توقيت عمل ''الصوناد'' في رمضان    الفنان أنور براهم يفتتح الدورة 11 لمهرجان سيكا جاز بالكاف    عاجل: قطر والامارات تُعلن أن غدا أول أيام رمضان    عاجل: مواعيد مواجهتي الترجي والأهلي في ربع نهائي رابطة الأبطال    الرابطة الأولى: تفاصيل تذاكر "دربي" الترجي الرياضي والملعب التونسي    عاجل: منحة الCIVP تنجم تزيد...شنوّة الحكاية؟    أمام دائرة الفساد المالي: تأجيل محاكمة ابنة رئيس حركة النهضة    وداعاً للملسوقة الجاهزة: هاو كيفاش تحضّر ورقة البريك في دارك ب 500 غ سميد وفرينة    سعيد السايبي يباشر اليوم الثلاثاء تدريب الملعب التونسي    دراسة تحذر من الضغوط المالية على صحتك..    مسرحية "الهاربات" لوفاء الطبوبي تشارك في مهرجان سوق الفنون الفرجوية الأفريقية بأبيدجان    رمضان 2026.. مسلسل رجال الظل يكشف قيادى الإخوان ...كواليس مثيرة    عاجل-نتائج المناظرة الخارجية للديوانة: الفرز الأول متاح الآن على الموقع الرسمي    أريانة: إحداث 3 نقاط بيع بأسعار تفاضلية بمناسبة شهر رمضان    تفكيك وفاقين إجراميين وحجز كميات هامة من المخدرات    عاجل/ تحذير من هبوب رياح قوية جداً بهذه المناطق..    تونس تفوز بالمركز الأول في مسابقة الاهرام الدولية لزيت الزيتون البكر الممتاز بالقاهرة..    وزير التربية يتعهد بوضع برنامج خاص لصيانة المؤسسات التربوية المتضررة من التقلبات المناخية بجندوبة    الترجي الرياضي يهدد بالانسحاب ويشترط الصافرة الأجنبية في الدربي    الرياضة في رمضان مش عذاب: تعلّم وقتاش تتحرك وكيفاش تشرب ماء بذكاء    الرابطة المحترفة الثانية - فرحات زروق مدربا جديدا للقوافل الرياضية بقفصة    عاجل/ أول رد من خامنئي على تهديد ترامب..    فوائد كبيرة للقيلولة بعد الظهر ...و هذه أهمها    أحمد الأندلسي يكشف أسرار مسلسل غيبوبة    بنزرت: تمكين 39 عائلة محدودة الدخل من منح تحسين سكن    جمعية النساء الديمقراطيات تدعو إلى سحب مشروع القانون المتعلق بالتقاعد المبكّر في القطاع الخاص للنساء دون شرط الأمومة    من بينها منع "دخلة الباك".. وزير التربية يتخذ جملة من التدابير داخل المؤسسات التربوية    متابعة تنفيذ مشروع " شمس" لدعم الطاقة الشمسية الفولطاضوئية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة "    عاجل/ الكشف عن شبكة دولية لترويج "الزطلة" بضفاف البحيرة..وهذه تفاصيل الحجوزات..    طقس الثلاثاء: أمطار متفرقة ورياح قوية    اللحم ب42.900: تلقاه في الوردية والسوق المركزية    وزارة التجارة تشدد الرقابة خلال رمضان وتضع رقمًا أخضر للتبليغ عن التجاوزات    باجة: البنك التونسي للتضامن يمول 685 مشروعا خلال سنة 2025    الشركة التونسية للملاحة تعدل برمجة السفينة "قرطاج" بسبب سوء الاحوال الجوية    الرابطة الأولى: صافرة "المنصري" تدير مواجهة مستقبل سليمان والترجي الرياضي    لقاء فكري في بيت الحكمة بعنوان "العقلانيّة: ما سبيلنا إلى تحرير تاريخ الفكر العلمي والفلسفي من قبضة المركزيّة الأوروبويّة الراهنة"    اليوم : حدث فلكي يقترب من الأرض...