بلديّة صفاقس تهنئ النادي الصفاقسي وتسند له منحة استثنائيّة    قرار باعتماد توقيت إداري واحد في هذه الولاية    "الهايكا" تدعو إلى تنظيم "تيليتون" لمجابهة انتشار "فيروس كورونا"    صادم: في نفزة..إيقاف شخص بتهمة مفاحشة شقيقته أثناء تواجدهما بشاطئ الزوارع    المجلس الأعلى للقضاء يعلن عن تدابير جديدة    اصابة تلميذي بكالوريا بالكورونا في معهد حمودة باشا بمنوبة..    وصول 500 ألف جرعة مضادة لكورونا إلى تونس    مصر.. الأمن يعدم 7 مواطنين دفعة واحدة    حقيقة القمح الفاسد بميناء سوسة    تونس تتحصل على 500 ألف جرعة مضادة لفيروس كورونا من جمهورية الصين الشعبية    وزارة الفلاحة تطلق حملة تحسيسية لترشيد استهلاك الماء خلال فترة الذروة    البنوك والمؤسسات المالية في إضراب يومي 5 و6 جويلية    الخطوط الجوية الافريقية تستأنف رحلاتها نحو مطار صفاقس الدولي    تأجيل إضراب مجمّعي الحليب    سليانة: حظر للجولان من الثامنة ليلا الى الخامسة صباحا    سوسة: إيقاف أب بتهمة التحرش جنسيا بطفله ذي الثلاث سنوات    تكريم هشام جعيط في معرض الكتٌاب التونسي    تأجيل خلاص المساهمات المحمولة على المؤجر بالنسبة لهذه القطاعات    ميناء حلق الوادي : القبض على 05 أشخاص من أجل محاولة اجتياز الحدود البحرية خلسة    وزارة الصحة: عدد التلاقيح ضد كوفيد-19 يفوق مليون والنصف منذ انطلاق الحملة الوطنية للتلقيح    الدكتور بوجداريّة يؤكد انهيار المنظومة الصحيّة بالقيروان.. و هذه نسبة التحاليل الايجابيّة    قبلي: تواصل انجاز سلسلة من الدورات التكوينية لتطوير قدرات عدد من الحرفيين    الإصابة تبعد الفرنسي ديمبيلي عن باقي مباريات كأس أورويا للأمم    اليوم.. افتتاح الاكتتاب في القرض الرقاعي الوطني 2021    مذكرات سمير صبري تكشف أسرارا حول وفاة سعاد حسني    الغنّوشي يُهنّئ البطلين أنس جابر وأسامة الملّولي    بزيادة قدرت ب 174 ٪: "تونس البلد الأكثر تصديرا للمهاجرين نحو ايطاليا"    بعد انقطاع الكهرباء بالقيروان: الستاغ توضح..    انقطاع الكهرباء بالقيروان: "الستاغ" تعتذر    عريضة لأساتذة الاعلامية: نقابة التعليم الثانوي تكشف وتوضّح..    سمر صمود: فرضيّتان وراء الوضع الوبائي بالقيروان    الستاغ تعتذر وتُوضّح أسباب الإنقطاع الفجئي للكهرباء في القيروان    إلغاء سفرات بين مدن من ولايات مختلفة    جندوبة: رئيس مجلس الشباب التونسي يتعرض لاعتداء ومحاولة قتل    انس جابر تحافظ على مركزها 24 عالميا    تكريم الدكتور الحبيب بيدة في معرض الكتاب التونسي    بنزرت: وزير السياحة يتفقد سير انجاز مجموعة من المشاريع    أخبار قوافل قفصة .. هل تستفيد هيئة المحمدي من أخطائها؟    مجهزة بأحدث التقنيات ووسائل الرفاهية: ليبيا تستعيد طائرة القذافي    طقس اليوم: الحرارة تصل إلى 47 درجة    في الذكرى 25 لوفاته..الشيخ سالم الضيف: المربّي الزيتوني والمناضل الدستوري الفذّ    تقرير عسكري أمريكي..سيناريو حرب ضد الجزائر ؟    الناشطة السياسية و المحامية اللبنانية بشرى الخليل ل«الشروق»..كوندوليزا رايس قرّرت إعدام صدام    في سن ال37 أُسامة الملولي يتأهّل للألعاب الأولمبيّة طوكيو 2020 (+1)    في مباراة اوقفتها الشماريخ: النادي الصفاقسي ينهي مغامرة الاولمبي للنقل ويبلغ الدور النهائي    أنس جابر تتوّج بلقب بطولة برمينغهام الانجليزية للتنس    الثالث بالجهة: نشوب حريق بجبل حماد بالجديدة وتواصل تدخلات اطفائه    المخرجة التونسية كوثر بن هنية ضمن لجنة تحكيم الأفلام القصيرة ومسابقة أفلام المدارس خلال مهرجان كان 2021    داعش التي تنام بيننا... في تفكيك العقل التونسي    كورونا..2449 وفاة جديدة بالبرازيل خلال 24 ساعة فضلا عن أكثر من 98 ألف إصابة    الأرمينيون إلى صناديق الاقتراع للتصويت في الانتخابات التشريعية المبكرة    انطلاق فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان قابس سينما فن    رئيس اتحاد الكتاب التونسيين في افتتاح معرض الكتاب التونسي: "أيها الكتاب....لا حظ لكم في هذا الوطن"    الجولة الأخيرة- مسرحية مونودراما لمنير العلوي جاهزة للمهرجانات الصيفية    أيام قرطاج السينمائية: فتح باب الترشيحات لجائزة 'قرطاج الواعدة'    رجل تحت الفستان: فيديو لعروس في موقف محرج وطريف يوم زفافها    محمد الشرفي في ذمة الله    محمّد الحبيب السلامي وتلميذ الامام مالك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رائد المشروع المجتمعي الحداثي.. والدولة المدنية
الذكرى 13 لرحيل الزعيم بورقيبة


غيّب مفهوم المعارضة وثقافة التداول على السلطة
يحيي الشعب التونسي اليوم الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي كان يلقب ولحد اليوم ب"أب التونسيين والمجاهد الأكبر"، كان أول رئيس للجمهورية وأحد أكبر رموز استقلالها. ذكرى رحيل الزعيم هذه السنة ستكون تحت شعار "بورقيبة رائد الكفاح والإصلاح".
