بعد كارثة الفيضانات الأخيرة: 80 مليون دينار لترميم البنية التحتية..    قرار حكومي يضبط المناطق الصحية ذات الأولوية لفائدة عدد من الأسلاك الخاصة بوزارة الصحة    صفاقس: 1273 عملية رقابية و203 مخالفات.. وتعزيز استثنائي للسكر والزيت والقهوة    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة: برنامج الجولة العاشرة والختامية لمرحلة التتويج    الرابطة الأولى: الملعب التونسي يفقد خدمات أبرز ركائزه في الدربي    وزارة الصحة: تناول من حبّة إلى 3 حبّات من التمر عند الإفطار خيار صحي بامتياز    شنوّا يصير لحواسك الخمس وقت الصيام؟...معلومات اول مرة تعرفها    تسليم ثلاثة مساكن اجتماعيّة بساقية الزيت لفائدة عدد من منظوري مؤسّسة "فداء" من جرحى الثورة    وزارة الدّاخلية توضّح بشأن وضعية الأعوان المتعاقدين المنتدبين في إطار البرنامج الخصوصي لتدعيم البلديات المحدثة بالموارد البشرية    كريم الثليبي يضع الموسيقى التصويرية لمسلسل «حياة»    رمضان والدراما... أرقام المشاهدة.. منافسة بين القنوات    قضية وفاة الجيلاني الدبوسي: تأجيل نهائي للجلسة    لأول مرة منذ 2011: تراجع القروض السكنية في تونس    في بالك : البريكة '' 400 كالوري'' تساوي صحن مقرونة    عاجل : كانت في طريقها لأوروبا ...إحباط تهريب كوكايين مخبّية في الشوكولاته    شد عندك : دبارة ثاني نهار لشهر رمضان    ارتفاع الغش ب 7 %: مخالفات وحجوزات بالجملة في أول رمضان    فيديو : ظافر العابدين يتكلم بالليبي في إشهار بنك ATIB    دعاء اليوم الثانى من رمضان    ميزانية ضخمة وقوة عسكرية متعدّدة الجنسيّات: مجلس السلام انقلاب على مجلس الأمن    إنتقالات: تعيين باتريس نوفو مدربا جديدا لمنتخب الطوغو    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يفقد خدمات أبرز ركائزه في الدربي    يعتدي على عون حرس بالة حادة خلال عملية مداهمة..وهذا ما قرره القضاء في حقه..#خبر_عاجل    تحضيرا لمونديال 2026: البرازيل تواجه مصر وديا يوم 6 جوان القادم    زحمة رمضان معادش ؟نقل ال TGM يرجع للتوانسة و هذه التفاصيل !    الدورة 14 من مهرجان ليالي السليمانية: صوفية صادق في الافتتاح وشكري بوزيان في الاختتام    عاجل/ بسبب "الخطيفة" محامي يتهم قناة الحوار التونسي بالسرقة ويُفجر قنبلة..    عاجل: تفاصيل انفجار أنبوب غاز في منزل بعد شقان الفطر بقصر سعيد    الإعدام شنقًا لقاتل زميله إثر خلافات بينهما    العاصمة: 20 سنة سجناً لمروّج مخدرات حوّل وجهة تلميذة واحتجزها واعتدى عليها    طالب باجتماع "عاجل"/ جمال العُرف يفجرها بخصوص الزّيت النباتي المُدعّم..    صادم : التوانسة يطيشوا قرابة المليون خبزة يوميا    كيفاش البرنامج الجديد باش يقوّي الزواج ويحدّ من الطلاق في تونس؟    جلسة استماع بالبرلمان لاتحاد الصناعة والتجارة حول مقترح يتعلق بقانون الاستثمار    عاجل/ بعد انفجار شقة في عمارة بقصر سعيد.. نائب بالبرلمان يدق ناقوس الخطر ويدعو الدولة للتحرك..    أمريكا: رفع صورة ترامب على مقر وزارة العدل    الديوان الوطني للصناعات التقليدية يعتزم تنفيذ عمليات تأهيل حرفي بفضاءات الابتكار في عدد من ولايات الجمهورية    دعاء الجمعة الأولى من رمضان.. قولوا توا    وزير التجارة يتابع نسق التزود ومستوى الأسعار في سوق الجملة ببن عروس    حاول اغراق البلاد بالكوكايين: حكم سجني ثقيل ضد مهرب مخدرات..