تونس تنجح في انتاج 500 ميغاواط من الطاقة الشمسية بتعريفة قياسية    السفينة الشراعية العسكرية الجزائرية ملاح ترسي بميناء حلق الوادي    بطولة امم افريقيا للكرة الطائرة: المنتخب التونسي يفوز على نظيره البوتسواني 3-صفر    النادي الإفريقي: 33 لاعبا في انطلاق تربص حمام بورقيبة    سيدي بوزيد/ زوج شقيقة ارهابي من جند الخلافة يهدد نساء اجواره ويمنعهن من الخروج للشارع    نبيل بفون: 149 قائمة تقدمت للاتنتخابات التشريعية في اليوم الأول    الخارجية الإسرائيلية: وصول صحفيين سعوديين وعراقيين.. وسيلتقون بأعضاء الكنيست    هنيد ينتقل إلى نادي سلافيا براغا التشيكي مقابل مبلغ هامّ للسّي آس آس    نبيل بفون.. الهيئة ستنظر مع وزارة الماليّة في الإشكال الذي تعرّض له النائب زهير المغزاوي وفي مسألة استخلاص المنح العمومية عبر مبدأ التضامن    وزير الدفاع يوضح سبب نزول الطيار الليبي بتونس    استقالة 4 أعضاء من المكتب الجهوي للتيار الديمقراطي بالقصرين    تجميد الأرصدة البنكية لشركات جهوية للنقل البري    سليانة: شاحنات الجيش الوطني تشرع في إجلاء الحبوب المجمع بالهواء الطلق    اعترافات « الزعيم » المتهم بتهريب ذهب بقيمة 5 ملايين دينار كشفت عن تورط عون امن (متابعة)    الجيش الوطني الليبي يتقدم على كافة المحاور نحو طرابلس    مهرجان جربة أوليس الدولي ..عندما تتمايل الحروف بين أجراس الموسيقى على مسرح الهواء الطلق    مرتجى محجوب يكتب لكم: كلنا فداء للوطن ...    القصرين وتطاوين..حجز شاحنتي نقل محمّلة ببضاعة مهرّبة    ماجد المهندس يخضع لعملية تجميل.. ما الذي تغير في وجهه؟    كارول سماحة تُغازل الجمهور التونسي قبل حفلها في قرطاج    القيروان..القبض على شخص محكوم ب 10 سنوات سجنا    عملية بيضاء لحجيج الجنوب    الترجي الرياضي..الغاني بونسو ضمن المجموعة .. وود ضد فريق ايفواري    ‘أغنّي الحبّ وسط هذه الحرب”.. يوسف الشاهد يوجه رسالة إلى خصومه من حفل “سولكينغ”    بنزرت : بطاقة ايداع بالسجن ضدّ المتهم بقتل شخص والاعتداء على المواطنين بمدينة راس الجبل    البرلمان يرفض اتفاقا ماليا بسبب عدم توفر النصاب القانوني لتمريره    تأسيس حزب سياسي جديد تحت اسم “حزب الجبهة الشعبية    سليانة :شاحنات الجيش الوطني تشرع في إجلاء كميات الحبوب المجمعة بالهواء الطلق    الأسعد الدريدي ل"الصباح الأسبوعي": اسم النادي الافريقي يستحق المجازفة .. وخماسي بارز في الطريق    بالفيديو/ فايا يونان لالصباح نيوز: التمثيل خطوة مؤجلة وهذه أسباب غنائي بالعربية الفصحى    غيلان الشعلالي يلتحق بالدوري التركي    بعد غياب أسبوعين ..رئيس الجمهورية يعود للظهور    حلق الوادي: ''حوّات'' يُهشّم رأس زميله ويفقأ عينه    بطولة افريقيا للكرة الطائرة..