عاجل/ بشرى لهؤلاء: تخفيضات ب50 بالمائة في هذه المعاليم وقريبا "الباتيندا الإلكترونية"..    مجلس الصحافة يوضح مجالات تدخّله ويجدد التاكيد على مواصلة الاضطلاع بمهامه كاملة وفق ما تقتضيه ضوابط القانون وأخلاقيات المهنة    مع اقتراب عيد الشغل/ بين تطمينات الرئيس وتوقعات الخبراء: ملامح زيادة الأجور..#خبر_عاجل    العلاقات الدبلوماسية : سفير اليابان في تونس يزور ضريح الحبيب بورقيبة    كيفاش يتهرّب البنان لتونس؟    خبير يحذّر: ''ما تلعبوش بذهب التوانسة'' تنجّم تصير كارثة    أفريل = مصاريف مضاعفة.. شوف وين باش تمشي الشهرية؟    عاجل/ فاجعة تهز هذه الدولة وهذه حصيلة المصابين…    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يبحث عن الانتصار... والترجي الجرجيسي يطمح للمفاجأة    البارح: مطر وبَرَدْ في برشا بلايص..شوف وين وقداش؟    عصام الشوالي يصف وضع الأندية التونسية ''بتصحّر قاري''... علاش ؟    أرقام كبيرة: شوف قدّاش تدخلت الحماية المدنية في نهار واحد    سوسة تستعد للبكالوريا: أكثر من 10 آلاف مترشح وقرارات استثنائية    بطاقات إيداع بالسجن في قضية فرار سجين من مستشفى بالعاصمة    لباس موحّد في المواقع الأثرية التونسية : خطوة جديدة    صور هاني شاكر تثير الجدل.. والحقيقة تطلع مفاجِئة!    سوسة تحتضن الأيام الأورو-إفريقية ال23 لطب القلب العملية في جويلية القادم    علاش الصباح ينجم يكون أخطر وقت على صحة القلب والدماغ؟    بطولة فرنسا : باريس سان جرمان يعزز موقعه في الصدارة بثلاثية في مرمى نانت    رابطة أبطال آسيا 2 : النصر السعودي يتاهل إلى النهائي لملاقاة غامبا أوساكا الياباني    مانشستر سيتي يتصدر البطولة الانقليزية ويدفع بيرنلي للنزول للدرجة الثانية    عاجل/ قتلى واختطاف مواطن أجنبي في هجوم ارهابي بهذه المنطقة..    عاجل/ تحذير من شلل جوي عالمي بسبب نقص الوقود..    بيرول: الطاقة الدولية في خطر    عاجل/ خلايا رعدية نشطة وأمطار غزيرة بهذه المناطق خلال الساعات القادمة..    فشل قرار تقييد صلاحيات ترامب بشأن إيران    ضوء مقصوص في سوسة نهار الأحد.. شوف المناطق المعنية    شيرين عبد الوهاب تستعد للعودة إلى جمهورها... التفاصيل    زيادة في المنحة : تولّي 280 دينار... شكون المعني ووقتاش يتم تفعيلها؟    النائب ياسين قوراري يدعو وزير التربية لزيارة عاجلة إلى الكاف بعد حادثة اختناق تلاميذ    حركة تعملها كل يوم تنجم تدخّلك للإنعاش!    مفاجأة المونديال: ترامب يريد إيطاليا عوض إيران..    عاجل: الإفريقي يطّلع على تسجيلات الvar!...هذا الموعد    طقس اليوم: أمطار رعدية ورياح قوية    القذافي وقصة "الشيخ زبير" المثيرة!    بنزرت: تنفيذ 5 قرارات هدم وإزالة لمظاهر التحوز بالملك العمومي البحري    تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية "أركتيك ميتا غاز" عن السيطرة    حرب إيران .. ترمب يقدم "عرضا سخيا" لإيران    قد يغيب عن المونديال.. أنباء صادمة بشأن إصابة لامين جمال    اليوم الافتتاح الرسمي لدورته الأربعين...