النجاحات المحدودة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في غزة – رغم إعلانه بانتصار الحرب نهائيًا – منحت واشنطن جرعة جديدة من الثقة. فبينما لم تُنهِ الإدارة الأمريكية بعد ملفات روسياوأوكرانيا (علماً أنّ ترامب وعد أولاً بإنهاء الحرب خلال "24 ساعة"، ثم أصبحت "6 أشهر"، وهكذا دواليك)، قررت خوض غمار أزمة أخرى، أشدّ تعقيدًا: الخلاف بين المغرب و الجزائر. المبعوث الخاص لترامب إلى الملفات الساخنة، رجل الأعمال ستيفن تشارلز ويتكوف، يرى أنه من الممكن تمامًا أن يوقّع البلدان اتفاق سلام خلال 60 يومًا فقط. لكن تصريحات ويتكوف لا تلزم سوى صاحبها. فهذا المقرّب من الرئيس الأمريكي – الذي لم تكن له أي خبرة دبلوماسية من قبل – مقتنع بقدرته على إنجاز المهمة. و قد أدلى بهذه التصريحات في مقابلة مع قناة CBS بُثّت مساء الأحد 19 أكتوبر، رفقة صهر ترامب جاريد كوشنر. و أكّد ويتكوف أن فريقه يعمل على مشروع لتقريب وجهات النظر بين الرباط و الجزائر، مشيرًا إلى أن المفاوضات الجارية تجعل من هذا الموعد الزمني هدفًا "واقعيًا". و يستند ويتكوف في تفاؤله إلى العلاقات الجيدة التي تربط الولاياتالمتحدة بكلٍّ من الجزائر و المغرب، في مجالات متعددة. غير أنّ السؤال المطروح هو : هل يحقّ للدبلوماسي الأول في أمريكا (إذ يبدو أن ويتكوف هو من يشغل هذا الدور و ليس ماركو روبيو الهادئ عادة) أن يخوض في ملف بهذه الحساسية؟ ترامب الذي يزعم أنه أوقف ثماني حروب – في انتظار أوكرانيا – هل يملك حقًا الوسائل لتحقيق طموحاته، مهما بلغت قوته و نفوذه؟ ما هو مؤكد أنّ الجزائر و جارتها المغرب قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية منذ أوت 2021 و أغلقتا حدودهما منذ عقود. لا عبور و لا حوار. و كل المبادرات السابقة لإذابة الجليد بين البلدين باءت بالفشل. حتى قطر، التي تُعدّ الوسيط الأنجح في العالم، عجزت عن تحقيق أي تقدّم يُذكر. و قبل أقل من أسبوعين، أغلق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الباب أمام وساطة المملكة العربية السعودية الرامية إلى إعادة الدفء بين الجزائر و الرباط. فماذا يملك ويتكوف في جعبته ليعتقد أنه سينجح حيث فشل الجميع؟ سؤال يظل بلا جواب، ما لم تكن مجرد وعود جوفاء على غرار تعهداته السابقة بإنهاء الحرب في أوكرانيا. مثل هذه التصريحات تمنح الرئيس ترامب فرصة للتعزية عن جائزة نوبل للسلام التي حُرم منها. و ربما تهدف أيضًا إلى إقناع مئات الآلاف من الأمريكيين الذين تظاهروا أمس بأن رئيسهم ليس "الوحش" الذي يصوّرونه ، بل "رجل سلام" محبّ للعدالة – و إن كان ذلك موضع شك كبير. و لا يبدو أنّ بثّ المقابلة في اليوم ذاته الذي شهد احتجاجات واسعة في المدن الأمريكية أمرًا عشوائيًا. و مع ذلك، فإنّ مثل هذه "الإنجازات" الخارجية لن تكفي لتهدئة المواطنين الأمريكيين المعروفين بعدم اكتراثهم بالقضايا الدولية. العقبة الأخرى أمام ويتكوف و فريقه تكمن في أنّهم يتحركون فوق أرض ملغومة بالخلافات القديمة و أبرزها قضية الصحراء الغربية حيث لا الجزائر – الداعمة لحركة البوليساريو – و لا الرباط على استعداد للتنازل عن شبر واحد، متمسكين بإطار الأممالمتحدة الذي لم يُفضِ بعد إلى أي حلّ ملموس. و ليس هذا الخلاف الوحيد، فثمة أيضًا تباين جوهري في المواقف من إسرائيل و فلسطين. فالملك محمد السادس يحافظ على علاقات وثيقة مع تل أبيب و في الوقت نفسه يترأس لجنة القدس، بينما تصطفّ الجزائر بثبات إلى جانب القضية الفلسطينية و تدافع عنها في كل المحافل. كل ذلك يجعل الهوة بين البلدين عميقة يصعب على واشنطن، رغم نفوذها و قوتها، تجاوزها بسهولة. و مع ذلك، سنمنح ترامب و ويتكوف فائدة الشك. فربما يكون محقًا في القول إنّ هذا النزاع، رغم تعقيده، ليس مستعصيًا على الحل بالنظر إلى حجم المصالح المشتركة المطروحة على الطاولة. فالصراع الحالي لا يخلّف سوى الخسائر : للشعبين الجارين و للاقتصادين الجزائري و المغربي و لعموم المنطقة المغاربية و ما بعدها. تعليقات