العدوان سبقته حرب وهمية في صحراء النقب في جوان الماضي الطيران الإسرائيلي قصف 100 هدف خلال الدقائق الأربع الأولى «إسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلا بقوة السلاح» عبارة قالها ديفيد بن غوريون أول رئيس حكومة إسرائيلي وورثها عنه من تلاه من قادة الدولة العبرية... عبارة تترجمها ما اقترفته الآلة الحربية الإسرائيلية المجنونة من جرائم بشعة في حق البشر والحجر في قطاع غزة ...ويعكسها أيضا عدد الضحايا الذي جاوز المائة الثالثة بعد الألف نصفهم من الأطفال والنساء وعدد الجرحى الذي تنوء بهم المستشفيات وعدد من بقي على قيد الحياة بين مشرّد ومرعوب مما تخفيه له الأيام القادمة من مفاجآت فكل شيء جائز في عرف إسرائيل وكل شيء متاح في قانونها الخاص في سباق جنرالات الحرب المحموم نحو «الكراسي». العالم بأسره يدرك أن ما من خطوة يخطوها قادة إسرائيل وما من حرب «يفتعلونها» إلا وترتبط أسبابها ونتائجها بمصلحة ما والحرب الأخيرة على غزة لها أهداف مختلفة المعلن منها هو إسقاط حكومة «حماس» والقضاء على المقاومة وصواريخها أما ما خفي منها فله علاقة بالانتخابات البرلمانية المرتقبة في العاشر من فيفري القادم.. إذن حرب غزة كانت حرب شعارات انتخابية ارتأى قادة إسرائيل من ورائها استقطاب أصوات الناخبين عبر استغلال الجرح الفلسطيني النازف تحت مظلة توفير الأمن لإسرائيل والقضاء على صواريخ «حماس» وقد فات هؤلاء أن لا الأطفال والنساء والشيوخ العزل الذين قتلوا هم «حماس» ولا المنشآت والبيوت والمساجد والمدارس التي دمرت هي المقاومة . سماسرة الحرب في إسرائيل يعلمون أن كل قطرة دم تخرج من جسم شهيد تساوي صوتا في صناديق الاقتراع حتى أضحت جثث المدنيين المستخرجة من تحت أنقاض البيوت معيارا لاختبار وطنية وانتماء قادة إسرائيل فاللاهثون وراء المناصب يتسابقون بجنون إلى جذب أصوات المقترعين متسلحين بمغناطيسهم المشحون دموية وعدائية . ما حدث في غزة من تقتيل وترويع وتجويع وممارسات إرهابية ليس سوى استثمار لدم الفلسطينيين في بورصة تجار الدم الانتخابية .. جانب مما حدث في غزة يعود بذاكرتنا إلى 13 سنة خلت.. إلى سنة 1996 تحديدا إلى مجزرة قانا الأولى التي ارتكبت عشية الانتخابات وكان الهدف منها ترجيح كفة شمعون بيريز على منافسه بنيامين ناتنياهو والنتيجة كانت استشهاد 108 من المدنيين اللبنانيين وعدم فوز بيريز . ارتفاع شعبية باراك استطلاع للرأي العام الإسرائيلي نشرته صحيفة «معاريف» قبل أيام أبرز ارتفاع شعبية وزير الحرب ورئيس حزب العمل إيهود باراك ب19% عقب الهجوم على غزة باعتبار أن81% من الإسرائيليين أيدوا عملية «الرصاص المسكوب». وبحسب استطلاع نفس الصحيفة فإنه في حال جرت الانتخابات الإسرائيلية الآن يمكن لحزب العمل أن يحصل على 17 مقعدا في الكنيست مما يعني كسب7 مقاعد إضافية مقارنة باستطلاعات جرت قبل بدء العملية العسكرية على غزة أما حزب الليكود الذي يرأسه بنيامين ناتنياهو فيفوز بمقعد إضافي واحد فيما يتراجع حزب كاديما الذي تتزعمه وزيرة الخارجية تسيبي ليفني بمقعد . وحسب الصحيفة أكد44 % من المشاركين في الاستطلاع أنهم باتوا ينظرون إلى باراك بشكل إيجابي بعد