حسونة الناصفي رئيسا لكتلة الحرة لحركة مشروع تونس    نضال اللطيف يدير لقاء الترجي والجليزة    كرة القدم: برنامج مباريات الجولة 8 للمحترفة 2    منظمة الصحة العالمية: هذه الدول هي الأكثر استهلاكا للمضادات الحيوية    سليانة: مرضت والدته فأصبح من أكبر مروّجي المخدرات    تم اختياره في التشكيلة المثالية لليغ 1: وهبي الخزري يتفاعل مع تتويج الترجي وينشر سجله الحافل    العالية : حجز 300 لتر من مواد التنظيف مجهولة المصدر    تفاقم عجز الميزان التجاري في سبتمبر 2018    حصري : حالة استنفار على الشريط الحدودي مع الجزائر بسبب 4 وفايات و700 اصابة بعد تفشي وباء جديد خطير ..التفاصيل    حارس النادي الصفاقسي ايمن دحمان في المنتخب الوطني    مؤتمر باليرمو حول ليبيا.. وزير الخارجية يلتقي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا                هذه الليلة: الحرارة بين 12 و18 درجة مع أمطار متفرقة    فظيع بحي التضامن: مسنة تذبح جارها وتسدد له طعنات قاتلة بعد «عركة » بينهما    صفاقس: السجن المدني يحتفي بأيام قرطاج السينمائية بصفاقس والفن يحارب الجريمة        تشكيلات عسكرية تحجز سيارة مهربين عالقة في الساتر الترابي..وايقاف 8 مهربين        الداخلية: محجوزات قضية مصطفى خذر على ذمة القضاء    خواطر حول الإسلام السياسي ..!؟ والحكم في تونس....!؟ -- بقلم لطفي شندارلي    القيروان : مجموعة من الشبان يضرمون النار في اجسامهم للمطالبة بالشغل    تونس: وزارة التربية تحذّر التلاميذ والأولياء من لعبة ''دوكي دوكي''    تفاصيل البرمجة الخاصة بمهرجان المولد النبوي الشريف بالقيروان    صاروخ غزاوي يصيب حافلة مستوطنين اسرائيلية    امريكا: ارتفاع عدد ضحايا حرائق كاليفورنيا إلى 31 قتيلا    تفاصيل الاطاحة بخليّة ارهابيّة بجندوبة    عبد المجيد الزار:"لا يوجد امن غذائي في تونس ما دمنا نستورد اكثرمن 70 بالمائة من حاجياتنا من الحبوب ونستورد الاعلاف" 

    وفاة امرأة إثر اغتصابها من قبل زوجها وأصدقائه    عبد المجيد الزار: “سعر زيت الزيتون غير كاف للفلاح”    يوم ترويجي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف بالقيروان    فرنانة/العثور على جثة كهل متفحمة داخل كوخه..وهذه التفاصيل..    وزارة الشؤون الدينية تفتح باب الترشح للحج لسنة 1440ه /2019 م    من هو الضابط القتيل الذي تكتم الاحتلال الاسرائيلي عن هويته؟    وفاة شاب بعد تلقيه طعنة بالرأس وفرار الجاني    حراك تونس الارادة يعتبر أن التحوير الوزاري مناورة سياسية ستعمق الأزمة    خلاف بين شابين ينتهي بمحاولة قتل أحدهما الآخر    الشاهد: هذه أولويات الحكومة.. ولا الغاء للدعم.. وسنضرب بقوة على أيادي المُضاربين    حاتم الطرابلسي.. تتويج الترجي لا يعنيني ولا أفرح إلا للسي آس آس؟    مشروع نوارة سيشغل 120 شخص بصفة مباشرة و180 اخرين في اطار المسؤولية المجتمعية

    تصفيات كاس امم افريقيا 2019: المنتخب المصري يدخل فر تربص استعدادا للقاء تونس    سيدي بوزيد: افتتاح موسم جني الزيتون    أنس الحطاب تقرر مقاضاة النهضة لهذه الأسباب    بالفيديو: ناصيف زيتون يتحدّث لأوّل مرة عن حبيبته    مقال راي//ايام قرطاج السنمائية : حين يرفع الستارعن الابداع التونسي ..يكون الامتياز..    وليد الزريبي يكشف تفاصيل محاولة اختطاف زوجته أمس ومطاردته امام مقهى    هنا القلعة الكبرى : مهرجان الزيتونة والاحلام المخزونة    منجي الحرباوي يكشف حقيقة إنسحابه من "نداء تونس"    في الحب والمال/هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم الاثنين 12 نوفمبر 2018    "الصريح" تحتفل بمولده : مع السيدة خديجة ..لقاء فتجارة فزواج    تنبيه لمستعملي الطريق/ضباب كثيف يحجب الرؤية بهذه الطرقات..    حالة احتقان بسبب توقف خط الميترو عدد4(بالفيديو )    لصحتك : لقشور الموز فوائد لا تتصوّرها..تعرف عليها    رسالة مفتوحة إلى وزير الشؤون الدينية    مازال صرحا وما هوى!    الإيبولا يقضي على أكثر من 200 شخص بالكونغو الديمقراطية    6 مؤشرات تدل على الصحة الجيدة...    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





شيخ المدينة ورائد الفكر والثقافة والرياضة
مصطفى صفر...:
نشر في الصباح يوم 04 - 07 - 2008

يوم 8 مارس 1941 نعت جريدة "الزمان" الصادرة آنذاك بالحاضرة في صفحتها الثانية أحد أعيان مدينة تونس البررة الذي وافاه الأجل المحتوم وهو في ريعان العمر بعد أن أعطى لهذا الوطن الكثير من جهده وعرقه ووفائه المتناهي وأخلص في النهوض بالفنون والآداب والسمو بشؤون التونسيين في