بورقيبة القائد طيلة حوالي ثلاثة عقود، لم يغب عن اذهان التونسيين رغم محاولات النظام السابق فسخ ذكراه ومحو تاريخه وكان يخشاه وهو حي ويخشاه وهو ميت طبع هذه البلاد بطباعه ومبادئه وافكاره.. عُرف عنه مواقفه الريادية والسبّاقة في دولة عربية مسلمة عرفت الحداثة على يديه واتخذت لنفسها منهجا ذهل له الغرب نفسه خاصة فيما يتعلق بحرية المرأة والأحوال الشخصية والتعليم.. اضافة الى مواقفه من مختلف قضايا العالم وخاصة قضية الشرق الأوسط التي أثارت جدلا واسعا في الدول العربية حيث تم اتهامه بالعمالة للغرب وإسرائيل بسبب دعوته مبكرا الفلسطينيين إلى التفاوض مع إسرائيل والقبول بمبدأ التقسيم والتفاوض من منطق قوة. كذلك كان أول من رضخت له امريكا وأول من هدد بقطع العلاقات معها اثر الاعتداء الاسرائيلي على حمام الشط والذي اضطرت فيه الولايات المتحدة ولأول مرة على عدم استعمال الفيتو ضد ادانة اسرائيل.
"الصباح" تحيي اليوم مع الشعب التونسي ذكرى الزعيم.. وتكشف بعض الخفايا والاسرار من حياته.
هذا ما قاله راشد الغنوشي عن بورقيبة
الفرق كبير بين الرئيسين السابقين لتونس، الحبيب بورقيبة كان ديكتاتورا مثقفا، سمح بوجود حركة نقابية قوية، ونشأت في عهده الحركة الإسلامية وبلغت الذروة في وجودها السياسي والميداني، بورقيبة سمح بوجود حركة طلابية نموذجية وأعطى الضوء الأخضر لنشاط الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ولبعض الأحزاب والأصوات المعارضة، ومكن الصحف المستقلة وصحف الرأي من التعبير الحر، ولم تتمكن بعده أي صحيفة من التعبير عما يدور في تونس على الرغم من المحاولات اليائسة لصحافة المعارضة.. لقد كان بورقيبة ديكتاتورا متنورا، قرأ عن كبار كتاب الثورة الفرنسية واطلع على كتب السياسيين ومذكراتهم، وهو مطلع على ما يدور في تونس من أحداث سياسية واجتماعية وله دراية كبيرة بالسياسة وفنون الخطابة".
بورقيبة.. التاريخ الراسخ في ذاكرة التونسيين
الحبيب بورقيبة أول رئيس لتونس عقب استقلالها. ولد في الثالث من أوت 1903 في عائلة متواضعة الحال بحي الطرابلسية بمدينة المنستير الساحلية التونسية، تلقى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الصادقية، وفي المرحلة الثانوية التحق بالمعهد الصادقي فحصل على شهادة البروفي للغة العربية، ثم أكمل دراسته الثانوية بمعهد "كارنو" الفرنسي فحصل على شهادة البكالوريا عام 1924.
سافر بورقيبة بعد ذلك إلى باريس حيث أكمل تعليمه العالي بكلية الحقوق ومعهد الدراسات السياسية، حصل على الإجازة في الحقوق عام 1927 والشهادة العليا من معهد الدراسات السياسية، هذا بالإضافة لتلقيه بعض الدروس بشعبة المالية العامة بجامعة السوربون، وأثناء تواجده بفرنسا تأثر بورقيبة كثيراً بالحضارة والثقافة الفرنسية.
عقب عودته إلى تونس عمل بورقيبة بالمحاماة إضافة إلى ذلك قام بالمشاركة في الكتابة في عدد من الصحف الوطنية مثل "صوت التونسي" و" اللواء التونسي"، وفي الأول من نوفمبر 1932 قام بإصدار جريدة "لاكسيون تونيزيان" مع عدد من رفاقه وكان مديراً لها.
بورقيبة والسياسة
كان لبورقيبة دور فعال في استقلال تونس ونهضتها، وكانت بدايته السياسية من خلال انضمامه إلى الحزب الحر الدستوري التونسي هذا الحزب الذي كان يقوده عبد العزيز الثعالبي والذي كان أحد رواد الإصلاح في تونس وأحد أعلام جامع الزيتونة.
توالت العديد من الأحداث السياسية على الساحة التونسية كان من ضمنها نفي عبد العزيز الثعالبي، كما توالت التطورات على الحزب الدستوري والتي كان منبعها أن هناك فجوة ما بين القيادة الأولى للحزب والتي ضمت رجال الدين وعلماء الزيتونة والشخصيات المندرجة تحت لواء الثقافة الإسلامية والعربية، وبين مجموعة الشباب التونسي الجدد اللذين انضموا للحزب وكانوا متأثرين بالثقافة الفرانكفونية حيث كان معظمهم قد أتم دراسته في الجامعات والمعاهد الفرنسية وتشبعوا بالثقافة الفرنسية والعلمانية، وكان بورقيبة واحداً منهم.
وجاء انضمام هؤلاء الشباب لأقوى الأحزاب السياسية في تونس وقتها ليؤثر بشكل قوي في الأحداث فقد أقام عبد العزيز الثعالبي الحزب على أسس الفكر السلفي الإصلاحي الذي تبناه كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، بينما جاء هؤلاء الشباب الجدد ومنهم بورقيبة ليقفوا في مواجهة مع هذا الفكر وذلك نظراً لدراستهم وفكرهم الغربي، فجاء الاختلاف بين الفكرين القديم والحديث وبالتالي أسلوب الإدارة والعمل، ونتج عن هذا انشقاق بورقيبة ورفاقه عن الحزب وأقاموا حزب جديد عرف باسم " الحزب الدستوري الجديد" تمكن من فرض وجوده على الساحة السياسية، فقاد الحزب الجديد سلسلة من الإضرابات والمظاهرات، ووقعت العديد من الصدامات بين المواطنين التونسيين والجيش الفرنسي.
قامت السلطات الفرنسية باعتقال بورقيبة ورفاقه نظراً لنشاطه النضالي فقضى مدة بالسجن المدني ومن بعده السجن العسكري، وخضع إلى التحقيق بتهمة التآمر على امن الدولة، ثم تم نقله الى سجن تبرسق ومنه إلى السجون الفرنسية، إلى أن تم الإفراج عنه عام 1944.
