مستقبل للدعوة دون حرية - وهو تحقيق لأمنية عدوهم في التشويش على هذا الاتجاه ليتشت هذا الزخم ويفقد بذلك الإسلاميون مصدر قوتهم وهى وحدتهم ويتركون محضن فكرتهم للاستثمار السياسي لخصومهم العلمانيين أو محضا للتشدد، بدل أن يكون محضا لإصلاح ما أفسدته العلمانية لبناء نهضة لتونس على قيم الإسلام المعتدلة. نواصل لاحقا في: "مطلوبات ومحاذير"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.