هاته الميادين. ففي ذلك الشهر من السنة المذكورة أعلاه توفي مصطفى صفر شيخ المدينة وفي نفس الشهر من سنة 1917 اختطف الموت والده المرحوم البشير صفر. وفي شهر مارس سنة 1940اختطف الموت والدته فكان مارس اله الحرب موجعا ورديفا للموت والفناء لعائلة صفر. وتذكر جريدة "الزمان" أن كل القلوب قد تصدعت لهول هذا الرحيل".... وفاضت الدموع من الأعين وخرج الشعب التونسي كله لتشييع جنازته واصطفت الناس على الأرصفة نساء ورجالا وكلهم يبكون الفقيد، يبكون فيه شيخ مدينتهم الساهر على مصالحم، يبكون فيه رجلا عرف كيف يكون كريم النفس دون أن يفقد رضاء الجمهور، يبكون فيه صديقا يخلص لأصدقائه ويحبهم محبة أخوية دون أن يكون لأحد منهم عليه سلطانا، يبكون فيه خلف ذلك الرجل العظيم البشير صفر مشيد النهضة التونسية الفتية وأبوها..." فمن يكون هذا الرجل الذي أبكى الشعب عليه بموته المفاجئ ليترك الحسرة والألم في قلوب أصدقائه وأحبائه وصفوته؟
تكوينه: الراحل هو مصطفى ابن البشير صفر المناضل الوطني وباعث الخلدونية في أواخر سنوات القرن التاسع عشر والتي كانت سندا فعالا للنخب المثقفة التونسية ولطلبة جامع الزيتونة من خلال تأمينها لجملة من الدروس والمحاضرات في العديد من العلوم المعاصرة والحديثة وأحد مؤسسي جريدة " الحاضرة "صوت رجال الإصلاح المعتدلين. انطلاقا من هذه البيئة الأرستقراطية الإصلاحية المتطلعة إلى آفاق وطنية أرحب ولد مصطفى صفر سنة 1892 بتونس العاصمة حيث واصل تعلمه بمتابعة حريصة من والده بكل من المدرسة الصادقية و" الليسي كارنو " ومدرسة اللغات الشرقية وأخيرا بكلية الحقوق بباريس. وقد أحرز مصطفى صفر على ديبلوم المعهد الصادقي وشهادة الباكلوريا بجزءيها وعمره لم يتجاوز العشرين سنة. وقد مكّن هذا التكوين الأكاديمي الرجل من أن يتبوأ جملة من المهام الوظيفية السامية فانخرط كمترجم بالقسم الأول للكتابة العامة للحكومة التونسية سنة 1913 ثم اختاره الوزير مصطفى الدنقزلي كاتبا خاصا له سنة 1921 ثم ارتقى إلى خطة مساعد رئيس القسم الأول في رئاسة الهادي الاخوة الذي رقاه بدوره إلى رئاسة القسم الأول في 26 أفريل سنة 1934 كما سمي مديرا للتشريفات بقصر الباي في 1 مارس 1932 ثم انتخب شيخا لمدينة تونس ورئيسا لمجلسها البلدي (1). والى جانب وظائفه هاته كان مصطفى صفر يلقي دروسا في الترجمة والتعريب بمدرسة العطارين للترجمة والآداب. استغل مصطفى صفر موقعه السياسي ورصيد الاحترام الذي يكنه له الجميع بالرغم من المكائد التي حيكت له داخل محيط أفراد الحاشية الحاكمة التي انتمى إليها في بعض فترات حياته تلك، ليخدم مجالات الفنون ذات الصلة بالتونسيين قصد النهوض بهم ودفعهم إلى مجاراة الشعوب الناهضة بالدول المشابهة لنا ومثّل هذا التوجه من قبل مصطفى صفر تطبيقا للنهج الإصلاحي الذي أرسى دعائمه والده البشير صفر في مجالات أخرى مختلفة أهمها التعليم. وقد وجد هذا التوجه كل المساندة من قبل تيارات التجديد والمعاصرة التي عرفتها بلادنا منذ عشرينيات القرن الماضي وتواصلت على امتداد الثلاثينيات وشملت مختلف الميادين الفكرية والفنية والشبابية وقد وجدت هذه المبادرات كل الرواج والدعم من قبل فئات واسعة من الشباب." ذلك أن الثلاثينيات قد شهدت تدفق الفئات الشابة من الشعب التونسي، حيث بدأت تظهر آثار التشبيب الديمغرافي فيما بين 1920 و1936 وأصبحت النخبة المثقفة تضم أكثر فأكثر الشبان الصادقيين والزيتونيين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة. والجدير بالملاحظة أن تلك الأجيال الجديدة كانت تفكر في - غالب الأحيان - تفكيرا يختلف عن تفكير الأجيال السابقة في مختلف الميادين، كما أن طريقة عرض المشاكل والأساليب المتوخاة لحلها كانت تمتاز أكثر فأكثر بالطرافة والجرأة والتحرر ..." (2). عاش مصطفى صفر فترة تاريخية دقيقة جدا شهدت هيمنة استعمارية فرنسية شاملة على بلادنا وعرف العالم خلالها سعير الحرب العالمية الأولى ونتائجها المدمرة ،عقبتها أزمة اقتصادية خانقة هي أزمة 1929 التي اكتوت بلادنا بوهجها الحارق بداية من الثلاثينيات فتعامل مصطفى صفر مع كل هاته المتغيرات بكل رباطة جأش وهدوء ولم تثنه كراسي المسؤولية عن مساندة أبناء شعبه بطريقة أو بأخرى فبعث فيهم الحياة عبر نشر نسيج العمل الجمعياتي لرص صفوفهم وإيقاظ جذوة الأمل فيهم وكانت هذه الجمعيات والمنابر الثقافية والأدبية منافذ مهمة يطل من خلالها المثقفون التونسيون على المجتمع قصد تحفيز همّته وشدّ أزره.
