تشبه التصريحات الاخيرة للباب بنديكتوس ال16، عملية رمي عود كبريت في مكان مؤهل للاشتعال وللانفجار. هكذا ودون مقدمات في توقيت عالمي يمشي فيه الجميع على الجمر، رأى بابا الفاتيكان وهو اعلى سلطة مسيحية ان يطلع العالم على تأملاته بخصوص علاقة الاسلام بالعقل وصورة النبي محمد (ص). ورغم ان الدين الاسلامي وأهم رموزه قد شهدا خلال هذا العام ابشع حملة عدائية ومغرضة، الا ان ما صرح به بابا الفاتيكان لم يخل من وقع المفاجأة وايقاع الصاعقة. فهي تصريحات لم تخطر لا على البال ولا على الخاطر وتتعارض مع تاريخ مؤسسة الفاتيكان في دعم الحوار بين الاديان واحترام الاديان التوحيدية الثلاثة وتجنيبها كافة اشكال الاساءة. فما حصل ليس موقفا سلبيا او صمتا مقصودا، حول تطاول شخص ما او جهة معينة على الدين الاسلامي، بل هو انتقاد صريح ومدروس تولى بابا الفاتيكان بنفسه التفوه به في المحاضرة التي القاها بألمانيا. اي ان في هذه الحالة، يصح التعامل مع تلك التصريحات على انها تعبير رسمي عن موقف المسيحيين من الاسلام وبالتالي من المسلمين وهنا تكمن خطورة التصريحات في ناطقها وتمثيليته ورمزيته أكثر من مضمون التصريحات نفسها. وطبعا التطاول الصادر عن اعلى رمز مسيحي اليوم ضد النبي محمد (ص) والقول انه لم يأت الا بما و سيء وغير انساني، اضافة الى حالة الاستنكار والخيبة التي يخلقها، يذكرنا باساءة لم نتجاوزها بعد، وهي الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخص النبي محمد والتي انطلقت من النرويج والدنمارك لتشمل بعض العواصمالغربية الاخرى. فهل نحن امام اساءات لا رابط بينها ام انها خطة موزعة الادوار بين اطراف رسمية واخرى غير رسمية؟ وفي الحقيقة امام زلات اللسان الكثيرة التي انطلقت مع جورج بوش الابن اثناء احداث 11 سبتمبر 2001 والتي افتتحها باستعمال عبارتي «الحرب الصليبية» مرورا بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول وصولا الى تصريحات اعلى رجل دين في العالم المسيحي، فان فرضية الهجمة الشرسة التي يتعرض اليها الاسلام والتعاطي معه كعدو بديل للشيوعية تطرح نفسها خصوصا وان مجالات والتقليص من دلالات ما حصل تبدو ضعيفة جدا والحال انها صادرة لا عن فنان كاريكاتوري حر ولا عن لاهويين اصحاب اطروحات متطرفة، بل هي صادرة عن بابا الفاتيكان الذي من بين ادواره المحافظة على هيبة الدين المسيحي التي لا تكتمل ولا تتحقق سوى بحماية هيبة الاديان الاخرى. كما ان سيطرة فرضية الكراهية التي يتعرض لها الدين الاسلامي، في الغرب، تعني في المقابل ان صوت الجماعات المتطرفة الاسلامية سيجد الذرائع التي تجعله عاليا ومؤثرا، في حين ان الاصوات المعتدلة والتنويرية، سيخفت تأثيرها وستجد نفسها معزولة، عديمة التأثير، هذا اذا لم تتهم بالتستر على الاساءات المتزايدة ضد الاسلام وقرابة مليار ونصف مسلم. وعند الحديث عن الافاق التي تفتحها مثل هذه التصريحات للراديكالية الدينية سواء بالنسبة للتنظيمات الكبرى او تلك الجماعات الصغرى التي هي بصدد التشكل والتكاثر فان الخوف الاساسي رصيدها الشعوب الاسلامية وبالخصوص فئة الشباب التي تمثل اكثر من 60% من المجتمعات العربية والاسلامية وهو ما يعني ان الحرائق المنتشرة في طريقها الى مزيد من التأجيج وللأسف فان الطرف الذي سمح لنفسه بصب البنزين على النار في هذه المرة هو بابا الفاتيكان الذي اثبت انه شخص غير مسؤول وهذا اقل ما يمكن ان يقال عن سلطة دينية عبثت حتى بأصول البروتوكول الديني. وفي هذا السياق لا يسعنا سوى ان نسخر وان نتغبن على كل تلك الندوات الخاصة بالحوار بين الاديان التي اغدقت فيها الاموال والجهود في حين ان الشروط الدنيا للحوار غائبة ولا يمتلكها لا الكبير ولا الصغير!