هذه انتظارات الكتّاب من معرض الكتاب    غدا وبعد غد في سوسة ... الملتقى الدّولي للأدب الوجيز في دورته الثانية    وزير التجهيز يستقبل وفد غرفة التجارة والصناعة لصفاقس لبحث استعدادات «AFRIBAT 2026»    سوسة ... إيقاف 15 مهاجرا من إفريقيا جنوب الصحراء    ضرورة القضاء على التلاعب بالأسعار    2000 تدخل بفضل منصة نجدة    هل يمكن لفحص دم أن يكشف الزهايمر مبكرًا؟ دراسة تبشر بالأمل    المواطن التونسي اكبر منتج ذاتي للكهرباء من الطاقة الشمسية بفضل برنامج "بروسول إلاك" (وائل شوشان)"    المهدية : مهرجان "سينما التراث".. مولود ثقافي جديد يحتفي بالمعالم الأثرية عبر الفيلم والصورة    كيفاش بش يكون طقس الليلة ؟    شوف السّر وراء تغيير كسوة الكعبة    معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين : أكثر من 148 ألف عنوان واستضافة كوكبة من القامات الفكرية والأدبية    هل ذهب الأم المتوفاة للبنات فقط؟ القانون يحسم الجدل    المعهد الوطني للرصد الجوي: شتاء 2026/2025 بين أمطار قياسية وحرارة مرتفعة في تونس    الميناء التجاري بجرجيس يستعد لانطلاق نشاط الحاويات لاول مرة    بلاغ هام لشركة نقل تونس..#خبر_عاجل    هل تعرف دعاء صلاة الحاجة لقضاء الحوائج بسرعة؟    الغرفة الجهوية لعدول الاشهاد ببنزرت ومنتدى "مقاصد للثقافة والاعلام"يقدمان مرجعا جديدا حول "تصفية التركات" للدكتور جمال الدين بن محمد البطي    المعهد العالي للعلوم الإسلامية بالقيروان: "التحاسد والتحابب" بين أهل العلم في ندوة علمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لم تلبسون الحق بالباطل؟... من ينكر من؟؟ 1/2
نشر في الحوار نت يوم 15 - 03 - 2010


لمَ تلبسون الحق بالباطل؟... من ينكر من؟؟1/2
... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون آية من القرآن الحكيم أنزلت منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا... سن الله فيها حق الاختلاف في المناهج باختلاف الشرائع والثقافات والحضارات, فالناس سعيهم شتى إنّ سعيكم لشتى خلقهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعايشوا... في مقابل هذا التشريع العادل الذي سنّ منذ قرون, المعترف بحق الآخر في العيش وسط المجتمع المسلم رغم عدم اعتناقه لهذا الدين، يقابل كل ذلك, هذا التهديد المبطن للمتحدث باسم حلف الناتو في التسعينات من القرن الماضي, بالأمس القريب.. جياني ديميكس, تهديدا لمن لا يقبل المنهج الغربي بكل ميادينه, قال: أن يصبح النموذج الغربي أكثر جاذبية وقبولا من جانب الآخرين في مختلف أنحاء العالم, وإذا فشلنا في تعميم ذلك النموذج الغربي فإنّ العالم يصبح مكانا في منتهى الخطورة فالرجل يريد أن يقول: إمّا نحن وشريعتنا وحضارتنا وإمّا الحرب والإبادة... الرجل يتكلم باسم حلف عسكري, وهو يعني ما يقول: إمّا على دربنا ونهجنا وإمّا أن نوجه إليكم آلتنا الحربية....
فأيّ من هذين التشريعين أعدل وأرحم ببني البشر, أكثر من غيره...؟؟ أي من هذين التشريعين ينكر الآخر, بل ويهدده إن لم ينزع جلده ويلبس ما يفصلونه على مقاساتهم ومقاسات مصالحهم من قوانين وتشريعات... تهمة إنكار الآخر والسعي لاستئصاله والتنكيل به والتضييق عليه وعلى حرية معتقده داخل المجتمع الإسلامي, تعد من التهم الجاهزة التي يسعى الغرب لاتهام الإسلام بها, في كل المناسبات, بسبب وبدون سبب... وفي كل زمان ومكان: في عصرنا اليوم أو عبر التاريخ الإسلامي.