مصطفى صفر والرشيدية: لم يهمل مصطفى صفر أي عمل يمكن أن يفيد ويقوي لحمة المجتمع التونسي فانخرط بكل قوة وفاعلية في دفع تأسيس " الرشيدية " إلى مداه الأبعد هدفه في ذلك حماية الموسيقى التونسية وإخراجها من التردي والابتذال السائد في تلك الفترة بتشجيع مفضوح من المستعمر الذي كان يدس عن طريق زبانيته الكلمات والتعابير الفرنسية واليهودية في جل ما ينتج من أغاني لمسخ اللغة العربية ومن ثمة لمسح معالم الهوية التونسية بأكملها. فاجتمع حوله ثلة من الأصدقاء والخلان الأوفياء ذات يوم من شهر نوفمبر 1934 بمقر جمعية الخلدونية وقرروا تأسيس مؤسسة " الرشيدية " للموسيقى التونسية التي لا تزال قائمة الذات إلى يوم الناس هذا تؤدي أدوارها السامية بكل اقتدار. وقد كانت بصمة مصطفى صفر واضحة المعالم وجلية في هذا التكوين فهو الذي استدعى الحضور لهذا الاجتماع وأرسل في طلبهم وأصرّ على إنجاح هاته المؤسسة التي أرسى دعائمها عبر شرايين اللجان التي أحدثت داخلها والتي كانت تتكون في بداية عهدها من أربع لجان أساسية وهي: اللجنة الأدبية، اللجنة الفنية، التدريس، المطارحات. وتشكّل المجلس الإداري الأول للرشيدية من السادة: مصطفى صفر كرئيس، مصطفى الكعاك والحاج الطاهر المهيري وبلحسن الاصرم والدكتور خياط كمساعدين للرئيس، المنصف العقبي كاتبا عاما، أحمد بن عمار أمين المال، عبد العزيز بن شعبان وجمال الدين بوسنينة وعبد القادر بلخوجة كمساعدي الكاتب العام والسادة الطاهر الزاوش ومحمد بن عبد الله كمستشارين وقد تبرع السيد بلحسن الاصرم بتسخير منزله الكائن بنهج الباشا عدد 36 مكرر قرب بطحاء رمضان باي ليكون المقر الرسمي للرشيدية (3)
مصطفى صفر وشافية رشدي: لعب رئيس المعهد الرشيدي دورا كبيرا في الحفاظ على التراث الفني التونسي الأصيل وصونه من الابتذال والانحطاط كما كان من مشجعي المرأة التونسية على الانضمام إلى هاته المؤسسة الوليدة واستجابت لدعوته التي وجّهها إلى العديد من الفنانات المشهورات آنذاك السيدة شافية رشدي التي كانت تكن الاحترام الكبير لهذا الرجل فكانت أول امرأة تونسية تلبي نداء شيخ المدينة وتلتحق بهاته المؤسسة السامية. وانظمت إلى جمهور الأدباء والموسيقيين الذين حفلت بهم هاته المؤسسة في بداية نشأتها فكانت تلتقي بنادي الفرقة بالعربي الكبادي ومصطفى آغا وجلال الدين النقاش وأحمد خير الدين وجمال الدين بوسنينة وعبد الرزاق كرباكة ومحمد لصرم إضافة إلى مجموعة من خيرة العازفين والموسيقيين من أمثال المرحومين خميس ترنان ومحمد التريكي لقد استفادت هاته السيدة من تواجدها بالرشيدية ومن الرعاية والعناية الفائقة التي حباها بها مصطفى صفر فنهلت من معين جمهرة هؤلاء الفنانين والمثقفين والأدباء لتدعم ثقافتها الشخصية وتكوينها الذاتي في أكثر من مجال. مقابل هذه الدعوة وهذا التواجد بفضاء هاته المؤسسة ردت السيدة شافية رشدي الجميل بأحسن منه فتعهدت بالإنفاق من مالها الخاص لاعداد بعض الأقسام لتدريس الموسيقى التونسية بل وساهمت في انتشار منتوجات هذا المعهد الوليد من خلال الحفلات العامة والخاصة التي كانت تحييها هاته الفنانة أو خلال الحفلات الأسبوعية التي تنظمها الرشيدية بمشاركة شافية رشدي وكانت تبثها الإذاعة الرسمية التونسية الوليدة سنة 1938. إن رصيد الاحترام المتبادل بين مصطفى صفر وشافية رشدي جعل الأول يملي إرادته على هاته الفنانة في نهاية سنة 1936 مطالبا إياها بالامتناع عن الرقص الذي يرى فيه شيخ المدينة خروجا عن الآداب وقواعد الاحترام اللذان يجب في رأيه أن يتوفرا في الفنان الكامل خصوصا ذاك الذي ينتمي إلى الرشيدية. فاستجابت شافية رشدي لرغبة شيخ المدينة وتركت الرقص لمدة من الزمن واكتفت أنذاك بالغناء فقط. (4) ويتجسد الوفاء في أسمى معانيه إثر وفاة مصطفى صفر حيث قررت شافية رشدي مغادرة الرشيدية نهائيا بموت مؤسسيها وتركت مكانها هناك إلى المرحومة صليحة.
