لعل المهاجرين التونسيين الذين وللحقيقة ساندوا الثورة الشعبية بتونس بكل قوة وانضموا إليها منذ اللحظة الأولى أوفر حظا منا في هذه اللحظة بالذات نحن الذين لسبب أو لآخر فضلنا البقاء في بلادنا وقبلنا بالقليل القليل وحتى هذا القليل القليل كان يغمس في الذل في أغلب الأحيان. لعلهم اليوم أوفر حظا منا لأنهم لم يحتكوا بالواقع كما نحتك به ولم يعرفوا الأمور على حقيقتها اليوم وعلاقة أغلبهم باستثناء من كانت الثورة سببا في حزم أمره على العودة إلى ارض الوطن مع هذا الواقع تقتصر على زيارة لتونس للتعرف على البلد بعد 14 جانفي لذلك فإن المتاح لهم لم يعد بديهيا بالنسبة إلينا. والمتاح لهم يتمثل في المحافظة على وهج الثورة بين جوانحهم لذلك يقودنا الفضول اليوم مثلا وبعد مرور فترة على تأليف الكاتب والمفكر عبد الوهاب المؤدب لكتابه الجديد "ربيع تونس" الصادر عن سيراس للنشر بتونس فترة قصيرة بعد انتصار الثورة الشعبية لمعرفة إن كانت فرحة الإنتصار ونشوة الفوز التي أظهرها في كتابه المذكور قد خفتت بعض الشيء بعد أن بات مستقبل تونس بعد الثورة يطرح الأسئلة أكثر مما يجيب عن الطموحات وعن الأحلام التي ولدت من رحم الثورة أم أنه مازال على حاله يعيش نشوة الانتصار. عبد الوهاب الذي لم ينتظر حتى تتخمر الفكرة لديه وسارع بكتابة نص يمكن أن نقول أنه يصنف ضمن أدب الرحلة حيث قادته الثورة إلى تونس وإلى سيدي بوزيد وإلى المشاركة في قوافل الشكر التي كانت موضة سائدة بعد الأيام الأولى التي تلت 14 جانفي وزار قبر محمد البوعزيزي ووقف اجلالا لعمله ( كل ذلك حبره عبد الوهاب المؤدب في كتابه ربيع تونس). كان الرجل على امتداد صفحات الكتاب يعيش فرحا طفوليا ومن بين التونسيين الذين شهدوا لحظة سقوط الديكتاتورية لم يفرح ولم يبارك ولم يهلل وإلا فإنه سيكون بطبيعة الحال خارج التاريخ وليس وحده عبد الوهاب المؤدب الكاتب والمفكر الذي استقر بالخارج وعدل دماغه على الديمقراطية وغازل الثورة وصناعها منذ الأيام الأولى التي تلت انتصارها. لكن هل بقيت الفرحة على حالها وأغلب التونسيين يرون أن مشروع تونسالجديدة، تونس الحرة وتونس المتحررة وكأن هناك من يسعى إلى مصادرته. ولدت الثورة التونسية نظيفة وولدت طاهرة من كل المطامع. كانت ثورة حقا وقف التونسيون فيها من شمال تونس ومن جنوبها ومن شرقها وغربها صفا واحدا ضد دولة الفساد وضد القيم المريضة التي كانت مفروضة على التونسيين ومن بينها الإعلاء من شأن الجهلة والمرتزقة على حساب أصحاب الكفاءات وأصحاب الضمائر الحية. اليوم كل الذرائع ممكنة من أجل تسجيل مكسب ما على حساب مصلحة تونس. العمل السياسي والحزبي منه بالخصوص بات مطية من أجل تنفيذ مشاريع خاصة في حين كنا ننتظر من الأحزاب أن تضطلع بدور في تكوين الناس وتحسيسهم بقيمة العمل من أجل تونس. بعض الاطراف من ذوي الطبائع المريضة أصلا أصبحت تعمل استنادا لشرعية عثرت عليها أخيرا من خلال تبني جهود الآخرين ونسبها لنفسها. هذه تستخدم شرعية العائلة وهذه تستعمل شرعية المكان أي الأماكن التي يصطلح على أنها انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة لتقسيم الأدوار بين مشارك في الثورة وبين مستفيد منها وبين من له حق في الثورة وبين من ليس له حق فيها. كل ذلك من أجل فرض نوعية أخرى من الإستبداد. وطغت قيمة جديدة دخيلة وبغيضة تتمثل في تفشي منطق الحق لي وليس لك فيه نصيب وثمار الثورة لي وليس لك فيها نصيب حتى دخلنا في حالة من الفوضى وفي حالة من الضبابية. لم نعد نعيش في تونس ثورة واحدة وإنما لكل منا ثورته. هناك حرص من جانب من المجتمع على جعل الثورة تتطبع بطبعه. بات جزء من المجتمع يتحول آليا إلى ثوري كلما تعلق الأمر بإيذاء البعض وإقصاء البعض الآخر. لا حرمة تحترم ولا قيمة بقيت لها هيبتها. من يسعى إلى تسليط قيم القبح على ثورتنا بعد أن ولدت مجردة من مظاهر القبح وبعد أن كانت اندلعت من اجل الكرامة ومن يريد تنغيص الفرحة على التونسيين بافراغ الحركة التي قاموا بها ذات يوم من قيمتها ومن جوهرها. من سواهم هؤلاء الذين يخشون أن تستقر الأمور فينكشف المستور.