المنتخب يواجه بوتسوانا في المنزه    فتح باب الترشح للمدرسة التطبيقية للحرف المسرحية، إختصاص ممثل الدورة السادسة 2019 / 2021    نابل: مداهمة مصنع طماطم بدار علوش بصدد تفريغ علب الطماطم منتهية الصلوحية و اعادة تعبئتها    مهرجان صفاقس : حفل ناجح لفايا يونان واللّيلة عرض "الزيارة" (صور)    توننداكس يستهل معاملات حصة الاثنين متراجعا بنسبة 23ر0 بالمائة    تسريبات/ الشّاهد و السبسي لا يتواصلان منذ خروجه من المستشفى.. وهذه التفاصيل    الكيان المحتل يهدم منازلا على مشارف القدس وسط إحتجاجات فلسطينية    وفاة يوكيا أمانو مدير وكالة الطاقة الذرية    الخطوط التونسية تقدم برنامجا خاصا برحلات الحج    الإنسان عقل وضمير ووجدان    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    بسبب إرتفاع الحرارة.. العقارب والأفاعي تشن الهجوم 20 ألف ملدوغ سنويا ووفيات بالسموم..    لطفي بوشناق يغني للوطن في مهرجان جرش    اليوم: طقس صاف والحرارة تصل إلى 39 درجة    الهند.. الصواعق والأمطار تقتل 32 شخصا    مدير وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية ل"الصباح الأسبوعي": هذه الامتيازات التي منحها القانون الجديد للاستثمار الفلاحي والباعثين الشبان    حصيلة حملات الشرطة البلدية على امتداد ال24 ساعة الأخيرة    أول صدام بين رونالدو ومدرب يوفنتوس الجديد    القصرين : تقدم أشغال عدد من مشاريع البنية التحتية    الملح يسبّب أمراضا خطيرة    ظهور الحب في اللسان    نصائح جدتي ..معالجة مشكل ثقل اللسان    ريحة البلاد .. بلال بن أحمد قرمبالية..سنمثل تونس أحسن تمثيل في الخارج    معهم في رحلاتهم    5 نصائح لتشجيع طفلك .. على تناول الأكل الصحي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الانتهازية مبدأ ثابت في سياسة عمر البشير
نشر في الجريدة التونسية يوم 29 - 12 - 2017

عندما أعلن الرئيس السوداني عمر البشير انضمام بلاده إلى عاصفة الحزم التي تقودها المملكة العربية السعودية لدعم الحكومة في استعادة الشرعية من الحوثيين، وقطع الطريق على إيران، قوبل هذا الإعلان بكثير من الريبة والتشكك وطرح أسئلة عديدة عن مدى جدية عمر البشير في هذا الطرح وهو الذي كان إلى وقت قريب حليفا مقرّبا من إيران. لكن، بالنظر إلى تاريخ الرئيس السوداني وسياسته وانقلاباته في تحالفاته يجد الجواب الشافي ويتأكد لديه أن العزلة الخارجية وأزمة الداخل هما ما دفعتا الخرطوم نحو عاصفة الحزم والانقلاب على إيران خاصة وأن واشنطن كانت تدرس قرار رفع العقوبات الاقتصادية. وفعلا صادقت إدارة ترامب على القرار وكسر البشير عزلته وزار إلى جانب روسيا ودول أفريقية عدة دول عربية تخطت قرار المحكمة الدولية واستضافته، لكنه لم يلبث أن عاد إلى عادته في الانقلاب وتغيير بوصلة تحالفاته نحو تركيا وقطر، بالتزامن مع تقارب آخر مع روسيا.
لا يستغرب السودانيون بروز علاقات مرتجلة حميمة مع تركيا على النحو الذي أظهرته زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة للسودان. ومصدر عدم الاستغراب يعود إلى انتهازية مارسها الرئيس السوداني عمر البشير على رأس الدولة منذ الانقلاب الذي قاده في 30 يونيو 1989.
كشف حينها أن الانقلاب أتى بالتواطؤ مع القيادي الإسلامي الراحل حسن الترابي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي الإسلامي، لكن تلك الشراكة لم تصمد طويلا إذ سرعان ما انقلب البشير على الأب الروحي للحركة الإسلامية في السودان فأزاحه عن الحكم ودفع به إلى صفوف المعارضة بعد مرور متقطع إلى داخل السجن.