مصطفى صفر والمسرح: كغيره من رواد حقبة نهاية العشرينات وبداية الثلاثينيات الثرية بإنجازاتها المختلفة في الحقل الثقافي كان لمصطفى صفر حضورا في ميدان المسرح. فقد كان تأثير نخبة المثقفين التونسيين كبيرا في شخصه فجلهم انتمى إلي الفرق المسرحية العديدة التي عرفتها بلادنا منذ مطلع القرن الماضي مع انبعاث فرقة " الجوق المصري - التونسي التي تأسست في جوان 1909 وكانت تتكون من عناصر مصرية وتونسية في ذات الوقت، كما نجد مصطفى صفر عضوا في جمعية التمثيل العربي التي تأسست في فيفري 1922 بتونس وكانت تتكون من السادة محمد الاصرم وحسن القلاتي وحسين بوحاجب وإبراهيم الاكودي وبشير الرحال وجلهم من الوجوه اللامعة على المستوى السياسي والثقافي ببلادنا خلال تلك الفترة. ومما يذكر لمصطفى صفر أنه قام سنة 1936بتوحيد ثلاث جمعيات مسرحية كانت موجودة آنذاك وهي: "التمثيل العربي" و"المستقبل التمثيلي" و"المسرح" تحت اسم "الاتحاد المسرحي" والتأمت الجلسة التأسيسية بتاريخ 27 جانفي 1936 وحضرها أعضاء من المجلس البلدي ونواب عن الجمعيات وتم تكوين مكتب إداري موحد أسندت رئاسته إلى السيد محمود الورتتاني.(5)
مصطفى صفر والنادي الإفريقي: شكل فريق النادي الافريقي في بداية انبعاثه أحد المعاقل الهامة الذي تتجمع في إطاره النخب المثقفة التونسية في بداية القرن العشرين وقد شجع على نماء هذا التوجه في صلب هذا الفريق وجود العديد من المعاهد والمؤسسات التعليمية القريبة من حي باب الجديد حيث ولدت هاته الجمعية الفتية التي ارتادها في بداية مشوارها جموع الطلبة ومريدي الادب والثقافة والفن من أمثال جمال الدين بوسنينة، البشير بن مصطفى، محمود مالوش، الشاذلي الورقلي، عبد المجيد الشاهد، حسن النويصري، بلحسن بن الشاذلي، منوبي الهواري، محمد عبد العزيز العقربي، عبد الرزاق كرباكة، فرج عبد الواحد، محمد العياشي، أحمد الضحاك، محمد عزالدين، العربي النقلي، أحمد الزقلاوي، أحمد المستاوي، عبد الوهاب بوعلاق، محمد مشوش، الدكتور أحمد بن ميلاد، البشير بن عمر، عبد الرحمان خلفت، والعربي المؤدب وغيرهم والتي ترأسها السيد مصطفى صفر طيلة سنتين متتاليتين في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينيات .
وتركبت الهيئة المديرة للفريق خلال السنة الرياضية 1929- 1930من السادة مصطفى صفر رئيسا للجمعية وحمودة بوسن وجمال الدين بوسنينة كنائبي رئيس والسيد الشاذلي الورقلي ككاتب عام وحسن النويصري أمين مال والسادة البشير بن مصطفى وأحمد الضحاك وعلي الريس كأعضاء في حين انعقدت الجلسة العامة للجمعية التي انبثقت عنها هاته الهيئة يوم 8 جوان 1930 على الساعة السادسة بعد الظهر بمقر جمعية الناصرية (6). كما ضمت الجمعية الفتية أنذاك مجموعة من اللاعبين الممتازين لعل أشهرهم هو اللاعب والممرن المرحوم صالح عكاشة الذي توفي في بحر السنة الحالية.
الخاتمة: لقد غادر مصطفى صفر الحياة منذ أكثر من نصف قرن ولكنه ترك لنا إرثا حيا جميلا لا يمكن قتله، ترك لنا الرشيدية التي أسسها وحباها بعطفه وسهر على تأمين كل ظروف النجاح لها، وجمعية النادي الافريقي التي ترأسها باخلاص متناه وساهم في إشعاعها وتألقها وشكّل هذا الرجل في حياته منارة مضيئة في سماء الثقافة التونسية خلّد اسمه بحروف ناصعة من ذهب فأعطى لبلاده جزيل العطاء دون أن تثنيه عن ذلك كراسي المسؤولية وصعوبة المهام التي اضطلع بها في فترة سياسية حرجة ودقيقة للغاية من تاريخ بلادنا عرف كيف يتكيف معها الراحل وخرج منها بأقل الاضرار .و الواجب اليوم يستدعي منا إكرام مثل هؤلاء الرجال " ...الذين سهلوا لنا الطريق وذللوا لنا الصعوبات، أولئك الرجال يجب أن يبقى ذكرهم منقوشا في أذهاننا وتكون محبتهم راسخة في قلوبنا، فما علينا إذا أردنا النجاح إلاّ أن ننسج على منوالهم وننحو نحوهم، فليكونوا قدوتنا أحياء أو أمواتا". (7)
-------------------------
الهوامش:
1 - انظر الوثيقة الخاصة بالجنرال مصطفى صفر بالأرشيف الوطني.
2- انظر كتاب الأستاذ أحمد القصّاب " تاريخ تونس المعاصر 1881- 1956 " تعريب الأستاذ حمّادي الساحلي نشر الشركة التونسية للتوزيع الطبعة الأولى 1986 ص 345 .
3 - انظر كتاب المرحوم محمد السقانجي " الرشيدية مدرسة الموسيقى والغناء العربي في تونس " شركة كاهية للنشر تونس نوفمبر 1986 ص 32-34.
4 - انظر مقالة الأستاذ المنصف شرف الدين بجريدة لوطون بتاريخ 21 ديسمبر 1998 بعنوان Mustapha Sfar interdit à Chafia Rochdi de danser
5- أنظر كتاب " قرن من المسرح التونسي " اعداد مجموعة من الاساتذة نشر الدار العربية للكتاب سنة 2001 ص 37
6 - أنظر جريدة " لاديباش تونزيان " بتاريخ 28 ماي و9 جوان 1930.
7 - أنظر كلمة السيد مصطفى صفر التي ألقاها يوم 13/6/1919 أمام أنظار مجلس إدارة جمعية قدماء الصادقية بصفته الكاتب العام للجمعية والمنشورة بمجلة " الصادقية " سلسلة جديدة العدد الثاني أفريل 1996 ص 54- 56.
هكذا الحوار وإلاّ فلا
بقلم: د.هادي حسن حمودي(*)
اطلعت على مقال (في الحوار بين الأديان) المنشور في جريدة الصباح الغراء في 1/6/2008 وللأسف فليس لدي الوقت الكافي للحوار مع هذا المقال المهم الذي يستحق وقفة مطولة. ولكن نظرا لأنه يحذر من الذين يكتبون في موضوع (حوار الأديان) ويتهمهم، هكذا بالتعميم على استثناء غير محدد، بالانتهازية والنوايا السيئة المسبقة، ولَمّا كنت أحد الذين يهتمون بهذا الموضوع ولي فيه كتابات متعددة، كما سأوضح في السطور اللاحقة، رأيت أن أضع النقاط الملائمة فوق الحروف المناسبة لها.