سافر بورقيبة بعد ذلك لعدد من البلدان لتعريف العالم بقضية بلاده فسافر إلى القاهرة ونيويورك، ثم عاد إلى تونس قبل أن يسافر مرة أخرى متجهاً إلى فرنسا لكسب أنصار من داخل فرنسا، والتعريف بالحركة الوطنية.
دوره في الاستقلال
في 31 جويلية 1954 قامت الحكومة الفرنسية بقيادة "منداس فرانس" بعرض مشروع على التونسيين يتم منحهم بموجبه الحكم الذاتي مع احتفاظ الحكومة الفرنسية بمهمة الدفاع والشؤون الخارجية، وقام بورقيبة بالترحيب بهذه الخطوة مصرحاً بقوله "إن إعلان "منداس فرانس" يعتبر خطوة هامة على طريق السيادة التونسية التامة، وإن الأمثل هو الاستقلال التام".
بعد ذلك تشكلت حكومة تفاوضية برئاسة طاهر بن عمار ضمت عددا من العناصر من الحزب الدستوري الجديد،وعقدت عدة مفاوضات مع الفرنسيين أسفرت عن اتفاق نهائي عام 1955، ولكن لم ينل هذا الاتفاق استحسان عدد من الشخصيات الوطنية التي اعتبرت الحكم الذاتي لتونس ما هو إلا استمرار للاستعمار وكان على رأس هؤلاء المعارضين صالح بن يوسف والذي دخل في مواجهات هو وعدد من رفاقه مع الجيش الفرنسي انتهت بالقبض عليه وعلى مؤيديه إلا أنه تمكن من الفرار إلى طرابلس.
وبعد نشوب عدد من الحروب الداخلية توجه بورقيبة على رأس وفد تونسي إلى باريس وقام بإجراء عدد من المفاوضات مع الفرنسيين وفي العشرين من مارس 1956 انتهت المفاوضات بتوقيع الطرفين الفرنسي والتونسي بروتوكول اعترفت فرنسا بمقتضاه بالاستقلال الرسمي لتونس، وبأحقيتها في تولي الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الداخلي بالإضافة لتشكيل جيش وطني تونسي.
عقدت بعد ذلك انتخابات عامة في تونس أدت إلى فوز الحزب الدستوري ، وصعد بورقيبة ليعتلي منصب رئيس الدولة التونسية، فحكم البلاد في الفترة ما بين 1956- 1987.
علاقة بورقيبة بالدين
دائماً ما كانت علاقة بورقيبة بالدين مسألة مثيرة للجدل، وتم مناقشتها من قبل الكثيرين، فمنهم من أتهمه بالإلحاد ومعاداة الدين الإسلامي ومنهم من رأى فيه انه من أبرز الساسة التحديثين وأنه لا مشاكل له بالناحية الدينية إلا انه يريد أن يفصل السياسة عن الدين.
ويقال أن الرئيس التونسي الراحل كان من المتأثرين بشخصية مصطفى كمال أتاتورك.
أصدر قانونا للأحوال الشخصية يقضي بمنع تعدد الزوجات وذلك بعد ثلاثة أشهر من إعلان استقلال تونس من الاحتلال الفرنسي وألغى المحاكم الشرعية، وعمل على سن قوانين يساوي بها بين الرجل والمرأة في الميراث، ووحد القضاء التونسي وفق القوانين الفرنسية.
كان بورقيبة يدعو إلي الحداثة والتحرر ومواكبة التقدم. كل ذلك ترتب عليه إثارة عدد كبير من التونسيين ورجال الدين اللذين عارضوه واعتبروا ما تفوه به مخالفا للشريعة الإسلامية، وتم اتهامه بعدائه للإسلام. وعلى الرغم من المواقف السابقة لبورقيبة إلا أنه قام بفتح الجامعة التونسية للطلاب من اجل التفقه بالدين، وهو الامر الذي فسره البعض على أنه إحدى مناوراته السياسية.
بورقيبة المصلح
سعى بورقيبة جاهداً بعد توليه الرئاسة الى تخليص البلاد من أثار الاستعمار، فقام بالعديد من الإصلاحات واضعاً التحديث والتطوير في أوضاع البلاد نصب عينه، فعمل على تحديث المجتمع بالارتقاء بمستوى التعليم، وإصدار مجلة الأحوال الشخصية، وسعى لتحرير المرأة، وعمل على إنجاح برامج وخطط تسعى لتحديد النسل، كما عمل على دعم الطبقة الوسطى من المجتمع والنهوض بها فعمل على تطوير العديد من المجالات مثل الأجور والصحة والخدمات والتعليم، فشهدت البلاد خلال فترة السبعينات انتعاشة اقتصادية.
الشيخوخة والانقلاب
خلال فترة الثمانينات تعرضت تونس لسلسلة من الانهيارات السياسية والاقتصادية وذلك في نهاية فترة حكم بورقيبة والذي سيطر عليه كل من المرض وتقدم السن، وشملت هذه الانهيارات أحداث الخبز الدموية والتي راح ضحيتها عشرات من التونسيين، بالإضافة للمواجهات مع التيار الإسلامي والصراع على خلافة بورقيبة، ليظهر زين العابدين بن علي فجأة على الساحة السياسية للبلاد كوزيراً في الثاني من أكتوبر 1987، ثم قام بانقلاب السابع من نوفمبر 1987، وتولى رئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس بورقيبة من ماتيلدا الى وسيلة
تزوج الرئيس بورقيبة مرتين المرة الأولى عندما كان بفرنسا وذلك من زوجته ماتيلدا والتي كانت تكبره في السن بحوالي عشر سنوات وأعلنت إسلامها وسميت باسم "مفيدة" ورزق منها بابنه الحبيب بورقيبة الابن، وقد جاء زواج بورقيبة من ماتيلدا ليشكل عامل ربط قوي بينه وبين الأوساط الفرنسية، فكان بورقيبة عاشقاً للثقافة الفرنسية وجاء زواجه من سيدة فرنسية ليزيد من قوة إعجابه بها.