الهجمة الشرسة و أكد53 % رضاهم عن آداء باراك (مقابل 34% قبل نحو نصف سنة) فيما حصل أولمرت على نسبة 33% وليفني على 47% وناتنياهو على 48% . من جهة أخرى ورد في الصحيفة المذكورة أن91 % من المستطلعة آراؤهم عبّروا عن رغبتهم في أن تواصل إسرائيل الحرب على غزة حتى القضاء نهائيا على «حماس» فيما أيد48,6 % تأجيل الانتخابات مع استمرار الحرب . حرب معدّ لها مسبقا الحرب على غزة حرب مدبّرة و مخطط لها مسبقا .. حقيقة يدعمها ما أوردته صحيفة «الكانار أونشيني» الباريسية التي أبرزت - استنادا لتقارير رفعها الملحقون العسكريون الفرنسيون في تل أبيب إلى هيئة أركان الجيش الفرنسي- أن الإسرائيليين شرعوا بالتحضير للحرب على غزة ابتداء من شهر جوان الماضي وحسب تلك التقارير لم تقتصر الاستعدادات للحرب على بناء تصاميم تشبه شوارع وأحياء ومنشآت غزة في صحراء النقب لتدريب الجنود الإسرائيليين على مواجهة حرب عصابات المدن بل حصل الجنرالات الإسرائيليون أيضا على موافقة الحكومة لبناء مركز قيادة في عسقلان القريبة من غزة حتى لا يضطروا - كما حدث في حرب لبنان 2006 - لإدارة المعارك عن بعد وبواسطة الشاشات وعلاوة على مركز القيادة توفرت للجنرالات استخبارات واتصالات قريبة جدا من هدفهم النهائي وقد كان من بين القرارات الإستراتيجية التي تضمنتها الخطة الإسرائيلية - كما ورد في التقارير - إشراك جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» في الاستعدادات للعملية العسكرية وكانت من بين مهام هذا الجهاز تجنيد مخبرين في غزة ووضع قائمة ب400 هدف يفترض تدميرها قبل غيرها . وفور ابتداء القصف الجوي قام ضباط من «الشاباك» بالاتصال هاتفيا بسكان غزة لحثهم على مغادرة أحيائهم قبل 15 دقيقة من تدميرها أو الاقتراح عليهم التعاون معهم لكشف الأماكن التي يتحصن داخلها مقاومو «حماس». ووفقا لذات التقارير ففي يوم 27 ديسمبر أي يوم بدء الهجوم - الذي بدا للعالم مفاجآ- قامت 88 مقاتلة أف 15 وأف 16 إسرائيلية بقصف 100 هدف خلال 220 ثانية وقد علّق الضباط الفرنسيون أن جنرالات الحرب في إسرائيل أرادوا من خلال هذه المدة القصيرة جدا - أقل من 4 دقائق - تجسيد نظرية «الصدمة والرعب» أو كما قال ضابط إسرائيلي معلقا على تلك الهجمة «كلّما فهمت «حماس» أقل كلما كان ذلك أفضل». تعتيم إعلامي مقصود التعتيم الإعلامي الذي رافق الحرب على غزة وإصرار إسرائيل على عدم السماح للتلفزات الأجنبية بتصوير ما يجري في ساحة المعركة وإقدامها على قصف مبان تعلم مسبقا أنها مقر لإقامة الصحفيين والمراسلين الحربيين والمصورين كلها أمور مدروسة و مخطط لها فخلال الاستعدادات للحرب اتفق الجنرالات الإسرائيليون مع حكومتهم على موضوع «حرب الصور» بحيث لا تعطى محطات التلفزيون العالمية مجالا لبث كثير من الصور.. وفي الختام يعلق الضباط الفرنسيون على أن أكثر القرارات مدعاة للاستغراب كان قرار مصادرة أجهزة الهواتف النقالة للجنود الإسرائيليين حتى لا يتمكنوا من استخدامها لا في نقل الأخبار ولا في التقاط صور أو تسجيل لقطات ولكن ما كشفته الفضائيات في أمريكا وأوروبا وبقية دول العالم خيّب آمال الجنرالات واكتشف العالم جرائم حرب.... إسرائيلية.