لقد استغربت التعميم الوارد في المقال الموما إليه والأسس التي بُنِي عليها. وبما أن الكاتب الفاضل قد عمم كلامه على من يكتب في هذا الموضوع باستثناء السطور الأخيرة من مقاله وهي غير دالة على شيء، فأعتقد أنه قصدنِي (أو على الأقل جعلنِي أحد المقصودين) وقصد كتابي (حوار الأديان - وحدة المبادئ العامة والقواعد الكلية) خاصة وقد كتبتْ عنه في هذه الأيام صحف عديدة (هنا وفي الخارج) وهو الكتاب الهادف إلى بث الأمن والسلام عن طريق الحوار العلمي بين أصحاب الديانات. ولَمّا كان أتباع الديانات يعلنون التزامهم بكتبهم السماوية فقد ذهبتُ إلى تلك الكتب أستجلي نصوصها لأرى مدى التزامهم بما يقولون وثبّتُّ نتائج ذلك في الكتاب المشار إليه. وللعلم فهذا الكتاب آخر سبعة مؤلفات لي في إطار الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والعلاقات الحضارية منذ القديم وإلى مشارف العصر الحديث. وأحيل هنا إلى كتاب (Kingdom of the Ark) للتأكد من ذلك، حيث أثبت البحث وحدة الأصول البشرية والحضارية وبرهن على أن دول الشمال الأوربي ذات أصول حضارية من جنوب البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. وقد صدر الكتاب قبل أحد عشر عاما.
أشار المقال المنشور في الصباح الغراء إلى تحقيق المخطوطات والكتابة عن الشعر والنثر، وكأنها مانعة من الكتابة عن حوار الأديان! والحق أني حققت مخطوطات عديدة غير أني لا أقدمها (وجبة جاهزة) للقارئ بل أثير في نفسه محاولة الحوار مع التراث لا التجمّد عليه ولا رفضه رفضا تاما. وكان من نتائج ذلك اكتشافي لعدة مخطوطات لم يكن أحد يعرفها ويكفي أن أشير إلى كتاب (الماء) الذي هو أول معجم طبي لغوي في التاريخ كتبه أبو محمد عبد الله بن محمد الصحاري وجدته في مكتبة منسية في غرداية بالجزائر. وطبع قبل سنوات عديدة.
وبعد فليس تحقيق التراث عارا ولا مانعا عن الكتابة في موضوع حوار الأديان.
وكمسألة شخصية، وردا على ما ذكره المقال من اتهامات لم يذكر لمن وجّهها، لا بد أن أشير بأني لست من المتربحين بالكتابة في موضوع حوار الأديان ولا من الانتهازيين، وهذه تهم قذف أربأ بأي إنسان - فكيف إذا كان باحثا- أن يلجأ إليها إلا إذا قام عنده دليل قاطع مادي ملموس على ما يقول. ولست بحاجة إلى أن أذكر شيئا عن سيرتي الذاتية ولا أريد أن أفتخر بنفسي ولكن لابأس بتعريف شخصي ربما جهله السيد الفاضل كاتب المقال الموما إليه. فأنا حاصل على ثلاث شهادات دكتوراه من فرنسا والمملكة المتحدة. ولي خمسة وأربعون كتابا منشورا وعدد كبير من المقالات والبحوث بلغات متعددة، وأعمل أستاذا في جامعة لندن، ومستشارا للدراسات العليا في جامعتين أخريين. فلست بحاجة إلى تزييف الأفكار من أجل حفنة مال أو أخشاب منصب. أو التربح فيما أهدف إليه في كتاباتي من تعاون حضاري بين الأمم والشعوب والتركيز على الإيجابيات في مسيرة مجتمعاتنا العربية المعاصرة على وجه الخصوص.
ومن جهة أخرى لا أعتقد أن ديباز كان عالما انثروبولوجيا وهو يكتب في علم اللغة والأجناس البشرية. ولم يكن جان جاك روسو متخصصا في علم الاجتماع حين كتب (العقد الاجتماعي). وليس المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل جغرافيا كي يكتب كتابه الرائع عن الجغرافيا والجغرافيين العرب. ولم يكن المستشرق الفرنسي آرنولديز عربيا كي يكتب عن بعض تراثنا. هذه أمثلة فقط على ما يجب أن يكون عليه الباحث الجامعي من سعة اطلاع وموسوعية ثقافية.
حين أصدرت كتابي الأول كنت في مرحلة الدراسة المتوسطة (ما بعد الابتدائية) وهو بعنوان (الله في كتب الأديان) وتوجد نسخ منه في مكتبات متعددة منها مكتبة المتحف البريطاني والمكتبة المركزية في جامعة بغداد ودار الكتب والوثائق الوطنية في بغداد لمن شاء أن يتابع. وقد بحثت فيه التصور القرآني لله وقارنته بالتصور الإنجيلي والتوراتي، ولكن بعقلية المراهقة والشباب وقلة التجربة أو انعدامها. فلست بحاجة - وقد أمضيت هذا العمر - إلى من يأخذ عليّ كتابتي عن حوار الأديان.
وربّما لم أكن المقصود بالمقال، ولكنّ لهجته الحادة واتهاماته الموزعة يمينا وشمالا وعدم إسناد دعاواه بأدلة علمية ملموسة، وعدم ذكره مَن المقصود بكتابته، أثارت في نفسي تعجبا من أن كاتبا أوروبيا أو أمريكيا حين يكتب كتابا لا يلاقي من الغربيين إلاّ التشجيع والترويج، وعرض ما يكتب على صفحات المجلات والصحف ولعل هنتنغتون وفولر وغيرهما من الأمثلة الدالة، أما إذا دخل كاتب عربي ميدان الكتابة الفكرية والتعبير عن قناعاته فلا بد أن تلصق به اتهامات التربّح والانتهازية والغرضية السيئة المسبقة، بل والتكفير والتفسيق من جانب آخر.