أما المرة الثانية فقد تزوج من السيدة وسيلة بنت محمد بن عمار والتي كانت لها العديد من الأدوار السياسية والتأثير القوي على زوجها أثناء فترة حكمه، فلم تكتف وسيلة بدورها كزوجة لبورقيبة ولكنها كانت مطلعة دائماً على الأوضاع السياسية بالبلاد، محيطة بجميع القضايا والملفات، كما حرصت على تأكيد حضورها الرسمي في المناسبات المختلفة ومرافقة زوجها في زياراته الداخلية والخارجية، وأشرفت على برامج لمحو الأمية ودشنت العديد من دور الرعاية ورياض الأطفال ودور المسنين، مما جعلها تحظى بشعبية هائلة لدى الشعب التونسي، كما حظيت باحترام وتقدير العديد من رؤساء وملوك الدول.
وبالرغم من حب بورقيبة لوسيلة إلا أن كثرة الخصوم حولها أفقدها ثقة زوجها فكان الطلاق والخروج من الحياة السياسية عام 1986، وجاءت وفاتها عام 1989.
الوفاة
توفي الزعيم بورقيبة في السادس من افريل عام 2000 عن عمر يناهز 97 عاما، ودفن بمدينة المنستير في مقبرة آل بورقيبة... لكنه ظل في ذاكرة وقلوب التونسيين رغم محاولات المخلوع طمس كل معالم بورقيبة.
هكذا جنب بورقيبة شباب تونس المشاركة في حرب 67
قبل حرب جوان 67 دخل بورقيبة في خلافات عميقة خاصة مع مصر وعدد من الدول العربية وأعلن بورقيبة مقاطعته للاجتماعات العربية مؤكدا في 21 ماي 1965 "إنه ليس بالإمكان أن نشارك بعد اليوم في أعمال الجامعة العربية والمؤتمرات العربية، إلا إذا توفر الشرط الأساسي الذي هو الاحترام المتبادل، وإن الشعارات الرنانة مآلها تصفية قضية فلسطين ودعم كيان إسرائيل".
وفي خطوة لاحقة قرر مجلس الجمهورية يوم 3 أكتوبر 1966 قطع العلاقات الديبلوماسية مع مصر، لكن أمام التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط لاحقا، والتي انتهت الى حرب جوان 1967، لم تتخلف تونس عن تأكيد تضامنها مع مصر، وأعلن الرئيس بورقيبة يوم 30 ماي 1967 أنه "على جميع الدول العربية أن تساند كفاح الشعب الفلسطيني مساندة جدية وفعالة، وإن موقف تونس واضح وأن الخلافات تصبح ثانوية أمام خطورة الوضع".
وما كاد نبأ العدوان الاسرائيلي على مصر وسوريا والأردن ينتشر يوم 5 جوان 1967 حتى انتظمت في تونس مظاهرات تضامن، وتوجه الرئيس بورقيبة ببيان الى الشعب عبر الاذاعة والتلفزة جاء فيه "نحن مع أشقائنا العرب في كفاحهم ضدّ اسرائيل التي تمثل الاستعمار".
وفي برقية الى الرئيس جمال عبد الناصر، أكد الرئيس بورقيبة "إن تونس تسخّر امكانياتها المادية والمعنوية لتساند جهودكم وتؤازر كفاحكم"، واتصل الرئيس جمال عبد الناصر يوم 6 جوان 1967 بالزعيم الحبيب بورقيبة شاكرا له موقفه.
وفي الأثناء قررت الحكومة التونسية فتح باب التطوع. وتجند آلاف الشباب التونسي للذهاب للقتال الى جانب المصريين والفلسطينيين والاردنيين وذلك بالتحول برا عبر ليبيا.. ولكن لم يتمكنوا من ذلك باعتبار ان الحرب انتهت في ظرف أيام.
وما تكشف عنه "الصباح" اليوم ونقلا عن مصادر مقربة جدا من الزعيم الراحل أن بورقيبة ورغم اعلانه الحماسي فتح باب التطوع للجهاد ضد اسرائيل، فانه في قرارة نفسه لم يكن متحمسا لإرسال شباب تونس للتهلكة لذلك حاول ربح الوقت وتأخير تحولهم للحرب أقصى ما يمكن فعمد الى جمع جميع الشباب المتطوع في ثكنة العوينة يوم 7 جوان باثا فيهم الحماس قائلا: "العرب اليوم قلب واحد، واحساس واحد، وعليكم أن تبذلوا من أجل خلاص فلسطين نفس التضحيات التي بذلتموها ببسالة في معارك التحرير والسيادة بتونس وبوصفكم أبطال تونس لا بدّ أن يحتفل بكم كل التونسيين". وامر بورقيبة وقتها كل الولاة بالاحتفال بالمتطوعين في كل ولاية يصلونها.. وهكذا مضت الأيام الى حدّ اعلام انتهاء حرب الستة أيام ليطلب بورقيبة من الشباب العودة الى منازلهم باعتبار أن الحرب انتهت.
لأول مرة.. لهذا تراجع الزعيم الحبيب بورقيبة عن اتفاقية الوحدة مع ليبيا
في سنة 1974 تقرر توحيد الجمهوريتين التونسية والليبية وتحويلهما الى "الجمهورية العربية الإسلامية". مشروع اتفاق وحدة أعلن عنه بالتحديد يوم 12 جانفي 1974 بين الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وقائد الثورة الليبية معمر القذافي.
جاء إعلان الوحدة بصفة مفاجئة بعد انعقاد مقابلة للقائدين في جزيرة جربة إثر زيارة غير مبرمجة للقذافي. كان الاتفاق يقتضي بتولي بورقيبة منصب الرئيس، القذافي منصب نائب الرئيس، عبد السلام جلود منصب الوزير الأول والوزير الخارجية التونسي محمد المصمودي منصب نائب الوزير الأول. مع الاتفاق على تغيير العلم والنشيد الوطني وغير ذلك.
كان مقرراً أن تتم المصادقة على الاتفاق بعد إقامة استفتاء في البلدين، لكن أمام عدم ورود نص في الدستور التونسي حول إجراء استفتاء عام تم تأجيله. بعد يوم فقط من ابرام الاتفاق في جربة ومباشرة بعد عودته للعاصمة يعلن الحبيب بورقيبة عن تراجعه ويبطل الاتفاق.