#خبر_عاجل    طقس اليوم: سحب أحيانا كثيفة مع بعض الأمطار بهذه المناطق    الدوخة وطنين الأذن في رمضان : علاش ما يلزمكش توقف العلاج ؟    بطولة مصر - المهاجم التونسي أحمد أولاد باهية يفتتح رصيده التهديفي مع المقاولون العرب    وفاة الممثل الأمريكي إريك داين    بين "صوت هند رجب" وجنرال الاحتلال..كوثر بن هنية تلقن العالم درساً في الكرامة: "لا سلام مع القتلة"..!    أوقات الصلاة لثاني أيام رمضان وموعد الافطار..    عاجل/ ترامب يدرس ضربة مبدئية محدودة ضد إيران..وهذه التفاصيل..    تفاصيل البرمجة الرمضانية لقناة التاسعة..    قبل أيام من اعتقاله.. إبستين دفع 27.7 مليون دولار لشراء قصر فخم في المغرب    ترامب يوجّه بنشر ملفات الأجسام الطائرة المجهولة والحياة خارج الأرض    عاجل/ فاجعة في أول يوم من رمضان..انفجار شقة بهذه المنطقة..التفاصيل وحصيلة المصابين..    فوائد رمضان الصحية وكيفية التعامل مع تحديات الصيام اليومية    طقس الليلة: أمطار متفرقة مع رياح قوية قرب السواحل    برمجة قناة تلفزة تيفي: أوقات المسلسلات والكاميرا خفية والطبخ في رمضان    عاجل: هذا هو حكم الدربي بين الترجي والبقلاوة    مفتي الجمهورية للتوانسة : ''رمضان شهر العمل والجهاد موش الكسل''    اليك برنامج البطولة التونسية 22: ماتشوات تستى فيكم في رمضان    هذه أوقات الصلاة لأول أيام رمضان وموعد الافطار..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : كان يا ما كان
نشر في الصريح يوم 23 - 02 - 2019

يحكي أنه كان ، في قديم الزّمان ، وسالف العصر والأوان ، بلد من البلدان ، أخضر كالجنان ، وهبه الرؤوف الرحمن ، مما ينبت في الأرض ألوان ، زيتون ونخل ورمّان ، شعبه نشيط يقظان ، سخّر للعمل الأبدان ، وللعلم الأذهان ، فاحتلّ رغم حجمه المكان ، المرموق حسب كلّ العارفين الأعيان ، فعاش في سلم وأمان ، إلى أن أصابه سرطان ، اسمه استعمار، فوقف ضده وثار، بكباره والصغار، واهتدى رؤساؤه الأخيار ، إلى سبل التنظيم والإنتصار، فتأسست الاتحادات ، للعمل والفلاحة والصناعات ، وتكوّنت الجمعيات ، للطلبة والطالبات ، وكذلك الوداديات ، لكل المهن والاختصاصات ، فتشابكت السواعد والأفكار، وتآزر الكبار والصغار، فعمّت المقاومة الأحياء والديار، إلى أن لاذ الدخيل الظلوم بالفرار.
هكذا تُحوصل الخرافة فصلا من حياة شعب ، ونحن نعلم أنّ لكلّ خرافة دروسا وعبرا. فكيف أمكن ذلك الشعب تحقيق ما حقّقه ؟ أمكنه ذلك معوّلا على الله وعلى نفسه ، وكما جاء في الخرافة ، تكاتف الجميع وتعاون ، توحّدت القوى وتمركزت فأصبح الضعف قوة ، والفقر غنى ، والكلّ يعمل من أجل مصلحة الكلّ ، عكس ما يجري ويُشاهد اليوم ، إذ لا نرى طوال سبع سنيين ، في تونس وغيرها من بلدان المنطقة ، غير الباحثين عن التأخر ومزيد الجمود ، ولو كان الثمن دماء أبناء تلك البلدان ، من الأبرياء والمساكين. فلنعد إلى الخرافة إذن عسانا نجد التفسير والسبب, تقول الخرافة:
كان شعب ذلك البلد ، يكدّ ويجد ، يحرث ويزرع ، كي يأكل ويشبع ، فكثرت لديه الحبوب والثمار، فاحتاجت إليه الدول الكبار، إذ كل ما ينتجه محبوب ، من كل من يذوقه مطلوب ، فزاد حبّ المواطن أرضَه ، وجعل خدمتها من فرضه. تكتّل إذن وكد، وحرث واجتهد ، فنشطت الاتحادات ، عمّالها استعادوا بعض ما فات ، من حقوق وعلاوات ، ازدهرت التجارة وأنشئت صناعات ، وتطورت الفلاحة بحديث الآلات ، إلى أن تحققت الآمال، وجاء الاستقلال...