في السودان يروّج قول يعتبر أن من يأتي إلى الحكم بانقلاب يسهل عليه الانقلاب على قيم ومفاهيم ومواقف. لا يعتبر البشير زعيما حقيقيا، بمعنى قدرته على استشراف مستقبل بلده. فالرجل عمل منذ اللحظة الأولى لانقلابه الشهير على حماية سلطته وصون حكمه وأحاط نفسه بالموالين ولم يتحمل يوما ملاحظات الإصلاحيين من داخل صفوف حزبه. لا يعتبر البشير رجل كلمة بل شخص يفعل المستحيل، بما في ذلك اقتراف المحرمات، للذود عن حكمه وسلطته.
عرف الرجل منذ عبوره نحو الحكم أن العالم الغربي لن يؤمّن له الحماية الضرورية لبقائه في الحكم. تبنّى البشير سياسة ثورية ضد الدول الكبرى وانتهج خطابا يقترب من الماركسيين الثوريين في العالم على الرغم من خلفيته الإسلامية الخالصة. لا يعرف المراقبون للشأن السوداني ما إذا كانت استضافة الرجل الثوري الدولي الشهير كارلوس كانت لحمايته أو لقبض ثمن تسليمه لاحقا.
دخل كارلوس السودان قادما من الأردن. قال الترابي حينها إن الرجل دخل خلسة إلى البلاد دون علم الحكومة، لكن كارلوس نفسه، وفي معرض رد هذه التهمة عنه، أكد أن الأمر حصل بالتنسيق الكامل مع سلطات البلاد.
وتفيد المعلومات أن حكم البشير أجرى صفقة مالية مع فرنسا قام بموجبها جهاز الأمن السوداني بتخدير كارلوس قبل أن يقع تسليمه إلى باريس، ضمن ما قيل وقتها إنها عملية اختطاف قامت بها أجهزة الأمن الفرنسية ضد الإرهابي الذي سبق أن نفذ عمليات وقتل فرنسيين على الأراضي الفرنسية.
أراد البشير الاستقواء بالتيارات الجهادية في المنطقة. فتح أبواب بلاده أمام القيادات الإسلامية المطرودة من بلادها والذين شكلوا في التقائهم داخل السودان الهيكل التنظيمي المتقدم لتنظيم القاعدة الذي سيرتكب في ما بعد جريمة 11 سبتمبر. لم يكن حينها أسامة بن لادن في السودان بل في أفغانستان. لكن الخبراء يعتبرون أن أعوامه السودانية هي التي ساهمت في تجميع قواه وقوى تنظيمه.
كان البشير يحتاج إلى رعاية بن لادن وصحبه لحكمه ومحض سلطته بشرعية إسلاموية. لكنه كان يحتاج أيضا إلى الملايين من الدولارات التي استثمرها بن لادن داخل السودان بما يقوي ركائز حكم البشير. وحين أبعد بن لادن عن السودان عام 1996 نقل عنه أنه قال "لقد غُدر بنا في السودان".
رئيس التناقضات
انتهازية البشير تظهر بوجوه وقحة في التنقل من التحالف الكامل مع العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين إلى التحالف مع إيران وقطر ثم مع السعودية والخليج على نحو يجعل من تحالفه الجديد مع تركيا تفصيلا في سلسلة لا تنتهي.
بدا في حقبة معيّنة أن السودان بات امتدادا استراتيجيا لإيران. أضحت زيارات السفن الحربية الإيرانية لموانئ السودان روتينية حتى أن غارة إسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية في السودان كشفت مقدار التعاون الحاصل بين الخرطوم وطهران.
لكن حسابات البشير تبدّلت حين بدا أن علاقاته مع إيران لم تعد مفيدة. حينها فقط اكتشف أنشطة التشيّع المزدهرة في بلاده فأقفل المراكز الثقافية التابعة لإيران، قبل أن يظهر في ما بعد أن مناوراته المعادية لإيران كانت مدخلا للتقرّب من دول الخليج.