ما يعرف لحد اليوم أن سبب تراجع بورقيبة الفجئي يعود الى ضغط أعضاده وعلى رأسهم الوزير الاول الهادي نويرة الذي كان وقتها خارج البلاد.. لكن ما تنفرد بنشره "الصباح" اليوم هو أن سبب تراجع بورقيبة عن الوحدة أن أحد أعضاده دخل الى مكتبه في اليوم الموالي لتوقيع الاتفاقية وقدم له علم تونس مطوي قائلا له: "هذا علم تونس انظر اليه جيدا لأنه يمكن أن لا تراه مجددا".. هنا دمعت عينا بورقيبة وبكى بحرقة وقبل العلم واعلن مباشرة قراره بإعلام الجانب الليبي عن التراجع في الاتفاقية... وهذا المشهد يؤكد مدى حب الزعيم لتونس وتقديسه لعلمها الذي كان عندما يسافر وقبل امتطائه للطائرة او عند رجوعه يقبل العلم بحب كبير.
إعداد: سفيان رجب وآسيا العتروس

الجامعية والباحثة
نورة البورصلي ل الصباح :
الذكرى 13 لرحيل الزعيم بورقيبة
بورقيبة وراء إلغاء تعدد الزوجات.. ولا مجال للمغالطات
قالت الجامعية والباحثة نورة البورصلي ان ما نراه اليوم من محاولات لانكار مجلة الأحوال الشخصية وفصلها عن بورقيبة وما نسمعه من قراءة جديدة بان المجلة امتداد للمجلة الشرعية للشيخ جعيط سنة 1947 تستوجب التصحيح لان هناك من يريد نزع بورقيبة عن مجلة الأحوال الشخصية والواقع أنه لا يمكن تغيير التاريخ. وتضيف نورة البورصلي صاحبة كتاب "بورقيبة واختبار الديموقراطية "من هنا وجب القول أنه علينا أن نكون موضوعيين في قراءة التاريخ حتى وان لم نحب ذلك وهذا ما قاله سي أحمد المستيري في شهادته للتاريخ حول مجلة الأحوال الشخصية واعترافه بأنه وقع فعلا الاطلاع على مجلة الشيخ جعيط ولكن وجدناها أكاديمية وكثيرة التفاصيل ولا يمكن أن تكون مجلة للاسرة لذلك وضعت جانبا وتم استحداث لجنة عمل على مجلة الأحوال الشخصية, وأضافت نورة البورصلي بأن "الترويكا" لم تستوعب الدرس من فترة بن علي, ولا مما حدث يوم توديع بورقيبة وهو ما كنت شاهدة عليه حيث منعت صور بورقيبة يومها ولا أنسى المشهد عند مرور الموكب وأخرج الناس صوره التي أخفوها تحت ملابسهم ورددوا شعارات "بالروح بالدم نفديك يا بورقيبة " تماما كما في حياته كان ذاك أكبر درس ولكن لم يكن بإمكان بن علي أن يفهمه... وفيما يلي نص الحوار.
* ثلاث عشرة سنة تمضي اليوم على رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة ومع ذلك فان الذكرى تعود أقوى من أي وقت مضى فكيف يمكن تفسير هذا الحنين المعلن الى بورقيبة وهل أن التونسي اليوم يفتقد لذلك الزعيم السياسي القادر على اكتساح المشهد في مثل هذه المرحلة ؟
-ما يثيرني فعلا أنه بعد 14 جانفي لم يحدث حوار واحد موضوعي وعميق حول البورقيبية يجمع المؤرخين والباحثين بشكل خاص بعيدا عن تلك الحوارات الصاخبة التي لا تقدم ولا تؤخر وما يثيرني أيضا أننا فوتنا أكثر من فرصة سواء في ذكرى رحيل بورقيبة أو في ذكرى العيد الوطني للمرأة وقد كان بالإمكان وضع حصيلة لدراسة كل الجوانب الإيجابية والسلبية التي رافقت حكم بورقيبة ولكن للأسف وبكل صراحة لم يحدث هذا في القنوات التلفزية وحتى الصحف لا يمكن أن تكون بمنأى عن اللوم لان أغلب القراءات كانت عرضية ولم نشهد حصيلة عميقة حول خمسين سنة من البورقيبية كانت هناك لقاءات وكتب كثيرة حول بورقيبة في عهد بن علي ولكننا لم نر في عهد الثورة حوارا معمقا أو أشرطة وثائقية وما رأيناه في نهاية المطاف أن في توجه النهضة إزاء كل ما يتعلق ببورقيبة يؤجج الحقد والكراهية والنقمة على بورقيبة ولكن أيضا دون الاعتماد على مبررات منطقية وهذا يعكس وجود عقدة إزاء بورقيبة ومن هنا أيضا أستذكر مواقف معلنة لرئيس الوزراء التركي اردوغان وهو زعيم حزب إسلامي في بلد لائكي وهو البلد الإسلامي الوحيد الذي ينص دستوره على أن تركيا بلد لائكي ومع ذلك فان أردوغان يجاهر بوضع صورة اتاتورك في مكتبه والاتراك جميعا توقفوا حيثما كانوا في سياراتهم وفي الشوارع والمحلات يوم وفاة مؤسس تركيا الحديثة دقيقة صمت لتوديعه ولم يتجاهلوه ولم يغيبوا صورته .
اقول ذلك وفي اعتقادي أن التوجه والخطاب الإسلامي للنهضة وراء عودة البورقيبية لان المشكلة ان النهضة لا تفرق بين بورقيبة مؤسس الدولة وبين بورقيبة الذي أصفه بالمتسلط وهذا الفارق مهم جدا ومن هنا نرى عودة البورقيبية على "الفايسبوك" وفي كل المواقع ومن هنا نخلص الى أن البورقيبية لن تموت وهذا ما اتضح أيضا من خلال كل الصور والخطابات المسجلة وتصريحات بورقيبة التي تعود اليوم لنجد أنفسنا اليوم بين طرفين أحدهما يشيطن بورقيبة والاخر يؤلهه ولكن كلاهما لا يوفر ولا يعتمد القراءة التاريخية الموضوعية التعددية الأوجه لبورقيبة .
هناك سبب أخر لا يمكن تجاهله وهو أن التونسيين يعمدون الى المقارنة بين الرئيس الحالي وبين بورقيبة صاحب الشخصية الكارزمائية فيجدون أمامهم وبرغم ما ينسب له من أخطاء وبرغم تسلطه هذه العلاقة العجيبة لزعيم وطني مع شعبه فلغته الخطابية التي تمزج بين الفصحى والدارجة وفصاحته وقدرته على تبسيط الأمور كانت تجعله قريبا من العامة ومن النخبة وربما كان الزعيم الوحيد الذي كان له القدرة على الخروج من كل أزمة أكثر قوة حتى وان كان يدمر أقرب مقربيه.
