يدخل إضراب الجوع، الذي يشنه المناضل الكبير المحامي محمد النوري والقلم الحر الصحفي المتميز سليم بوخذير من أجل الحق في التنقل والسفر، يومه العاشر. ومع بلوغ الإضراب هذه المرحلة المتقدمة بدأت آثاره الصحية تبرز على المضربين على شكل حالة من الفشل العام واضطرابات في النوم وآلام في مختلف أنحاء الجسم إضافة إلى حالات إغماء متكررة وارتفاع في ضغط الدم. ويتزامن هذا الإضراب مع الذكرى 20 للتحول ليذكر أولياء الأمور في بلادنا بانهم وعدوا صبيحة ذات يوم خريفيّ أن "لا ظلم بعد اليوم" وان "التونسيين أصبحوا جديرين بحياة سياسية أفضل". ولا مندوحة لكل مراقب مهما حاول أن يقف على مسافة واحدة من البيان والإضراب في الان نفسه أن يتساءل إلى أي مدى تم الوفاء بوعد "لا ظلم بعد اليوم"... أليس من الظلم أن يحرم شيخ سبعينيّ أفنى حياة في خدمة العدل ومختلف قضايا البلاد من حقه في أن يتنقل بحرية داخل البلاد وخارجها؟ أليس من الظلم أن يحاصر مقره بالعشرات من أعوان الأمن ويمنعوا عنه زبائنه وزواره...؟ هل هذه هي الحياة السياسية الأرقى؟ أم هل أخطانا قراءة البيان؟ أليس من الظلم أن يضطر هذا الشيخ إلى أن يضع حياته في خطر ويغامر بصحته ويدفع بعائلته إلى القلق عليه وعلى حياته من اجل وثيقة باتت في أكثر بلاد العالم تخلفا تعطى مع شهادة الميلاد؟ لامندوحة من أن نسال هل أن الحياة الكريمة التى وُعدنا بها فجر ذلك اليوم، إذا صحت قراءتنا للبيان، تتمثل في أن يضطر صحفي حر رأس ماله القرطاس والقلم أن يدفع من جسده المنهك أصلا بسبب المحاصرة والمنع من العمل. هل هذه الحياة الكريمة التى وعد بها الشعب التونسي وهي أن يهان الصحفيون ويمنعوا من العمل والتنقل؟ على كل ففي الأمر ولا شك التباس: فإما أننا قرأنا البيان قراءة صحيحة فيقع اللوم بالتالي على أهل الحكم في بلادنا لأنهم لم يفوا بما وعدوا به... أو أننا أخطانا العنوان و علينا بالتالي أن نعيد قراءة البيان قراءة عرفانية بيانية باعتباره "بيانا" وبالتالي سنضطر إلى الاستنجاد بأدوات الحلاج وابن عربي في التأويل وقراءة البيان قراءة تقوم على الحكمة الإشراقية ... وفي انتظار تصحيح القراءة وإعادة التأويل لا بد من إيقاف المهزلة.. ومنع مزيد تدهور صحة المضربين بتمكينهما من حقوقهما الدنيا والبسيطة وهي الحق في السفر. ... كنت أتابع إحدى القنوات الفضائية وهي تقدم خبرا عن الانتخابات في إحدى الدول الإفريقية الفقيرة عندما وقفت على مشهد ظل ينخر فيّ الى الآن. وكان المشهد يصور مجموعة من الناخبين ينتظمون امام صناديق الاقتراع في صفوف طويلة ممتدة وسط إحدى الغابات والاحراش الاستويائية ...وليس بعيدا عن مكان الاقتراع كانت مجموعة كبيرة من الحيوانات البرية تقوم بهجرتها السنوية فتنقلت الكاميرا بين الصورتين وكأنها تصر على نكئ جراحنا. وأنا استرجع هذه الصورة.... وأنا أقف على حال بلادنا السياسية وقد تخلفت حتى عن دول إفرقيا جنوب الصحراء ...شعرت، مثلما يشعر أي غيور على بلده، بألم كبير لا يوصف. ويزداد هذا الألم عندما نربط بقية المشهد بواقعنا الحالي وباضراب الجوع تحديدا.. فحق التنقل وهو حق طبيعي تتمتع به قطعان الجاموس والبقر الوحشي وأسراب البط البري يمنع عن المواطنين في بلادنا ! بل يحجر عليهم أحيانا التنقل من شارع الحبيب بورقيبة إلى شارع باريس أو من الباساج إلى برشلونة... لا مندوحة من السؤال لامندوحة من أن نسأل اليوم وبكل إلحاح إلى متى....؟ إلى متى سيظل المواطن في بلدي محروما حتى من الحقوق التى يمتع بها الحيوان...؟ إلى متى سيظل النوري وبوخذير ومن قبلهما الشابي والجريبي ومن قبلهما مئات المساجين ومن قبلهما...إلى متى يظل هؤلاء يموتون جوعا حتى يقع الاعتراف لهم بحقوق هي اقل مما يتمتع بها الحيوان في كثير من بلاد العالم .... أخيرا، وحتى لاتغرق في احلام اليقظة، ادعوا إلى التوقيع على عريضة جماعية لا نطالب فيها بحقوق الإنسان ولا بتطبيق المواثيق والعهود الدولية ... بل نطالب فيها بان نتمتع بنفس الحقوق التى تتمتع بها الحيوانات في بلدان مثل اليابان وبريطانيا وغيرها. فهل هذا ما يريده أهل الحكم في بلادنا بعد عشريتين من التغيير..جعلنا في مرتبة اقل من الكلاب والقطط اليابانية والانقليزية!!!!!!!!! لقد كان أسلافنا إذا ما أرادوا ذم الحياة نسبوها إلى الكلاب..فيقولون " عيشة كلاب"؟؟؟ أما نحن اليوم فبتنا نطالب بان نتمتع بما تتمتع به الكلاب من حقوق! فما أكثر ما تم إنجازه خلال 20 سنة من التغيير.