شنوا الحكاية ؟    رمضان 2026: شوف وقتاش ووين يتشاف هلال رمضان في تونس؟    دعاء آخر يوم فى شعبان    عاجل : اعتقال نجوم في''حريم السلطان''متورطين في المخدرات    عاجل/ عاصفة شتوية قوية تضرب هذه المنطقة وتحذيرات من فيضانات وانهيارات..    عمرة رمضان 2026: كيفاش تحافظ على صحتك وتكمّل مناسكك من غير تعب؟    سحورك غالط؟ ماكلة تبعد عليك النشاط وتخليك تعطش نهارك الكل...رد بالك منها    العاصمة: إصابة سائق إثر سقوط شاحنة من "قنطرة" الجمهورية    أرسنال يحل ضيفا على مانسفيلد ومانشستر سيتي يواجه نيوكاسل في الدور الخامس لكأس الاتحاد الإنقليزي    وصول الوفد الروسي المفاوض حول أوكرانيا إلى جنيف    البطولة الافريقية للمبارزة: ذهبية لنوران بشير وبرونزية لنور الاسلام مشارك في سلاح الفلوري    حماس ترفض مهلة ال60 يوما لتسليم السلاح    اليوم: عملية رصد هلال شهر رمضان    وزارة الصحّة : تطوير الطبّ النووي بأحدث التّقنيات المتقدّمة    ترامب يحذر إيران من عواقب عدم إبرام اتفاق    لدى استقباله الزنزري.. سعيد يؤكد ان تونس في حاجة الى ثورة إدارية مشفوعة بأخرى ثقافيّة    الدورة 42 لمهرجان المدينة بتونس ...30 عرضا موسيقيا.. والسوري علي حسين لأول مرّة    إدراج تحصينات غار الملح على القائمة النهائية للتراث الإسلامي ودعم ملف سيدي بوسعيد لدى اليونسكو    5 نقاط رصد لتحري هلال شهر رمضان    صادم : حجز 165 طن من المواد الغذائية الفاسدة قبل رمضان!    زيادة ب3% في استهلاك المواد البترولية خلال سنة 2025    عاجل/ تحذير: رياح عاتية تضرب السواحل التونسية ومنخفض جوي "نشط"..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سمية الغنوشي تكتب لكم : تونس بين جدلية الثورة والثورة المضادة‎
نشر في الصريح يوم 20 - 01 - 2019

تمر هذه الأيام الذكرى الثامنة للثورة التونسية، هذه الثورة التي انطلقت فجأة، من دواخل تونس وأعماقها المهمشة والمفقرة.
لا أحد كان يتصور رحيل ابن علي بتلك السرعة والمباغتة؛ بعد أن حصن نظامه بقوة الأجهزة البوليسية الضاربة، وجيش من المخبرين، وحالة قمع واسعة شملت مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
بدأت الثورة انتفاضة احتجاجية، مدفوعة بالشعور بالفقر والحرمان وسطوة النظام وأجهزته وحزبه الحاكم.
لكنها ما فتئت أن أخذت بعدا سياسيا واضحا مع تبلور الشعارات والمطالبة السياسية بصورة تدريجية ومتزايدة، خصوصا مع انتقالها إلى مراكز المدن الكبرى، وإصرار المتظاهرين على إسقاط النظام، والتصميم على رحيل ابن علي.
وقد برز ذلك بصورة واضحة مع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” المستلهم من قصيدة أبي القاسم الشابي، ثم كلمة “ديقاج” الفرنسية أو “ارحل”.
حاول الكثيرون محاكمة الثورة التونسية، ومن بعدها من الثورات العربية، على ضوء نموذج نظري نمطي للثورات مستمد من المثالين الفرنسي والروسي لاحقا.
