كثيرة هي الاسباب التي من شأنها أن تدفع للتوقف عند الانتخابات الرئاسية اليمنية، والامر بالتأكيد لا يتوقف عند حدود شكلية هذه الانتخابات التي لا تخفي سرا يذكر باعتبار أن المرشح الوحيد فيها هو نائب الرئيس اليمني المخلوع وأقرب مقربيه منصورهادي عبد ربه الذي يتنافس مع نفسه على كرسي الرئاسة. ملايين الناخبين إلى جانب الآلاف من رجال الأمن والمراقبين تجندوا كل من موقعه للمشاركة في انجاح سيرالانتخابات وتأمين الوصول الى مكاتب الاقتراع في محاولة لاقناع الرأي العام في الداخل والخارج بشرعية الحاكم القديم-الجديد لليمن وذلك بعد عام على اندلاع انتفاضة «مملكة سبأ». ولعل أكثر ما يمكن أن يثير الشكوك والمخاوف بشأن ما يمكن أن تخفيه الانتخابات الرئاسية في اليمن ظهور تلك الصور العملاقة للمرشح الوحيد للانتخابات المبكرة هادي متدلية على المباني لتذكرنا بعهود بغيضة ولكنها ليست بعيدة عن الذاكرة وهي عهود كانت فيها صورالطغاة تسيطرعلى المشهد الى درجة الاختناق... طبعا لم يكن الدور الامريكي في هذه العملية خافيا بل ان علي عبد الله صالح الذي كان يمني النفس بالعودة الى اليمن والمشاركة في الانتخابات وجد نفسه يقتصر على متابعة أطوارها من بعيد، إذ يبدو حسبما سربته مصادر اعلامية أمريكية، أن واشنطن اعتبرت أن بقاءه بعيدا عن مسرح الأحداث سيكون أفضل... والواقع أن في هذا الاصرار من جانب الرئيس اليمني المخلوع على العودة الى اليمن ما يعكس نفسيته الرافضة للاقصاء الذي دفع إليه دفعا بمقتضى المبادرة الخليجية. ولاشك أن في خروج صالح عن صمته ودعوته الناخبين للتصويت لصالح نائبه إشارة الى استمرار النظام الذي فرضه على مدى أكثر من ثلاثة عقود... من هذا المنطلق فإنه اذا كان اليمنيون يأملون من وراء انتخابات الأمس التدرب على ممارسة حقهم الانتخابي فإنهم بالتأكيد قد نجحوا في الاختبار وسيكونون على أتم الاستعداد لممارسة هذا الحق في المرات القادمة. أما اذا كانوا يأملون في تحقيق الانتقال الديموقراطي من خلالها فهذا ما قد لا يتضح قريبا وسيتعين عليهم الانتظار طويلا قبل أن تتضح لديهم ملامح المرحلة القادمة وما تتطلبه التحديات القائمة من حكمة وقوة الارادة ووحدة في الصفوف . بالامس لم يكن اليمن منقسما الى جزءين فحسب، أحدهما مقبل على الانتخابات والثاني معرض عنها، ولكن اليمن الذي رأيناه بالامس كان منقسما الى يمن ناخب وثان مقاطع وثالث محارب... كل ذلك وسط مشهد يسوده الغموض وتطفو من حوله التحديات والمخاطر بدءا من الفقر والأمية والخصاصة وصولا الى تهديدات الحوثيين في الشمال وانتشار «القاعدة» وانقسام الجيش والدعوات الى الانفصال في الجنوب... بل الحقيقة أن الانتخابات اليمنية التي يريد لها الكثيرون أن تكون خطوة تطوي صفحة أكثر من ثلاثة عقود من نظام سلفه توشك أن تتحول الى لعنة مفتوحة قد تجرف اليمن الى متاهات الصراعات القبلية والتقسيم التي ظل المشهد اليمني حتى الآن في منأى منها. ومن غيرالمستبعد أن تتحول الفترة الانتقالية برئاسة هادي والتي حددت بسنتين الى مرحلة لتصفية الحسابات والانتقام بين تلك الفئات الشعبية المحرومة التي قادت الانتفاضة اليمنية ودفعت ثمنها وتحملت مخاطرها وبين من يستعدون لقطف ثمارها دونما عناء وفي مقدمتهم من كانوا حتى الأمس القريب من أنصار وأزلام صالح لا سيما أبناؤه الذين يحكمون قبضتهم على الجيش كما على الحرس الجمهوري، وهي أسباب كفيلة بالدفع للاعتقاد بأن المشهد اليمني سيظل مفتوحا على كل السيناريوهات بعد أن غابت كل إمكانيات المحاسبة والمساءلة على الاقل في هذه المرحلة بعد أن تمكن عبد الله صالح من تجنب مصير سابقيه من الطغاة فنجا من مصير مماثل لبن علي الذي هرب ذليلا الى السعودية وتجنب مصير مبارك الذي يخضع للمحاكمة مع نجليه وعدد من مساعديه ونجا خاصة من مصير مماثل لمصير القذافي الذي عرف نهاية مأساوية على أيدي الثوار الليبيين... آسيا العتروس