عندما تهدأ الأنفس يمكن للنخب العربية والإسلامية أن تتأمل جيّدا الأحداث الدموية الأخيرة التي عاشتها عدة بلدان عربية واسلامية بسبب نشر فيلم أمريكي قصير على الواب يسيء للرسول محمد صلى عليه وسلم ومن ورائه إلى كافة الأمة الإسلامية ولم يقف الأمر عند نشر الفيلم الذي تسبب في حركات احتجاجية عنيفة في أكثر من منطقة عربية واسلامية وإنما عمدت الصحيفة الفرنسية الساخرة "شارلي هبدو" إلى إعادة اصدار صور كاريكاتورية تسيء كذلك لرسولنا الأكرم. عندما تهدأ الأنفس يمكن لهذه النخب أن تتأمل هذه الأحداث وأن تقرأها جيدا وأن تخرج منها باستنتاجات وعبر لأنه لابد من الخروج بعبر من المحن وإلا فإننا نكون خاسرين على جميع الواجهات. معروف كذلك أن الأمم التي تعالج المحن بحكمة تخرج من الأزمات أكثر قوة وهو ما نأمله بطبيعة الحال لأمتنا العربية والإسلامية أن تخرج من محنتها الأخيرة أكثر قوة. لا شك أن عددا من البلدان العربية وخاصة منها التي عاشت ثورة شعبية على غرار تونس ومصر وليبيا التي تعيش في مناخ جديد قد عرفت لحظات صعبة جدا تلت نشر الفيلم المذكور حيث استغلت مجموعات متشددة في تونس مثلا الوضع لتعربد وتمارس فنون العنف وتقتحم السفارة الأمريكية بالعاصمة وتعبث بالمدرسة الأمريكية المجاورة لها مخلفة خسائر كبيرة تتحملها الدولة التونسية أو بالأحرى المواطن التونسي دافع الضرائب للدولة. لا ننسى كذلك الخسائر في الأرواح ذلك أن دم التونسي وأيّا كان انتماؤه السياسي دم غال ولابد من محاسبة كل الأطراف التي تسببت في إهدار دم التونسيين عبثا. فالمسيرة التي خرجت بالعاصمة نصرة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان من الممكن أن تكون مؤطرة جيدا وكان من الممكن أن يعبر التونسيون عن غضبهم وعن احتجاجاتهم بطرق سلمية لو تمت الإحاطة بالعملية جيدا ولو تم اتخاذ الاحتياطات الأمنيّة اللاّزمة لكنّا بذلك تجنبنا الدمار والدماء والصورة السوداء التي أصبحت تلاحقنا حتى صرنا على لائحة البلدان الراعية للإرهاب. وقد يكون من المفيد التذكير بأن الأحداث التي شهدتها تونس جاءت على إثر ما عرفته مدينة بنغازي الليبية من عنف انتهى بمقتل ديبلوماسيين أمريكيين على رأسهم السفير الأمريكي بليبيا. حدود السياسة وضيق أفقها ولعله من أبرز العبر التي يجب أن نستخلصها من المحنة الأخيرة أن النخب الثقافية قد تخلت طويلا عن موقعها وتركت المكان واسعا أمام السياسيين. فالسياسي لا يسعى إلا لتحقيق مكسب سياسي يتمثل في البقاء في السلطة أو التطلع إلى السلطة وهو ما يحيلنا على حدود السياسة وضيق افقها وحتى وإن كنا لا نشكك في نزاهة السياسيين ولا في وطنيتهم فإننا نقول إنه تبين اليوم كم أن البلاد في حاجة إلى نخبة ثقافية ذات بعد نظر تفتح الآفاق ولا تحصر فكرها في غنيمة سياسية فورية أو مكسب سياسي حيني. فالبلاد محكومة اليوم بالسياسي حتى نكاد نرى شوراعنا قد خلت من كل حركة ثقافية. الثقافي يكاد يضيع في زحمة الجدل السياسي وفي زحمة التنافس على السلط حتى بدت تونس وكأنها ولدت للتوّ والحال أننا نحمل تاريخا عظيما وحضارة عريقة. وإن كان دور المثقف في المجتمع مهمّا في الحالات العادية فما بالك ونحن نعيش اليوم وضعا استثنائيا وخطيرا. فالمعركة وإن بدت في ظاهرها سياسية فهي في الأصل ثقافية بامتياز. ولم تكذب الأحداث الأخيرة التي شهدتها عدة بلدان عربية واسلامية النظريات التي تقول بأن هذا القرن أي القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الثقافة بامتياز. فالصراع بين الأديان والصراع بين الحضارات هو صراع ثقافي بدرجة أولى ونحن اليوم في حاجة إلى نخبة ثقافية تتحمل مسؤوليتها كاملة في عصر يوحي بأننا اقرب