كانت الخلفية واضحة: الاستنقاص من شأن هذه الثورات. فبما أنها قد خلت من القيادة الطلائعية الملهمة، ومن الهرمية على طريقة يعاقبة الثورة الفرنسية وبلاشفة روسيا، وافتقرت للنظرية الثورية المكتملة، فهي ليست بثورة، بل انتفاضة في أحسن الحالات..
والحقيقة أن الثورة التونسية انطلقت انتفاضة تلقائية ذات مطلبية اجتماعية، ثم غدت ثورة حقيقية وعميقة تقودها قيادات محلية فاعلة.
كما أنها مزجت فيما بعد بين المطلبية الاجتماعية والجذرية السياسية، من خلال الدعوة لرحيل النظام والمطالبة بالحرية والكرامة، شأنها في ذلك شأن كل الثورات الحديثة تقريبا.
ثماني سنوات مرت اليوم على ثورة تونس بكل تقلباتها وتناقضاتها. فكيف نقيّم اليوم مسارها؟ وإلى أين تسير وجهتها؟ ما هي مواطن النجاح والإخفاق؟ وما طبيعة التحديات أمامها؟
واجهت الثورة التونسية، ولا تزال، عواصف هوجاء ومخاطر جمة، بعضها متأت من معطيات الإقليم، وبعضها الآخر من الداخل.
نجح المحور الخليجي المعادي للثورات في كسر موجة الربيع العربي، بعد أن أطاح بثورة 25 يناير وأرجع العساكر بقيادة السيسي إلى سدة الحكم.
ثم دُفِعت ليبيا في أتون حرب أهلية بقوة السلاح، بعد التصميم على صنع سيسي جديد في ليبيا (الجنرال حليفة حفتر).
وخُرِّب مسار الثورة السورية عبر تفجير التناقضات الطائفية والإثنية واستخدام ورقة الاٍرهاب، على خلفية محاربة إيران وإنهاكها في الساحة السورية.
أما اليمن، فغُدر بثورة شبابه باحتضان علي عبد الله صالح، ثم الانقلاب عليه، ودحرجة الوضع صوب حرب داخلية، قبل أن تتدخل القوات السعودية هناك وتجلب الخراب والدمار الشامل.
وظل هذا المحور يعمل ليلا نهارا على ارباك التجربة التونسية عبر التحريض الإعلامي والضخ المالي وبث الفتنة والانقسام بين مكونات الطبقة السياسية.
كل ذلك حتى يثبت هذا المعسكر سرديته الكبرى بأن الديمقراطية لا تصلح للعرب، ولا تفرز غير الفشل والفوضى، وأن الحل الوحيد المتاح أمامهم هو الحكم الفردي والعسكري المطلقان.
لكن، ورغم كل هذه الدسائس، نجح التونسيون (إلى الساعة) في حماية مكتسب الحرية الذي جاءت به ثورتهم، وهذا في حد ذاته لعمري إنجاز عظيم، في مناخ سياسي عربي سمته الأبرز عودة التسلطية، وسياق عالمي يشهد صعودا للشعبوية ورفض الخيارات الديمقراطية.
رغم العقبات الكاداء على طريقهم، تمكن التونسيون من سن دستور جديد ضمن الحريات العامة والخاصة، وفرض إعادة توزيع السلطة للتخفيف من آفة المركزية والحكم الفردي.
وأسس دستور الثورة للتداول السلمي على السلطة؛ عبر انتخابات تتوفر على قدر كبير من الاستقلالية والنزاهة، وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ تونس، وتكاد تكون معدومة في العالم العربي.
نجحت الثورة بأقدار نسبية في احتواء قوى الثورة المضادة عبر إعادة تأهيلها واستيعابها داخل منظومة الحكم الجديدة، بتجنب خيار الإقصاء والعزل، مقابل القبول بالمنافسة الانتخابية وإدارة الصراع بالآليات الديمقراطية.
