ذات يوم ، منذ أعوام بعيدة، رافقت صديق من بلد عربي مشرقي الى مطار تونسقرطاج لتوديعه بعد أن أنهى دراسته في بلادنا . وقبل موعد اقلاع الطائرة جلسنا في مقهى المسافرين ودارت بيننا دردشة بقيت راسخة في ذهني الى الان .. بعضها شخصي لا يهم القارىء ، وبعضها أسمح لنفسي بأن أنقله للعموم لانه يكتسي صبغة بيداغوجية وله أكثر من مغزى .. أذكر جيدا أنني سألت صديقي عما شد انتباهه وترك لديه انطباعا قويا خلال اقامته في تونس طيلة أربع سنوات ؟ جوابه كان سريعا وجازما وبدون تردد ..'' أهم وأروع ما عندكم في تونس هي المرأة ..موجودة في كل مكان وفي كل الوظائف وتتعامل مع الرجل الند للند ولها ثقة كبيرة في نفسها وفي أسلوب حياتها وهذا لا وجود له في أي بلد عربي اخر ..هنيئا لكم بهذه القوة الناعمة ''. في ذلك الوقت ، لم أستوعب كما ينبغي أهمية هذه الشهادة النابعة من القلب وربما سجلت ذلك في باب المجاملة .. ولكن ، بعد ذلك بسنوات ، لمست مثل هذا الرأي بل هذا الاعجاب لدى عديد الزوار من الشرق والغرب ..ثم أصبح هذا الرأي قناعة راسخة لدي بحكم المعايشة اليومية والمواكبة الاعلامية لما يحدث من حولي من أحداث وتظاهرات ومواقف تحتل فيها المرأة التونسية موقع الصدارة ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ..والامثلة على ذلك لا تحصى ولا تعد ، وليس هنا مجال استعراضها . مرت بذهني هذه الخاطرة وأنا أتابع بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة مؤخرا احتفال المرأة التونسية بالعيد العالمي للمرأة ونضالاتها الى جانب بقية فعاليات المجتمع المدني من أجل الحفاظ على مكاسب الدولة الحديثة والتصدي للقوى الرجعية بمختلف تشكيلاتها. وفي كل مرة أنزل فيها الى الشارع وأتابع اصرار المرأة على النضال ، ينتابني شعور بالاعتزاز وينزاح عني، في رمشة عين، ذلك الشعور بالنكد الذي صار يعاني منه العديد من المواطنين التونسيين بسبب النفق المظلم الذي دخلت فيه البلاد في الاشهر الاخيرة والذي نأمل أن تخرج منه قريبا ..أقول في نفسي وأنا أتابع نضال المرأة الى جانب الرجل في كل الميادين '' ما دام لدينا هذه القوة الناعمة .. سنتحرك دائما الى الامام و لا خوف على البلاد من دعاة القرون الوسطى ومن المتسربلين في جلابيب الشرق الحائر ''. هذه القوة الناعمة تشكل نصف سكان البلاد وبدونها يصبح المجتمع مشلولا ، وبالتالي فان دورها في بناء مستقبل البلاد في غاية الاهمية ونحن نريد أن تحقق ثورتنا المجيدة أهدافها في الحرية والكرامة و لا يمكن تحقيق ذلك الا في ظل نظام ديمقراطي حداثي . وعلى هذا الاساس يتعين على المرأة أن تنخرط بكل قواها في النشاط السياسي والجمعياتي والثقافي وأن تسجل وجودها في قائمات الانتخابات بكثافة حتى تستطيع أن تشارك في الاقتراع القادم ، فالرهان مصيري وأي تخاذل في الحفاظ على المكتسبات الحداثوية سيكلف المرأة والبلاد غاليا ، كما ينبغي توخي أقصى درجات الحذر في التعامل مع الواقع القائم و تفادي الانزلاقات والقرارات الرعناء التي يستفيد منها الخصوم مثلما حصل خلال الانتخابات الماضية حيث تسبب بث فيلم '' برسيبوليس'' على شاشة قناة تلفزيونية خاصة في اثارة البلبلة وكان تأثير ذلك على الناخب التونسي كارثيا باعتراف جل المراقبين. أقول هذا الكلام بعد أن علمت منذ أيام أن جمعية نسائية أجنبية تزعم النضال بواسطة اللجوء الى الصدور العارية (هكذا) تريد أن تفتح لها فرعا في تونس .. .أرجو أن ترفض نساء تونس التقدميات هذه ''الهدية المسمومة'' لان قبولها سيعود بالوبال عليهن وسيشوه كفاحهن من أجل الكرامة والحرية وسيجعل فقهاء الظلام ينجحون في كسب المزيد من الاصوات المعادية للمرأة وللحداثة.