وسواء قصدنِى المقال أم قصد غيري أم قصدنا معا، فأين هو العلم في مثل هذه الاتهامات؟! ولم لا تتمّ المناقشة بروح علمية هادئة والمثل يقول: ما أفسد الخلاف للودّ قضية؟!
(*) باحث وجامعي عراقي - لندن
هاته الميادين. ففي ذلك الشهر من السنة المذكورة أعلاه توفي مصطفى صفر شيخ المدينة وفي نفس الشهر من سنة 1917 اختطف الموت والده المرحوم البشير صفر. وفي شهر مارس سنة 1940اختطف الموت والدته فكان مارس اله الحرب موجعا ورديفا للموت والفناء لعائلة صفر. وتذكر جريدة "الزمان" أن كل القلوب قد تصدعت لهول هذا الرحيل".... وفاضت الدموع من الأعين وخرج الشعب التونسي كله لتشييع جنازته واصطفت الناس على الأرصفة نساء ورجالا وكلهم يبكون الفقيد، يبكون فيه شيخ مدينتهم الساهر على مصالحم، يبكون فيه رجلا عرف كيف يكون كريم النفس دون أن يفقد رضاء الجمهور، يبكون فيه صديقا يخلص لأصدقائه ويحبهم محبة أخوية دون أن يكون لأحد منهم عليه سلطانا، يبكون فيه خلف ذلك الرجل العظيم البشير صفر مشيد النهضة التونسية الفتية وأبوها..." فمن يكون هذا الرجل الذي أبكى الشعب عليه بموته المفاجئ ليترك الحسرة والألم في قلوب أصدقائه وأحبائه وصفوته؟
تكوينه: الراحل هو مصطفى ابن البشير صفر المناضل الوطني وباعث الخلدونية في أواخر سنوات القرن التاسع عشر والتي كانت سندا فعالا للنخب المثقفة التونسية ولطلبة جامع الزيتونة من خلال تأمينها لجملة من الدروس والمحاضرات في العديد من العلوم المعاصرة والحديثة وأحد مؤسسي جريدة " الحاضرة "صوت رجال الإصلاح المعتدلين. انطلاقا من هذه البيئة الأرستقراطية الإصلاحية المتطلعة إلى آفاق وطنية أرحب ولد مصطفى صفر سنة 1892 بتونس العاصمة حيث واصل تعلمه بمتابعة حريصة من والده بكل من المدرسة الصادقية و" الليسي كارنو " ومدرسة اللغات الشرقية وأخيرا بكلية الحقوق بباريس. وقد أحرز مصطفى صفر على ديبلوم المعهد الصادقي وشهادة الباكلوريا بجزءيها وعمره لم يتجاوز العشرين سنة. وقد مكّن هذا التكوين الأكاديمي الرجل من أن يتبوأ جملة من المهام الوظيفية السامية فانخرط كمترجم بالقسم الأول للكتابة العامة للحكومة التونسية سنة 1913 ثم اختاره الوزير مصطفى الدنقزلي كاتبا خاصا له سنة 1921 ثم ارتقى إلى خطة مساعد رئيس القسم الأول في رئاسة الهادي الاخوة الذي رقاه بدوره إلى رئاسة القسم الأول في 26 أفريل سنة 1934 كما سمي مديرا للتشريفات بقصر الباي في 1 مارس 1932 ثم انتخب شيخا لمدينة تونس ورئيسا لمجلسها البلدي (1). والى جانب وظائفه هاته كان مصطفى صفر يلقي دروسا في الترجمة والتعريب بمدرسة العطارين للترجمة والآداب. استغل مصطفى صفر موقعه السياسي ورصيد الاحترام الذي يكنه له الجميع بالرغم من المكائد التي حيكت له داخل محيط أفراد الحاشية الحاكمة التي انتمى إليها في بعض فترات حياته تلك، ليخدم مجالات الفنون ذات الصلة بالتونسيين قصد النهوض بهم ودفعهم إلى مجاراة الشعوب الناهضة بالدول المشابهة لنا ومثّل هذا التوجه من قبل مصطفى صفر تطبيقا للنهج الإصلاحي الذي أرسى دعائمه والده البشير صفر في مجالات أخرى مختلفة أهمها التعليم. وقد وجد هذا التوجه كل المساندة من قبل تيارات التجديد والمعاصرة التي عرفتها بلادنا منذ عشرينيات القرن الماضي وتواصلت على امتداد الثلاثينيات وشملت مختلف الميادين الفكرية والفنية والشبابية وقد وجدت هذه المبادرات كل الرواج والدعم من قبل فئات واسعة من الشباب." ذلك أن الثلاثينيات قد شهدت تدفق الفئات الشابة من الشعب التونسي، حيث بدأت تظهر آثار التشبيب الديمغرافي فيما بين 1920 و1936 وأصبحت النخبة المثقفة تضم أكثر فأكثر الشبان الصادقيين والزيتونيين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 سنة. والجدير بالملاحظة أن تلك الأجيال الجديدة كانت تفكر في - غالب الأحيان - تفكيرا يختلف عن تفكير الأجيال السابقة في مختلف الميادين، كما أن طريقة عرض المشاكل والأساليب المتوخاة لحلها كانت تمتاز أكثر فأكثر بالطرافة والجرأة والتحرر ..." (2). عاش مصطفى صفر فترة تاريخية دقيقة جدا شهدت هيمنة استعمارية فرنسية شاملة على بلادنا وعرف العالم خلالها سعير الحرب العالمية الأولى ونتائجها المدمرة ،عقبتها أزمة اقتصادية خانقة هي أزمة 1929 التي اكتوت بلادنا بوهجها الحارق بداية من الثلاثينيات فتعامل مصطفى صفر مع كل هاته المتغيرات بكل رباطة جأش وهدوء ولم تثنه كراسي المسؤولية عن مساندة أبناء شعبه بطريقة أو بأخرى فبعث فيهم الحياة عبر نشر نسيج العمل الجمعياتي لرص صفوفهم وإيقاظ جذوة الأمل فيهم وكانت هذه الجمعيات والمنابر الثقافية والأدبية منافذ مهمة يطل من خلالها المثقفون التونسيون على المجتمع قصد تحفيز همّته وشدّ أزره.