نسأل السؤال التالي: من ينكر من, من لا يعترف بمن؟؟؟ هذا ما سأحاول تبيانه في هذه المقالة لإجلاء الحقيقة ولو بنسبة ضئيلة, قدر استطاعتي, لإبراز أنّ الإسلام, سواء على المستوى النظري أو على مستوى التطبيق والممارسة, لم ينكر الآخر ولم يعزله بل أعطاه حقه الذي فرضه الله سبحانه... وما عاشته الطوائف والعرقيات والديانات المختلفة من رخاء وأمن واستقرار وحيازة حقوقهم في ظل الدولة الإسلامية, لم يكن منة ولا خوفا أو خضوعا لهم... بل تشريعا أنزله رب العزة لما رأى فيه من خير للبشرية جمعاء في حال التعايش السلمي والاحترام المتبادل... إنه الإسلام الذي بعثه الله رحمة للعالمين...

الإسلام هو أول من نادى بالإخوة العقائدية والإنسانية (أخ لك في الدين وأخ لك في الخلق) فالمؤمنون إخوة.. والإنسان هو أخو الإنسان بقطع النظر عن عرقه ودينه وطائفته... شئنا أم أبينا. هو أول من آخى بين أشرس القبائل في المدينة وأكثرها خصومات وحروب متبادلة, إنهما قبيلتي الأوس والخزرج, لكن يوم دخولهما الإسلام تقاسما البيوت والأموال..

لا يرفض الإسلام فكر الآخر ومعارفه بل يدعو إلى دراستها والاستفادة منها لأنّه يرى انّها إرث إنساني مشترك بين الأمم ولا يجوز احتكاره... كل ذلك جعل المسلم الباحث لا يتحرج من الاقتباس من حضارات وعلوم وفلسفات الأمم الأخرى السابقة للاسلام أو التي عاصرته. وعى المسلمون الأوائل أهمية الإبداعات البشرية وسعوا إلى النهل من الآخر خاصة في مجال الآليات والمؤسسات والتراتيب لتكون بمثابة أوعية لمقاصد الشرع ومرجعيته, أخذوا عن الروم مثلا تدوين الدواوين ثم أخذوا وضائع كسرى كآلية تنظيمية لتحقيق العدل الإسلامي في الاقتصاد والضرائب والخراج... وكان مقياسهم في كل ما يأخذونه من الآخر يتمثل في قدرته على تحقيق المقاصد الإسلامية...

لقد كان للإسلام مع الآخر قصص يرويها التاريخ بإعجاب وتقدير, إعجاب بهذا الدين الذي أرسى أسس العدالة في التعامل مع غير المسلمين, خاصة زمن الحروب, حيث يقع الاحتكاك فعليا بالآخر وتشريعاته وعاداته.... لم يكن بين الإسلام والديانات الأخرى أو الأعراف والطوائف ولاء محتوم ولا طاعة مفروضة بل كان بينه وبينهم احترام متبادل ووفاء عظيم ولا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن قتل نصرانيّ أو مجوسيّ أو يهوديّ لأنّه رفض الدخول في الإسلام أو عذب أو سجن أو منع من التعبد وإقامة شعائره... لم ينقل عن المسلمين أنّهم قاموا بهدم معبد أو كنيسة. في هذا السياق, أوضح الدكتور محمد حمدي زقزوق في كتاب حقائق الإسلام عند تناوله للشبهة 139: هل الإسلام كفل حرية المعتقد؟ التي وردت في الصفحات 630 إلى 632 من الكتاب, أوضح أنّ الحرية الدينية أقرّها سيد الخلق صلّى الله عليه وسلّم في أول دستور للمدينة.. وهذا ما ورد بالفعل في الصحيفة, فبعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتوسع المجتمع الإسلامي وإقامته علاقات مختلفة مع عدة قبائل وكيانات مختلفة رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه أصبح من الملح إرساء قواعد المجتمع الإسلامي، لتنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، من أجل توفير الأمن والسلام للناس جميعا، فتأسست صحيفة المدينة التي هي عبارة عن وثيقة أو عقد يشمل جملة من البنود لتنظيم العلاقة بين المسلمين من جهة، وتنظيمها كذلك مع من جاورهم من القبائل من جهة أخرى، وبنودا عامة تشمل الجميع, وبما أنّ قبائل اليهود كانت أكثر القبائل حضورًا في المدينة فقد جاءت أغلب بنود تلك الوثيقة متعلقة بتنظيم العلاقة معهم. لقد وصفت الصحيفة هذا التجمّع بأنّه أمة واحدة وهي لم تقتصر على من سكن المدينة بل شملت كل من قبل ببنودها والتزم بها بغض النظر عن سكنه أو مذهبه أو عقيدته أو لونه أو عرقه أو قبيلته... فمن ارتضاها فقد دخل في هذه الأمّة ومن لم يرض ببنودها فقد خرج منها. لكم نص الصحيفة:
هذا كتاب من محمّد (صلى الله عليه وآله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنّهم اُمّة واحدة من دون الناس
(أي أسيرهم) المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على حالهم)، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين....
