الأجناس الأدبية على اختلافها تبقى في جوهرها تعبيرا عن الذّات والحياة، ولعلّ «التخييل الذاتي»(l'autofiction) هو الجنس الأدبي الذي اختاره الكاتب اللبناني رشيد الضعيف في جلّ كتاباته لملاءمته نهجه الرّوائي من أجل تناول جملة من المواضيع تدور أساسا في لبنان وعاصمتها بيروت والمدن المجاورة لها. فالإطاران الزماني والمكاني يعطيان صبغة واقعيّة لرواياته، حيث أن البطل الرئيسي يدعى «رشيد»، إضافة إلى أنّ أغلب الرّوايات من بداياتها حتى نهاياتها تُروى على لسانه في صيغة المفرد، بضمير المتكلم «أنا» : «بما أنّي، أنا رشيد شخصيّا، المتحدّث» (ص 19 : عزيز السيد كواباتا). يضفي حضور الكاتب الرّاوي بنفسه كسارد للحكاية وطرف فيها شحنة على إقناع القارئ بتأصيلها في بيئتها وطرحها لما هو واقعيّ، حيث تتراوح الأحداث بين ما هو ماض وحاضر، قديم وحديث، كما ورد في أعماله المترجمة لعدة لغات أجنبية والصادرة عن دار الساقي ودور نشر أخرى : (فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم – عزيز السيد كواباتا–ليرننغإنغلش– تصطفل ميريل ستريب – هرة سيكيريدا...). الخيط الناظم بين جل روايات رشيد الضعيف هو الحرب الأهلية بلبنان (1975 - 1990) لما خلّفته في نفسه من وقع حزين حوّله كمعظم الكتّاب اللّبنانيين الذين عاشوا تلك الفترة إلى كتابات تعكس رحى الحرب ومخلّفاتها. لكن تبقى العلاقات الاجتماعية والعائلية والزوجية أكثر المواضيع تناولا في رواياته ملمة بكافة أطياف المجتمع اللبناني. وذلك بطريقة فيها تشويق للقارئ بالاعتماد على أسلوب «العود على بدء» (des flashs backs) مصطحبا القارئ إلى متاهات التباين والاغتراب النفسي، فنجد التأرجح بين الحداثة والتقاليد في مجتمع شرقي له قيمه وثوابته في زمن مُعولم، ومن مظاهر هذه العولمة المحبّذة عند رشيد الضعيف التطوّر التكنولوجي «لا أتحمّل ألا أكون معاصرا التكنولوجيا الرقمية الحديثة تختصر الوقت والمسافة». (ص 19-20 : ليرننغإ نغليش). أسلوبيا كتابة رشيد الضعيف تتّسم بالبساطة، فعلى المستوى اللغوي لا يجد القارئ صعوبة في تتبّع ردهات الأحداث وحوارات الشخصيات التي لا تتوارى عن لفظ بعض الكلمات باللهجة اللبنانية (هكذا يتروّقون !، كباية ماء...) وبعض المفردات باللغة الفرنسية والانقليزية. كما لا يفوت القارئ أن يلاحظ في بعض الأحيان الجمل المتواترة (redondantes) وكأنّ الكاتب يريد التّركيز على رسم ملامح شخصيّاته الأكثر قربا منه لمكانتها ورمزيّتها والتي تتّصف إجمالا بالصراحة والمصارحة. ولكن أكثر ما يشدّ القارئ في كتابات رشيد الضعيف هو الجرأة في تناول بعض المواضيع الاجتماعية المتعلقة خاصة بالمرأة وملازمته بقدر كبير لما هو « authentique ». فتداخل الأحداث وترابطها لا يخضع دائما إلى بنية نصية كلاسيكية، وكأن الكاتب يستمدّ تقنيات كتابته النثريّة من السينما على اعتبار كتابته لسناريوهات أفلام وقع فعلا تصويرها. فعينه تتحوّل إلى عدسة كاميرا تصوّر كلّ ما تقع عليه، حتى أدقّ التفاصيل !فالنصّ يصبح مجموعة من المشاهد تصوّر الواقع والمتخيّل على حدّ السّواء، وكأن لسان حاله يقول «الكتابة هي ترسيخ لما يشاهد وما يختلج في الذهن والنفس من أتراح وأفراح ! فرشيد الضعيف نوّه عدة مرات بأنّ له ذاكرة جيّدة تجعله يستحضر الماضي : «قوّة التذكّر عندي نعمة الطبيعة عليّ»، (ص 30 : عزيزي السيد كواباتا)، وتمكّنه فعليّا من تحويل الواقع والخيال إلى مادّة نثريّة.