لم تكن علاقاته مع قطر نقيضا لتلك مع إيران. لا بل إن البعض من الخبراء في الشؤون السودانية كانوا يعتبرون تلك العلاقات متكاملة. أراد البشير من علاقاته مع الدوحة وطهران الارتباط بالعواصم الراعية والداعمة للإسلام السياسي السنّي والشيعي. لم تعد التيارات الإسلامية تثق بالبشير منذ طرد بن لادن، لكنه استعاض عن تلك التنظيمات بالعواصم المموّلة لها.
كانت الحرب الداخلية في إقليم دارفور تشكّل لعمر البشير شرعية وجود على رأس السلطة في البلاد. كان لتلك الحرب ذات العصبية العربية الأفريقية بعدٌ التفّ حوله لوبي المصالح والأمن في البلاد. أدخل البشير قطر طرفا في مفاوضات التسوية بين الحكومة والجماعات المسلحة بحيث تتولّى الدوحة تغطية الجانب المالي لأي تسويات.
وحين أعلن البشير انضمامه إلى حملة "عاصفة الحزم" في اليمن لم يكن أحد في الخليج، لا سيما في السعودية يثق كثيرا بهذا الرجل، ولم يعتبر أحد أن البشير يحدث تحولا جذريا في خياراته الاستراتيجية. ونقل حينها عن مراقب خليجي مخضرم أن البشير يتذاكى ويمارس لعبة مكشوفة لكن ليس أمام الرياض إلا القبول بهذا التحوّل ومنحه فرصة جديدة.
تحالفات متقلبة
توسّطت الرياض طويلا لدى الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب من أجل رفع العقوبات الأميركية عن السودان. تملك واشنطن ملفا معقّدا عن مساهمات نظام عمر البشير في قضايا الإرهاب ولم تكن ترى في سلوك الرجل وحكمه ما يبرّر تبدل النظرة الأميركية إلى الخرطوم. لكن واشنطن أصغت هذه المرة إلى الرياض ووافقت على رفع العقوبات عن السودان. ومع ذلك فإن رفع عقوبات دامت 20 عاما في أكتوبر الماضي جاء جزئيا يغطي التحسن في حقوق الإنسان في السودان، لكنه لا يغطي مسائل متعلقة بتورّط السودان في أعمال إرهابية.
عملت المجموعة العربية على حماية البشير من قرارات محكمة العدل الدولية، حتى أن تلك المحكمة طالبت بإحالة الأردن إلى مجلس الأمن لرفضه اعتقال وتسليم البشير أثناء مشاركته في أعمال القمة العربية في الأردن.
زار الرئيس السوداني دول المنطقة ولم تكترث عواصمها بالمزاج الدولي الذي تعبّر عنه المحكمة الدولية باعتبار البشير رجلا منبوذا ملاحقا قضائيا. ومع ذلك، وبحكم انتهازيته المعروفة، يذهب البشير للتحالف مع تركيا وتقديم جزيرة للقوات التركية غير عابئ بالضرر الذي يسببه ذلك على أمن جيرانه في المنطقة لا سيما السعودية ومصر.
يتساءل المراقبون عن سياسة الابتزاز التي يمارسها الرئيس السوداني ضد دول الخليج، وكيف يتم تفسير اجتماع رؤساء أركان تركيا وقطر والسودان. ويتساءل هؤلاء أيضا عما إذا كان في ذلك الاجتماع بروز حلف عدواني من الدول الثلاث ضد مصر والخليج يعلن من الخرطوم.
وفي الأسئلة أيضا ما الثمن الذي قبضه البشير في المال والسياسة للانقلاب على مواقفه الأخيرة الداعمة للرياض وما الثمن الذي ينتظره ليبدّل رياحه باتجاه أشرعة أخرى. ثم إن منابر سودانية بدأت بالتحدث عن عدم كفاءة الرجل في حكم البلاد مسترشدة بتصريحاته الأخيرة التي أطلقها في موسكو ضد الولايات المتحدة. وتقول هذه المنابر إن مواقف البشير ضد واشنطن بعد أسابيع على رفع العقوبات الأميركية ضد بلاده، عدا عن كونها إعلانا باللجوء إلى الخيار الروسي، فإنها صبيانية مرتجلة تخلو من أي رصانة وأي مصداقية، وهي مواقف تقلق واشنطن ولا تغبط موسكو.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.