ولكن هذه الأخيرة ما زالت تمتلك أذرعا طولى في الأحزاب والإعلام ودوائر المال والنفوذ، وتتغذى من قوة المواقع والخبرة والإمكانيات المالية، بضخ إقليمي كان وما زال يراهن على إسقاط التجربة برمتها.
كل هذا أتاح لها إعادة التموقع في ساحة لم تخرج منها أصلا. وهذا خيار، على هناته، أقل سوءا وضررا للتجربة التونسية.
ما زالت تعتمل في أحشاء الجسم السياسي التونسي تناقضات بين مكونات الثورة والثورة المضادة. هذه التناقضات تم احتواؤها زمنا عبر التوافقات والتسويات السياسية التي عقدت عام 2014، على أرضية الثورة والدستور الجديد.
لكن الشجرة يجب أن لا تحجب عنا الغابة أو المشهد الكبير خلفها، وهو أن هذا التوافق كان في أساسه مع حزب النداء الذي يمثل خليطا غير متجانس؛ ضم في أغلبه القوى الكارهة للثورة والرافضة للقوى الجديدة.
وقد ظل هذا التناقض يفعل فعله في الواقع التونسي بين منظومة جديدة؛ راهنت على احتواء مكونات المنظومة القديمة وترويضها ديمقراطيا، وقوى قديمة تسعى جاهدة لإعادة الانتشار واحتواء قوى الثورة بآليات الإنهاك السياسي والإعلامي.
وهذا باختصار سبب حال التوتر والتجاذب الذي تطبع الساحة السياسية التونسية اليوم.
تونس أيضا لم تكن بمنأى عن دور المحور الإقليمي، بقيادة السعودية والإمارات، المصمم على غلق ملف ثورات الربيع العربي، وفق معادلة واضحة وبسيطة، وهي إما نحن أو الجحيم:
إما أن تستمر منظومة الاستبداد والحكم الفردي.. أو الفوضى والخراب والحروب الأهلية.
تعيش تونس هذا التقلب بين موجات الثورة، المدعومة أساسا من الفئات الضعيفة والمتضررة من حكم ابن علي، وقوى الثورة المضادة التي تتغذى من مراكز النفوذ والمصالح الكبرى، في تقاطع مع قوى يسروية فوضوية تحركها نوازع العمى الأيديولوجي.
كما أن الثورة التونسية ما زالت تعاني من هوة كبيرة بين المكتسب السياسي وحجم الإنجاز الاقتصادي التنموي.
فالجهات الداخلية المهمشة والمفقرة والفئات الضعيفة من أبناء المدن لم تلمس تحسنا ملحوظا في مستوى عيشها وحياتها اليومية. بل إن التقلبات السياسية والأزمات الاجتماعية قد أثرت على وضعها العام بصورة سلبية، فزادته تدهورا.
كما أن تقلبات الجوار المباشر وخاصة مع ليبيا ما انفكت تلقي بظلالها السلبية أمنيا وسياسيا واقتصاديا على تونس، بحكم الترابط الوثيق بين البلدين.
والحقيقة أن فشل التونسيين في حل هذه المعادلة بين السياسي والتنموي يجعل تجربتهم هشة وضعيفة. لكن ما يدعو لبعض التفاؤل هو أنهم رغم كثرة تذمرهم من الوضع الحالي، عازمون على الحفاظ على منجز ثورتهم، مدركون حجم التربص الإقليمي بها.
كما أن الطبقة السياسية شديدة الوعي بالأولوية الاقتصادية الاجتماعية بعد استكمال بناء المؤسسات السياسية.
فهل تنجح الثورة في استكمال الأميال الأخيرة المتبقية والوصول بتونس لبر الأمان؟
وهذا رهان مهم ليس لتونس فقط، بل للعمق العربي الأوسع المبتلى بالأزمات والحروب الأهلية، وتغول حكومات العنف والتسلط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.