إلى صراع الحضارات منه إلى التعايش السلمي بين هذه الحضارات. إننا مثلا إذا ما قرأنا الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الصور الكاريكاتورية التي تحاول إيذاء مشاعر المسلمين على أنها حركات معزولة في المكان والزمان فإننا لا نتردد في إدانتها وإدانة أصحابها ولكن عندما نتأمل المسألة فإننا نفهم أن الحركة ربما ليست معزولة وإنما هي تدخل في سياق عام وفي إطار منظومة كاملة والأدلة على ذلك لا تنقصنا. فإن كنا مثلا نعتقد أن ما قامت به الصحيفة الفرنسية "شارلي هبدو" من نشر لصور كاريكاتورية تستهزئ برسول الإسلام مع إدانتنا لها حركة انتهازية وتجارية فإننا نكون بذلك ربما قد توقفنا عند نصف الحقيقة. صحيح لا يمكن إلغاء العامل التجاري لكن "شارلي هبدو" وهي صحيفة معروفة بقوة دفاعها عن حرية التعبير تكون وهي تقدم على ذلك تعلن عن انخراطها في حركة شاملة يشتم منها أن هناك تخوفا في الغرب من انهيار الثقافة الغربية تحت ضربات الحركات الإسلامية المتشددة في البلدان الإسلامية والتي ينشط البعض منها على أراضيها. الغرب الذي يخشى من انهيار هيمنة ثقافته الغرب ولعدة أسباب من بينها توسع نشاط الحركات الجهادية متخوف من انهيار ثقافته التي تقوم على الحريات الشخصية وعلى حرية التفكير والإبداع والمعتقد والضمير لذلك تراهم يردون الفعل بقوة كلما لاحظوا أن شيئا ما يهدد هذه الثقافة. ولئن كان من حق اصحاب الثقافة الغربية أن يخشوا من الأخطار التي تهددهم في مكانتهم وفي هيمنة ثقافتهم ومواصلة فرض أسلوب حياتهم وتفكيرهم وجملة من القيم التي تقوم عليها حضارتهم فإنهم مقابل ذلك ليس من حقهم أن يعتبروا كل المسلمين خطرا على الحضارة الغربية. فالحضارة الغربية ليست إلا مواصلة للحضارة العربية الإسلامية ونحن نشترك معهم في قيم كونية من بينها التسامح والاعتراف بالاختلاف وحرية المعتقد والعدالة والمساواة بين الناس وهي قيم تعتبر في جوهر الديانة الإسلامية. إن الأغلبية الغالبة من العرب والمسلمين تدافع عن هذه القيم أكثر حتى مما يدافعون عنها في الغرب لكن ما ينقصنا هو ذلك الخطاب الذي يصل إلى آذان الناس وهو خطاب تتولاه النخبة التي تتحمل اليوم مسؤولية تفسير الوضع وتبسيطه للناس. وما يحتاج العرب والمسلمون فهمه اليوم بالأساس هو أن الغرب يخشى منا على ثقافته وعلى قيمه لأنه لا يعرف عنا إلا الجانب الأسود ولا يدرك أن القيم التي يخشى عليها هي قيم نشترك فيها معه بل سبقناه فيها عندما بشر الإسلام بها منذ البدء. لقد بشر الإسلام بقيم التآخي والتحابب والسلام والعدالة والمساواة بين الناس في وقت كان فيه الغرب يغط في نومه ويسبح في ظلماته. إن كان الغرب يخشانا ولا يفهم تطلعات المسلمين إلى وضع مشرف ومكانة مشرفة بين الأمم فإنه يتحمل بطبيعة الحال جزءا من المسؤولية في الصراع الذي ينبئ بأنه سيحتدم بينه وبيننا في صورة تواصل الاستفزازات من هنا وردود الفعل الغاضبة من هناك لكننا نتحمل نحن كذلك جانبا من المسؤولية لأننا لا نعرف كيف نسوق لأنفسنا ولا كيف نروج لصورة صحيحة حولنا. الأكيد أن المتشددين من بيننا ليسوا أكثر عددا من المتشددين في الغرب ولكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يبدون أقلية في حين يبدو المتشددون وكأنهم أغلبية في بلداننا رغم أن الحقيقة هي غير ذلك تماما. قوموا إلى معاولكم أيها المثققون فقد طالت بطالتكم وتركتم الساحة فارغة للسياسة والسياسيين والبلاد تحتاج لمن يفكر من أجلها ومن يقضي الليالي الطوال يتأمل ويصوغ المعادلات العلمية وينظر ويتمحّص ويتفحص الأمور ولا يتكلم لغة الأمر والنهي مثلما هو جار به العمل اليوم. قوموا إلى معاولكم فقد طال وجودكم في الشرفات.