وبنو جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.... وبنو النجّار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.... وبنو عمرو بن عوف على رِبعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين... وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين...
وإنّ المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عَقْل وأن لا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمن دونه، وأنّ المؤمنين المتّقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة (تعني الظلم)، أو إثما أو عدوانا، أو فسادا بين المؤمنين، وإنّ أيديهم عليه جميعًا، ولو كان وَلَد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإنّ ذمّة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
وإنّ من تَبِعنا من يهود، فإنّ له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وإنّ سِلْم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلاّ على سواء وعدل بينهم، وأنّ كلّ غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضًا، وأنّ المؤمنين يبيء (11) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأنّ المؤمنين المتّقين على أحسن هدى وأقومه، وأنّه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنّه من اعتبط (12) مؤمنًا قتلا عن بيّنة فإنّه قود به إلاّ أن يرضى وليّ المقتول، وأنّ المؤمنين عليه كافّة، ولا يحلّ لهم إلاّ قيام عليه، وأنّه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحدثًا ولا يؤويه، وأنّه من نصره أو آواه، فإنّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وانّكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإنّ مردّه إلى الله عزّوجلّ، وإلى محمّد (صلى الله عليه وسلم )
وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ يهود بني عوف أُمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلاّ من ظلم وأثم، فإنّه لا يُوتِغ (13) إلاّ نفسه، وأهل بيته، وأنّ ليهود بني النجّار مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني جُشم مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلاّ من ظلم وأثم، فإنّه لايُوتغ إلاّ نفسه وأهل بيته، وأنّ جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وأنّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأنّ البرّ دون الإثم، وأنّ موالي ثعلبة كأنفسهم، وأنّ بطانة يهود كأنفسهم، وأنّه لا يخرج منهم أحد إلاّ بإذن محمّد (صلى الله عليه وآله)، وأنّه لا ينحجز على ثأر جُرح، وأنّه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلاّ من ظلم، وأنّ الله على أبرّ هذا، وأنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وأنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأنّ النصر للمظلوم، وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنّ الجار كالنفس غير مُضارّ ولا آثم، وأنّه لا تُجار حُرمة إلاّ بإذن أهلها، وأنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدث أو اشتجار يُخاف فسادُه، فإنَّ مردّه إلى الله عزّوجلّ، وإلى محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّ الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه، وأنّه لا تُجار قريش ولا من نصرها، وأنّ بينهم النصر على من دَهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنّهم يصالحونه ويلبسونه، وأنّهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك، فإنّه لهم على المؤمنين، إلاّ من حارب في الدِّين على كلّ اُناس حصّتهم من جانبهم الذي قِبَلهم، وأنّ يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البرّ المحض من أهل هذه الصحيفة

وبنود هذه الصحيفة مبنية على نصوص ثابتة، وقواعد شرعية، ومصالح معتبرة، منها قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين} (الممتحنة:8). وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني. يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم بهذا النداء أو الصيحة الثائرة واجه الإسلام الطوائف والأعراق والأنساب والتفاضل القبلي ثم مضى الإسلام زاحفا نحو تطبيق ذلك تطبيقا عمليا...