المشروع المجتمعي
* هل أن في تغييب ذكرى بورقيبة تأثير على المشروع المجتمعي الذي أسس له وكيف يمكن الاستفادة من مرحلة مهمة من تاريخ تونس دون الوقوع في الاستنساخ القاتل ودون الغاء لجزء من مسيرة تونس الحديثة ؟
-المشروع المجتمعي وما يواجهه من محاولات لتغييره هو أكثر ما يخيف التونسيين اليوم وما يلام على النهضة خصوصا و"الترويكا" عموما هو التعجل والسرعة في الحرص على تغيير المجتمع والدفع باتجاه التنازل عن كل المكتسبات التي حملتها الجمهورية , هناك أيضا تخوف من التراجع في طبيعة الدولة المدنية وهنا أذكر المغرب عندما طرح مشروع الدستور والدولة المدنية على الاستفتاء ولكن حزب العدالة والتنمية الذي يحكم اليوم جاهر بموقفه وعارض محمد السادس في هذا التوجه وفي مصر لا يزال الجدل حول مدنية الدولة قائم الى أن تقدم الازهر بالورقة التي عرفت بوثيقة الازهر التي قدمت نصا حول مدنية الدولة ولكنه يجعل المصدر الأساسي للتشريع الإسلام . ما نعيشه اليوم في تونس محاولات مستمرة للتشكيك في اسلام التونسيين ووضع العوائق أمام الدولة المدنية التي ترتكز على ثلاثة شروط وهي المواطنة والديموقراطية وفصل الدين عن الدولة .
مكاسب المرأة
*هل تعتبرين أن حقوق المرأة ومصير مجلة الأحوال الشخصية مهددة ؟
-حقيقة هناك تخوف من حصول تراجع بشأن مجلة الأحوال الشخصية التي وضعها بورقيبة أحببنا أم كرهنا , شخصيا أنا شديدة الانتقاد لبورقيبة لعدة أسباب ولكن وبقدر ما أحيي حداثته بقدرما أنتقد تسلطه الذي أوصلنا الى ما نحن فيه من غياب مفهوم المعارضة وغياب ثقافة التداول على السلطة. ولكن ما نراه اليوم من محاولات لانكار مجلة الأحوال الشخصية عن بورقيبة وما نسمعه بانها قراءة جديدة وامتداد للمجلة الشرعية للشيخ جعيط في 1947 يجب تصحيحه لان هناك من يريد نزع بورقيبة عن مجلة الأحوال الشخصية والواقع أنه لا يمكن تغيير التاريخ .ومن هنا وجب القول أنه علينا أن نكون موضوعيين في قراءة التاريخ حتى وان لم نحب ذلك وهذا ما قاله سي أحمد المستيري في شهادته للتاريخ حول مجلة الأحوال الشخصية واعترافه بأنه وقع فعلا الاطلاع على مجلة الأحوال الشخصية ولكن وجدناها أكاديمية وكثيرة التفاصيل ولا يمكن أن تكون مجلة للاسرة لذلك وضعت جانبا وتم استحداث لجنة عمل على مجلة الأحوال الشخصية، المشروع لم يكن فيه الغاء تعدد الزوجات وبورقيبة من فرض زوجة واحدة ولهذا بقيت تونس رائدة في مجال حقوق المرأة، كانت لبورقيبة إرادة سياسية لم تكن موجودة حتى لدى عبد الناصر كان بورقيبة على تواصل مع الهيئة المكلفة بمجلة الأحوال الشخصية والمشايخ بينهم الفاضل بن عاشور وذلك بالرغم من صدور فتوى عن اثني عشر من شيوخ الزيتونة في 1956- ضد مجلة الأحوال الشخصية وكان بورقيبة نقطة التواصل بين الهيئة والمشايخ وكان حريصا بشكل خاص على المسألة المتعلقة بإلغاء تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق وكانت مجلة الأحوال الشخصية أول قانون يصدر عن أول حكومة بعد الاستقلال وقبل حتى استكمال الدستور .ولو أننا قارنا بين الحركات النسوية في تونس ومصر سنجد أنها كانت قوية جدا في مصر ولكنها لم تطالب ولم تستطع المطالبة بالمسائل المتعلقة بالاسرة والزواج والطلاق وتوقفت مطالبها عند حق الشغل والتعليم والانتخابات فيما ذهبت أفكار بورقيبة الى أبعد من ذلك . للتاكيد أقول أن دور بورقيبة مصيري في صدور مجلة الأحوال الشخصية والغاء تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق ولامجال للمغالطات والتاريخ لا يقرأ حسب الاهواء .
من المؤسف فعلا أن تمر ذكرى 13 أوت وكأن شيئا لم يكن من الجانب الرسمي ولولا المجتمع المدني الذي حرص على احياء المواعيد التاريخية في البلاد تماما كما هو الحال في عيد الاستقلال في 20 مارس وقد بلغنا اليوم مرحلة الغاء كل المواعيد التاريخية المرتبطة باسم بورقيبة وهذا لا يمكن التسامح معه وهو تجن على الذاكرة الوطنية , وتجاهل عيد الاستقلال شكل صدمة لشريحة واسعة من التونسيين شعرت كأنها استهدفت في هويتها .
الدروس غير المستوعبة
* خلاصة القول أي الدروس يمكن استخلاصها سواء للحكام الجدد أو حتى للبورقيبيين ؟
- في اعتقادي أن "الترويكا" لم تستوعب الدرس من فترة بن علي, ولا أزال أذكر وقد كنت في المنستير يوم دفن بورقيبة وقد حضر التونسيون بكثافة من كل انحاء البلاد لتوديعه ولكن ما حدث وهذا كنت شاهدة عليه أن صور بورقيبة منعت يومها ولا أنسى المشهد عند مرور موكب بورقيبة عندما أخرج الناس صوره التي أخفوها تحت ملابسهم ورددوا شعارات "بالروح بالم نفديك يا بورقيبة " تماما كما في حياته كان ذاك أكبر درس ولكن لم يكن بإمكان بن علي أن يفهمه. على مدى أكثر من عشر سنوات ألغي بورقيبة وسجن في المنستير ولكن يوم وفاته اتضح أن سياسة بن علي لم تؤت ثمارها كان التونسيون هناك وهتفوا لبورقيبة كما لم يفعلوا , لقد كان من المهم التوقف وقراءة تلك الصورة والاستفادة منها , وأول الدروس أن احياء ذكرى الاستقلال ليس تمجيدا لبورقيبة الذي كنا ننظر اليه نظرة نقدية وليس كما يريد هو أن يكون المجاهد الأكبر ومحرر البلاد . تجاهل عيد الاستقلال خطأ كبير وعلينا ألا ننسى أن الصراع بين اليوسفيين والبورقيبيين كان على أشده الى درجة أن البلاد كانت على وشك حرب أهلية بين بن يوسف وبورقيبة الذي تعرض بدوره لمحاولات اغتيال وقد وقعت اغتيالات استهدفت الدستوريين وقتل حسين بوزيان في قفصة وكانت هناك صفحات سوداء رغم أن ثقافة العنف السياسي كانت دخيلة وكل شيء كان يحدث بالتوافق قبل ذلك , لهذا كان يمكن أن يكون الاحتفال بذكرى الاستقلال مناسبة لكل من تعسف عليهم بورقيبة والحزب الحاكم بمن في ذلك اليوسفيون والشيوعيون وكل المعارضين وبلسمة جراح الجميع ولكن دون التعسف أيضا على الذاكرة الوطنية .
