في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت الشاشة واحدة. التلفاز كان يتصدر غرفة الجلوس، مركز اجتماع الأسرة. الأطفال يشاهدون الرسوم المتحركة مع آبائهم، مباريات كرة القدم تُعلَّق مباشرة بين الإخوة والأخوات والجيران، والأفلام كانت تثير نقاشات طويلة بعد عرضها. هذه الشاشة المشتركة لم تكن توفر فقط رقابة أبوية طبيعية، بل شكّلت أيضًا محور اهتمام جماعي يعزز الروابط الاجتماعية والأسرية. ... وصولاً إلى تعدد الشاشات اليوم في عام 2023، تغيّر المشهد جذريًا. كل فرد من العائلة يمتلك شاشته الخاصة: هاتف ذكي، جهاز لوحي، حاسوب محمول أو منصة ألعاب. النتيجة: بدلًا من مشاركة لحظات جماعية، ينغلق كل شخص في عالمه الرقمي الخاص. هذا التفكك في التجارب يؤدي إلى فقدان التماسك الأسري، ويخلق مناخًا يحل فيه الصمت الرقمي محل التبادل الحيّ الذي كان يميز الماضي. تحولات نفسية ومعرفية يحذر علماء النفس من ظاهرة متزايدة: العزلة الاجتماعية رغم القرب الجسدي. فالعائلات تجتمع في المكان نفسه، لكن كل فرد منهم غارق في شاشته. الأطفال يتعلمون بدرجة أقل الحوار والنقاش أو حتى مجرد سرد تفاصيل يومهم. أما على المستوى المعرفي، فإن فرط التحفيز الرقمي يؤدي إلى تراجع القدرة على التركيز. الإشعارات المستمرة تشتت الانتباه وتجعل القراءة المتعمقة، الدراسة أو حتى إجراء محادثة مطوّلة أمرًا صعبًا. انعكاسات اجتماعية عميقة الانتقال من شاشة جماعية إلى شاشات فردية يعكس تحوّلًا اجتماعيًا: صعود الفردانية الرقمية. فبينما كانت شاشة التلفاز تصنع خيالًا جماعيًا، تعمل خوارزميات تيك توك ونتفليكس ويوتيوب على حصر كل فرد في فقاعة شخصية، تُشكّل آراءه وذوقه وحتى معتقداته. لم تعد الأسرة تعيش الواقع الإعلامي ذاته: الطفل والمراهق والوالد يتحركون في عوالم متوازية، ما يقلل فرص الحوار بين الأجيال. مخاطر على الصحة والتعليم * الإدمان: الشاشات قد تولّد تبعية، خصوصًا لدى الأصغر سنًا. * اضطراب النوم: الضوء الأزرق يضعف جودة الراحة، ما يسبب التعب والعصبية. * الصحة الجسدية: قلة الحركة، السمنة، مشكلات في القوام. * هشاشة التعليم: فقدان الإحساس بالزمن، التعرض لمحتويات غير ملائمة، التنمر الإلكتروني. وفي ظل هذا التعدد في الوسائط، يجد الآباء صعوبة في فرض رقابة فعالة. إلى أي مستقبل؟ إذا استمرت هذه الوتيرة، فقد ندخل عصرًا تصبح فيه المعايشة الجسدية غير كافية لضمان الرابط الاجتماعي. إذ قد تنحصر الأسرة في أفراد متصلين بالشبكة، لكنهم يعيشون في عوالم متوازية. مع ذلك، لا يبدو المستقبل قاتمًا بالضرورة. هناك حلول ممكنة: * تعزيز مساحات خالية من الشاشات (مثل وجبات الطعام أو الأمسيات العائلية). * تطوير منصات تعليمية أكثر أمانًا ورقابة. * بروز شاشات جماعية ذكية تشجع المشاركة المشتركة (كالواقع الافتراضي الجماعي أو "الميتافيرس" العائلي). في المحصلة، يطرح التطور التكنولوجي تحديًا محوريًا: استعادة التوازن بين الرقمي والإنساني. فالشاشة لا ينبغي أن تحل محل الرابط الاجتماعي، بل أن تعود أداة للتقاسم، قادرة على التقريب بدلًا من العزل. تعليقات