مصطفى صفر والرشيدية: لم يهمل مصطفى صفر أي عمل يمكن أن يفيد ويقوي لحمة المجتمع التونسي فانخرط بكل قوة وفاعلية في دفع تأسيس " الرشيدية " إلى مداه الأبعد هدفه في ذلك حماية الموسيقى التونسية وإخراجها من التردي والابتذال السائد في تلك الفترة بتشجيع مفضوح من المستعمر الذي كان يدس عن طريق زبانيته الكلمات والتعابير الفرنسية واليهودية في جل ما ينتج من أغاني لمسخ اللغة العربية ومن ثمة لمسح معالم الهوية التونسية بأكملها. فاجتمع حوله ثلة من الأصدقاء والخلان الأوفياء ذات يوم من شهر نوفمبر 1934 بمقر جمعية الخلدونية وقرروا تأسيس مؤسسة " الرشيدية " للموسيقى التونسية التي لا تزال قائمة الذات إلى يوم الناس هذا تؤدي أدوارها السامية بكل اقتدار. وقد كانت بصمة مصطفى صفر واضحة المعالم وجلية في هذا التكوين فهو الذي استدعى الحضور لهذا الاجتماع وأرسل في طلبهم وأصرّ على إنجاح هاته المؤسسة التي أرسى دعائمها عبر شرايين اللجان التي أحدثت داخلها والتي كانت تتكون في بداية عهدها من أربع لجان أساسية وهي: اللجنة الأدبية، اللجنة الفنية، التدريس، المطارحات. وتشكّل المجلس الإداري الأول للرشيدية من السادة: مصطفى صفر كرئيس، مصطفى الكعاك والحاج الطاهر المهيري وبلحسن الاصرم والدكتور خياط كمساعدين للرئيس، المنصف العقبي كاتبا عاما، أحمد بن عمار أمين المال، عبد العزيز بن شعبان وجمال الدين بوسنينة وعبد القادر بلخوجة كمساعدي الكاتب العام والسادة الطاهر الزاوش ومحمد بن عبد الله كمستشارين وقد تبرع السيد بلحسن الاصرم بتسخير منزله الكائن بنهج الباشا عدد 36 مكرر قرب بطحاء رمضان باي ليكون المقر الرسمي للرشيدية (3)
مصطفى صفر وشافية رشدي: لعب رئيس المعهد الرشيدي دورا كبيرا في الحفاظ على التراث الفني التونسي الأصيل وصونه من الابتذال والانحطاط كما كان من مشجعي المرأة التونسية على الانضمام إلى هاته المؤسسة الوليدة واستجابت لدعوته التي وجّهها إلى العديد من الفنانات المشهورات آنذاك السيدة شافية رشدي التي كانت تكن الاحترام الكبير لهذا الرجل فكانت أول امرأة تونسية تلبي نداء شيخ المدينة وتلتحق بهاته المؤسسة السامية. وانظمت إلى جمهور الأدباء والموسيقيين الذين حفلت بهم هاته المؤسسة في بداية نشأتها فكانت تلتقي بنادي الفرقة بالعربي الكبادي ومصطفى آغا وجلال الدين النقاش وأحمد خير الدين وجمال الدين بوسنينة وعبد الرزاق كرباكة ومحمد لصرم إضافة إلى مجموعة من خيرة العازفين والموسيقيين من أمثال المرحومين خميس ترنان ومحمد التريكي لقد استفادت هاته السيدة من تواجدها بالرشيدية ومن الرعاية والعناية الفائقة التي حباها بها مصطفى صفر فنهلت من معين جمهرة هؤلاء الفنانين والمثقفين والأدباء لتدعم ثقافتها الشخصية وتكوينها الذاتي في أكثر من مجال. مقابل هذه الدعوة وهذا التواجد بفضاء هاته المؤسسة ردت السيدة شافية رشدي الجميل بأحسن منه فتعهدت بالإنفاق من مالها الخاص لاعداد بعض الأقسام لتدريس الموسيقى التونسية بل وساهمت في انتشار منتوجات هذا المعهد الوليد من خلال الحفلات العامة والخاصة التي كانت تحييها هاته الفنانة أو خلال الحفلات الأسبوعية التي تنظمها الرشيدية بمشاركة شافية رشدي وكانت تبثها الإذاعة الرسمية التونسية الوليدة سنة 1938. إن رصيد الاحترام المتبادل بين مصطفى صفر وشافية رشدي جعل الأول يملي إرادته على هاته الفنانة في نهاية سنة 1936 مطالبا إياها بالامتناع عن الرقص الذي يرى فيه شيخ المدينة خروجا عن الآداب وقواعد الاحترام اللذان يجب في رأيه أن يتوفرا في الفنان الكامل خصوصا ذاك الذي ينتمي إلى الرشيدية. فاستجابت شافية رشدي لرغبة شيخ المدينة وتركت الرقص لمدة من الزمن واكتفت أنذاك بالغناء فقط. (4) ويتجسد الوفاء في أسمى معانيه إثر وفاة مصطفى صفر حيث قررت شافية رشدي مغادرة الرشيدية نهائيا بموت مؤسسيها وتركت مكانها هناك إلى المرحومة صليحة.