بورقيبة والاسلام
* بورقيبة والإسلام كان ولا يزال موضوع جدل مثير لم ينجو معها من الاتهامات بالتكفير والالحاد فكيف تنظرين الى هذه المسألة ؟
-قناعتي أن المشروع التحديثي لبورقيبة لا يزال قوي وعلاقة الرجل بالإسلام كانت مبنية على الاجتهاد والاعتدال والانفتاح ولكن أيضا على الحريات الفردية والتعليم العقلاني للهوية التونسية جعلت من التونسيين شعبا خاصا جدا في العالم العربي في انفتاحه , أعود الى نقطة البداية بورقيبة نفي تماما بعد الثورة وكأنه لم يكن وهو الذي ترك بصماته بعمق في البلاد .الذين يقولون أن بورقيبة عدو الإسلام يعرفون أن هذا غير صحيح وخطاباته تشهد على ذلك التونسيون لم يكونوا كفارا قبل 14 جانفي وعلينا أن ندرك أننا لم نقم بثورة لنتقهقر ونتراجع الى الخلف والى عصر الظلمات بل لنتقدم ونتطور .
* لماذا توقفت في كتابك بورقيبة واختبار الديموقراطية عند سنة 1963 ؟
-لسبب بسيط كنت أريد أن افهم لماذا تعطلت المسيرة الديموقراطية وقد كان لنا أرضية مهيئة لنكون نموذجا للديموقراطية في العالم العربي والإسلامي لا سيما وأنه لا وجود لاقليات وطوائف في البلاد , كنت أسأل من أين جاء الاستبداد ؟ وقد تابعت بدقة كيفية بناء الدولة التونسية على مستوى طريقة الحكم وما توصلت اليه ان تونس في عام 1956 كانت فيها أحزاب متعددة من دستوريين وشيوعيين وزيتونيين وغيرهم وعلى مستوى الصحف كان هناك تنوع وحرية في التعبير تتجاوز مع ما يتوفر اليوم وأشير الى ما كانت جريدة "الصباح" تقدمه للقراء في تلك الفترة وكيفية تغطيتها أول انتخابات في البلاد في مارس1956 وما نقلته من التجاوزات في صناديق الاقتراع وكانت الانتقادات تطال شخص بورقيبة وتقارن بينه وبين الملك فؤاد وفي الستينات تعرض الى موجة انتقادات حادة بسبب القصور الرئاسية التي كانت تقام آنذاك في وقت كانت البلاد في صعوبات اقتصادية الامر الذي جعل بورقيبة يخاطب الشعب حول ذلك . علينا اليوم قراءة التاريخ قراءة جيدة وقراءة الظرف العالمي أيضا ضيعنا الكثير من الفرص وكان بالإمكان تجاوز الكثير من الازمات بما في ذلك قضية بن يوسف وهيمنة الحزب الواحد واحتواء الحياة العامة وهذا ما لا نريده أن يتكرر اليوم بعد الثورة ولكن لا يبدو أن النهضة تدرك ذلك .
* و ماذا عن دور النخبة اليوم وأين تقف من هذا المسار التاريخي ؟
-لا نر حوارات معمقة حول القضايا الكبرى ولذلك نعيش حالة تصحر على هذا المستوى والحقيقة أننا بعيدون عن الثورة الفرنسية التي نجحت بعد عقود ولكنها ثورة واكبتها حركة فكرية قوية كان فيها لفولتير ومونتسكيو موقع في حين أن ثورة 14 جانفي لم تواكبها ثورة في العقول , وكما في عهد بن علي وبورقيبة من ظهور تيار فكري ثقافي يمكنه اثراء النقاش ويساعد على تقديم البدائل. ما نراه في المنابر التلفزية تهريج يدفع التونسيين للعزوف عن السياسة وهذا ما ينبغي الانتباه اليه لان هذا العزوف قد تكون له انعكاساته في الامتناع عن التصويت, نشعر اليوم أن الثورة سرقت من شعبها والديموقراطية ليست وسيلة للوصول الى السلطة فحسب .
حوار آسيا العتروس

علالة الرجيشي محامي بورقيبة: مواقف أكدت النظرة الاستشرافية للزعيم
* السياسة سياستان:
الاولى: جهاد النفس قبل جهاد الخصوم والاعداء وتلك سياسة العقلاء النبلاء النزهاء
الثانية: نفاق وكذب وبهتان «فبأي الاء ربكما تكذبان» وتلك سياسة تدمير العقل عن طريق اللسان.
لقد عمل بورقيبة طوال حياته على تكريس الوسطية والاعتدال ونبذ الاحقاد والتطرف والاقتتال لم يكن بورقيبة، يساريا متطرفا ولا يمينيا مغلقا ولا قوميا عربيا متزمتا ولا اتوقراطيا منعزلا لا بل كان معتدا بالامر الذي اهله بان يقوم بدور المعدل العام في الصراحات التي كانت تجتاح العالم العربي والامثلة متعددة والتاريخ على ذلك شاهد.