هل هناك ما هو أشمل وأوضح من هذه العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود؟!.. وترسيخ المبادئ الإسلامية، كما أنها اشتملت جميع ما تحتاجه الدولة، من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، وعلاقة بعضهم ببعض. أليست هذه هي أسس المواطنة والمجتمع المدني التي يتشدق بها الغرب اليوم ويتهم الإسلام بإنكارها, ويدعي أنّه لا وجود لحرية الآخر في ظل دولة الإسلام... وهو الذي أسس مجتمع المؤسسات قبل الغرب بقرون..

أوضح الدكتور في نفس الفصل من الكتاب المذكور أعلاه, أنّ الإسلام كفل أيضا حرية التعبير والنقاش على أساس موضوعي للمسلم وغير المسلم... وفي ذلك يقول القرآن :ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن النحل 125 وقد وجه القرآن هذه الدعوة إلى الحوار إلى أهل الكتاب قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله, فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون هذا يعني أنّه إذا لم يصل الحوار إلى نتيجة فالحل هو الآية لكم دينكم وليَ دين فالاقتناع هنا هو أساس الإيمان... قد يقول قائل إنّ بعض العصور الإسلامية فرضت على غير المسلمين في بعض البلاد قيودا تحد من حرية المعتقد, فالسبب لم يكن سياسة منهجية بل أغلبها أحداث معزولة وتصرفات شخصية والبعض مرتبط بالفعل ببعض مقتضيات السياسة الرعناء لبعض الحكام... لقد كان مصدرها الأهواء والغرور والجهل أو الدس الأجنبي, الذي كان بدوره يقوم بتضخيمها وتسليط الأضواء عليها لتشويه الإسلام... وهو نفس الأسلوب الذي ينتهجه في التعامل مع الإسلام وأهله في عصرنا, والذي نعاني ويلاته ونتائجه... ثم إنّ النظام الإسلامي كغيره من النظم له حق المحافظة على أسسه واستقراره وهويته... ففي أرقى المجتمعات الحديثة اليوم وأشدها تغنيا بالحريات تصادر حرية من يعمل لتحطيم حريات الآخرين أو تصادر الآراء عندما تهدد المصالح العامة. ألَمْ تقمع الحركات الشيوعية في أروبا لأنهم كانوا يرونها تهديدا للسلم واستقرار أوطانهم... فلماذا يؤخذ على المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ أنّها قمعت بعض الآراء المدمرة, من أجل أو في سبيل السلامة العامة... فهذا القمع لا يعد خرقا لمبدأ حرية الرأي... ذهب في نفس السياق, الدكتور حمدي زقزوق في نفس الموضع من الكتاب المذكور سابقا, أنّه لكل فرد حرية اختيار ما يشاء من الأفكار والمذاهب حتى وإن كان الإلحاد ولا أحد يمنعه في الإسلام من ذلك, إذا ما التزم حدوده ولا يؤذي بأفكاره مصلحة المجتمع. لأنّ في ذلك اعتداء على النظام العام للدولة وقد يصل إلى تهمة الخيانة العظمى التي تعاقب عليها معظم الدول بالقتل... فقتل المرتد حسب الدكتور يكون إذا أثار الفتنة والبلبلة وهدد السلم الاجتماعي ودون ذلك ليس لأحد التعرض له...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.