مصطفى صفر والمسرح: كغيره من رواد حقبة نهاية العشرينات وبداية الثلاثينيات الثرية بإنجازاتها المختلفة في الحقل الثقافي كان لمصطفى صفر حضورا في ميدان المسرح. فقد كان تأثير نخبة المثقفين التونسيين كبيرا في شخصه فجلهم انتمى إلي الفرق المسرحية العديدة التي عرفتها بلادنا منذ مطلع القرن الماضي مع انبعاث فرقة " الجوق المصري - التونسي التي تأسست في جوان 1909 وكانت تتكون من عناصر مصرية وتونسية في ذات الوقت، كما نجد مصطفى صفر عضوا في جمعية التمثيل العربي التي تأسست في فيفري 1922 بتونس وكانت تتكون من السادة محمد الاصرم وحسن القلاتي وحسين بوحاجب وإبراهيم الاكودي وبشير الرحال وجلهم من الوجوه اللامعة على المستوى السياسي والثقافي ببلادنا خلال تلك الفترة. ومما يذكر لمصطفى صفر أنه قام سنة 1936بتوحيد ثلاث جمعيات مسرحية كانت موجودة آنذاك وهي: "التمثيل العربي" و"المستقبل التمثيلي" و"المسرح" تحت اسم "الاتحاد المسرحي" والتأمت الجلسة التأسيسية بتاريخ 27 جانفي 1936 وحضرها أعضاء من المجلس البلدي ونواب عن الجمعيات وتم تكوين مكتب إداري موحد أسندت رئاسته إلى السيد محمود الورتتاني.(5)
مصطفى صفر والنادي الإفريقي: شكل فريق النادي الافريقي في بداية انبعاثه أحد المعاقل الهامة الذي تتجمع في إطاره النخب المثقفة التونسية في بداية القرن العشرين وقد شجع على نماء هذا التوجه في صلب هذا الفريق وجود العديد من المعاهد والمؤسسات التعليمية القريبة من حي باب الجديد حيث ولدت هاته الجمعية الفتية التي ارتادها في بداية مشوارها جموع الطلبة ومريدي الادب والثقافة والفن من أمثال جمال الدين بوسنينة، البشير بن مصطفى، محمود مالوش، الشاذلي الورقلي، عبد المجيد الشاهد، حسن النويصري، بلحسن بن الشاذلي، منوبي الهواري، محمد عبد العزيز العقربي، عبد الرزاق كرباكة، فرج عبد الواحد، محمد العياشي، أحمد الضحاك، محمد عزالدين، العربي النقلي، أحمد الزقلاوي، أحمد المستاوي، عبد الوهاب بوعلاق، محمد مشوش، الدكتور أحمد بن ميلاد، البشير بن عمر، عبد الرحمان خلفت، والعربي المؤدب وغيرهم والتي ترأسها السيد مصطفى صفر طيلة سنتين متتاليتين في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينيات .
وتركبت الهيئة المديرة للفريق خلال السنة الرياضية 1929- 1930من السادة مصطفى صفر رئيسا للجمعية وحمودة بوسن وجمال الدين بوسنينة كنائبي رئيس والسيد الشاذلي الورقلي ككاتب عام وحسن النويصري أمين مال والسادة البشير بن مصطفى وأحمد الضحاك وعلي الريس كأعضاء في حين انعقدت الجلسة العامة للجمعية التي انبثقت عنها هاته الهيئة يوم 8 جوان 1930 على الساعة السادسة بعد الظهر بمقر جمعية الناصرية (6). كما ضمت الجمعية الفتية أنذاك مجموعة من اللاعبين الممتازين لعل أشهرهم هو اللاعب والممرن المرحوم صالح عكاشة الذي توفي في بحر السنة الحالية.
الخاتمة: لقد غادر مصطفى صفر الحياة منذ أكثر من نصف قرن ولكنه ترك لنا إرثا حيا جميلا لا يمكن قتله، ترك لنا الرشيدية التي أسسها وحباها بعطفه وسهر على تأمين كل ظروف النجاح لها، وجمعية النادي الافريقي التي ترأسها باخلاص متناه وساهم في إشعاعها وتألقها وشكّل هذا الرجل في حياته منارة مضيئة في سماء الثقافة التونسية خلّد اسمه بحروف ناصعة من ذهب فأعطى لبلاده جزيل العطاء دون أن تثنيه عن ذلك كراسي المسؤولية وصعوبة المهام التي اضطلع بها في فترة سياسية حرجة ودقيقة للغاية من تاريخ بلادنا عرف كيف يتكيف معها الراحل وخرج منها بأقل الاضرار .و الواجب اليوم يستدعي منا إكرام مثل هؤلاء الرجال " ...الذين سهلوا لنا الطريق وذللوا لنا الصعوبات، أولئك الرجال يجب أن يبقى ذكرهم منقوشا في أذهاننا وتكون محبتهم راسخة في قلوبنا، فما علينا إذا أردنا النجاح إلاّ أن ننسج على منوالهم وننحو نحوهم، فليكونوا قدوتنا أحياء أو أمواتا". (7)
-------------------------
الهوامش:
1 - انظر الوثيقة الخاصة بالجنرال مصطفى صفر بالأرشيف الوطني.
2- انظر كتاب الأستاذ أحمد القصّاب " تاريخ تونس المعاصر 1881- 1956 " تعريب الأستاذ حمّادي الساحلي نشر الشركة التونسية للتوزيع الطبعة الأولى 1986 ص 345 .
3 - انظر كتاب المرحوم محمد السقانجي " الرشيدية مدرسة الموسيقى والغناء العربي في تونس " شركة كاهية للنشر تونس نوفمبر 1986 ص 32-34.
4 - انظر مقالة الأستاذ المنصف شرف الدين بجريدة لوطون بتاريخ 21 ديسمبر 1998 بعنوان Mustapha Sfar interdit à Chafia Rochdi de danser
5- أنظر كتاب " قرن من المسرح التونسي " اعداد مجموعة من الاساتذة نشر الدار العربية للكتاب سنة 2001 ص 37
6 - أنظر جريدة " لاديباش تونزيان " بتاريخ 28 ماي و9 جوان 1930.
7 - أنظر كلمة السيد مصطفى صفر التي ألقاها يوم 13/6/1919 أمام أنظار مجلس إدارة جمعية قدماء الصادقية بصفته الكاتب العام للجمعية والمنشورة بمجلة " الصادقية " سلسلة جديدة العدد الثاني أفريل 1996 ص 54- 56.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.