اثناء الحرب العالمية الثانية وقف بورقيبة الى جانب الحلفاء ضد المحرر المتصف بالنازية والفاشية البشعتين في حين ان جل الحكام العرب حشروا انفسهم في ميدان النازية والفاشية حجتهم في ذلك الانتقام من فرنسا وانقلترا اذا ما تحقق النصر للمحرر وقد تصوروا ان انتصار المحرر ضمان لاستقلالهم عن الاستعمار الفرنسي والبريطاني وهذا خطأ فادح لان المحور له اطماع في ان الحلفاء وكذلك الاتحاد السوفياتي اتفقوا صلب مجلس الامن على تمكين اليهود من جزء من الارض الفلسطينية لاقامة دولة يهودية صهيونية في حين ان المنطق يفرض اقتطاع جزء من الارض الالمانية لاقامة دولة يهودية وذلك جبرا للضرر الفادح الذي لحق اليهود جراء ما تعرضوا له من تنكيل وتعذيب وتقتيل وصل حد المحرقة تجاه المظلمة التي تسلطت على الشعب الفلسطيني جراء قرار التقسيم الجائر حاثا اياهم بقبول ذلك القرار رغم جوره لانه اخف الضررين كما نصحهم بالتمسك بارضهم وعدم اللجوء الى العيش في الشتات والتعويل على انفسهم دون أي دولة عربية لمقاومةالاحتلال الصهيوني وذلك سنة 1965 بمناسبة الزيارة التي اداها الى اريحة لقد انزعج الكيان الصهيوني من خطاب بورقيبة متمنيا لو ان العرب لم يفهموه وفعلا لقد تحقق لهم ذلك بل ان العرب ذهبوا الى اكثر من ذلك فتصدوا له وهاجموه ونعتوه بانه عميل لاسرائيل وما الى ذلك... وان خوفه على القضية الفلسطينية هي حالة لا حرب ولا سلم لكن التاريخ انصفه وبعد فوات الاوان ادرك العرب ان بورقيبة كان على حق قال الله تعالى: «لقد حق الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا». صدق الله العظيم.
سنة 1982 تورط الكيان الصهيوني في عملية ابادة شنيعة ضد اللبنانيين والفلسطنيين في صبرة وشتيلة الامر الذي اثار ثائرة بورقيبة فدعا لعقد قمة عربية لاتخاذ قرار يناسب الحدث في اليوم الذي تقرر فيه اجتماع وزراء الخارجية العرب لاتخاذ القرار المناسب ضد الكيان الصهيوني لاحظ بورقيبة ان هناك شيئا من التراخي في انطلاق اشغال «وزراء الخارجية العرب» فانزعج لذلك التراخي ولم يطق صبرا فاخذ سيارته والتحق بمقر الاجتماع ثم توجه الى الحاضرين قائلا تعلمون ايها السادة اصحاب المعالي ان مولاتي غربية وليس شرقية لكن الجريمة البشعة التي اقدم عليها الكيان الصهيوني تعد ابادة للشعبين الفسطيني واللبناني لذا وامام فضاعة تلك العملية اطلب منكم بكل الحاح ان لا تنفظوا من هنا قبل ان تتخذوا القرار الحاسم بسحب السفراء العرب من امريكا اجاب احد الحاضرين حسن سيدي الرئيس سوف نعمل على ذلك اثر ذلك عاد بورقيبة الى قصر قرطاج مرتاح البال لكن الوقت يمر ولم يتلق بورقيبة أي خبر يفيد ان الاجتماع يتواصل في الاتجاه المتفق عليه وعندما نفد صبره اتصل بوزير الخارجية مستفسرا عن الامر اجابه وزير الخارجية ان 9 من وزراء الخارجية العرب اخذ كل واحد منهم طائرته وهرب هكذا قبرت القمة العربية مثل ضحايا صبرة وشتيلة.
في شهر اوت 1984 اثناء تلقي بورقيبة التهاني ببمناسبة عيد ميلاده بقصر سقانس بالمنستير كان من بين المهنئين سفير الاتحاد السوفياتي الذي استوقفه بورقيبة قائلا له انكم ارتكبتم خطأ فادحا بشنكم الحرب على افغانستان لكن سوف تكون الغلبة للمجاهدين الافغان ولو انكم سجلتم تقدما ملحوظا على الميدان لكن في النهاية سوف تتكبدون خسائر فادحة وهزيمة نكراء لذا انصح الرئيس بالتفكير مليا قبل مواصلة الحرب لقد صحت وتأكدت النظرة الاستشرافية لبورقيبة.
في شهر أكتوبر 1985 قام الكيان الصهيوني بقصف مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط وذلك بمباركة أمريكا اثر ذلك الهجوم قرر بورقيبة رفع قضية لدى الامم المتحدة ضد إسرائيل كما اعد في نفس الوقت قرارا بقطع العلاقات الديبلوماسية مع أمريكا لو أقدمت هذه الاخيرة على استعمال حق النقض الفيتو للحيلولة دون ادانة اسرائيل على ما قامت به من اعتداء على دولة حرة ذات سيادة وقد أبلغ ذلك للسفير الأمريكي الذي لم يتلق إذنا بالجلوس من طرف بورقيبة لما استقبله في مكتبه وبقي واقفا ولما سئل بورقيبة «كيف لم يسمح بورقيبة للسفير الأمريكي للجلوس عند استقباله: أجاب بورقيبة هيبة الدولة فوق كل اعتبار».
كان الرأي السائد آنذاك أن أمريكا لن تتخلى على إسرائيل وذلك باستعمال حق النقض (الفيتو) لكن النتيجة كانت مخالفة لما توقعه الجميع وذلك بفضل ما يتحلى به بورقيبة من حنكة وسداد رأي ووزنه الكبير في المحافل الدولية الشيء الذي جعل أقوى دولة في العالم تقرأ له ألف حساب.
في أكتوبر 1990 وبخصوص موقفه من الظلاميين والمتزمتين فقد قال الى الكاتب والصحفي الفرنسي جان دانيال «Jean Daniel» انه اذا أعفيت على المتزمتين فإنك ستصبح ضحيتهم عاجلا أم آجلا !!.
«Si vous graciez les fanatiques, tôt ou tard vous deviendrez leur victime».
لقد تأثر الشاعر الكبير منور صمادح بمواقف بورقيبة الخالدة وكتب قصيدة شعرية أسوق منها:
ركبت الصعاب وعفيت السهولة
بأن كنت للغرب دوما حليفا
فدع الجاهلين وجهلهم
ولبيت وفي النفس داعي الرجولة
فو الله ما كنت يوما عميلا
فإن الأيام بتعليمهم لكفيلة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.