يفرض الصّدق والأمانة ، التوقف عند إشارة الخرافة إلى الاتحادات ، وإلى خدمة الأرض ، لأن ذلك يذكرني بحقيقة منسية من الجميع ، أو تناساها هذا وذاك ، وإلا فأنا جاهل وأعمى. فسبع سنوات مضت ، على ما سمّي ثورة – لحاجة في نفس يعقوب ولا شك – لأنها لم تكن قط ثورة ، وسمّي ربيعا وهو خريف ثقيل ، برطوبة وعرق أجوائه ، برياحه وغيومه ، وها هو الشتاء قد حلّ ، والربيع يبقى في التمنّي والأمل. طيلة كلّ هذه السنوات سمعنا كل الأصوات ، وكثر الكلام عن كل القطاعات ، إلا قطاع الزراعة الذي ، حسب جهلي ، لا تزال ، وما زالت ، قوام الاقتصاد في البلاد. أم هي تونس اصبحت صناعية وأنا لا أدري ؟ حتى وإن صارت صناعية ، أقول كأني عارف خبير، فهي كغيرها ، لا غنى لها عن الزراعة وفلاحة الأرض ، وإلا مدّت يدها طالبة غذاءها. لست أدري هل مواطنيَّ المحظوظين بالعيش تحت سماء تونسية ، يرون صورتها الحالية ، كما نراها ونسمع عنها في الخارج. صورة جعلت كلّ من عرفها وأحبها يسأل ويتساءل " ما الذي حدث لتونس ؟ ما لها تونس تغيّرت ؟ إنّ صورة تونس الأكثر بروزا ووضوحا حاليا ، هي صورة السائل المستجدي ، يده ممدودة للقاصي والداني - والثاني أضرّ من الأول - ممدودة تنتظر الهبة والعطاء. لكن لندع هذا فهو نغمة أخرى ، ولنعد للزراعة والفلاحة ونسأل: لماذا تحرّكت ونشطت الاتحادات الأخرى واتحاد المزارعين نائم أو أخذته غفلة ؟ كان الاتحاد العام للفلاحة التونسية ثالث ثلاثة ، كانوا قوام الاقتصاد وركيزة المقاومة. لكن أرادت بعض الأغراض ، بناء على ادعاءات غير واقعية وحتى ملفّقة ، حلّ الاتحاد الفلاحي ، فصدرت الأوامر بحلّه فنفذت ، وأُتلفت وثائقه وسجلاته ، وأوتي باتحاد جديد هو المتواجد اليوم وكأنه لم يكن. لأنّ الفرع غير الأصل ، وأنّ المصطنع غير الطبيعي التلقائي ، وأنّ كلّ ما هو في خدمة الشعوب لابدّ لنجاحه من انبثاقه من صميم تلك الشعوب ، ينبت من أسفل ، وينمو فيصعد طالبا العلى ، والعكس هدر ومضيعة الجهد والوقت.
إنّ تونس ، إلى تاريخ الناس هذا ، لا تزال بلدا زراعيا ، ونأمل أنه بقي ويبقى محافظا مهتما معتنيا بهذا القطاع ، ولو دخل صفوف الدول الصناعية. لأن الزراعة أساس الحياة ، ومهما بلغ المرء من التطور والرفاه ، يبقى دائما يحتاج إلى الطعام والغذاء ، والأفضل والأيسر والأضمن ، أن يكون غذاؤه من إنتاجه وثمرة أرضه ، لأنه كما تقول الحكم : ما حكّ جلدك مثل ظفرك ، والمدّثر بما ليس له عارٍ فاقد الغطاء ، وكلّ نفس بما كسبت رهينة.
إن هذه لعمري آراء تلقائية بسيطة ، تدور في ذهن وخلد كلّ إنسان ، يعرفها الكبير والصغير. لكن ما يقلق ويثير التساؤل هو لماذا صمت صوت الفلاحين ؟ لماذا يسمع الكلام عن كلّ شيء إلا عمّا له صلة بالزراعة والفلاحة ، وخدمة الأرض والعناية بالمنتوج الغذائي ؟ لماذا غضّ الطرف هذا ؟ هل هو إهمال وعدم تقدير القطاع حق قدره ؟ أم في نفس يعقوب غاية ؟ من ، والمسرح العام العمومي التونسي كما نشاهده اليوم ، يزخر" بالعارفين " ، يستطيع إنارتنا وإرضاء حب اطلاعنا وتطفلنا ؟ لأنّ من يجرأ ويتشجع ويغامر مثل ما فعلنا ، فيبحر في أعماق الإحصائيات ، سيصاب بصدمة يخاف منها على قلبه. إنّ أوّل ما صادفني ، وأنا اسأل الإحصائيات " الرّسميّة " هو أنّ الواردات من الحبوب مثلا ، الحبوب التي كانت البلاد تغذي بها الآخرين ، تضاعفت سنة 2015 بنسبة 32% بينما الإنتاج انخفض بنسبة 30% ، وتوريد المواد الغذائية بلغت نسبة العجز فيه 9% فتعجّبت بل ذهلت ، حتى أنّني لم أنتبه ولا لتاريخ هذا العجز. فقد عدلت عن متابعة البحث والتنقيب ، خوفا على قلبي المعرّض منذ سنوات لأخطار الجلطة ، لأني تيقنت أن ما ستكشفه لي الأرقام لا تطمئن له نفس ولا يرتاح له بال. تذكرت وأنا حائر ذاهل ، ما قاله لي الدكتور تُقدمير، طبيب ليبي من أصل تركي ، متحدثا عن الأمراض البشرية والطبيعية وغيرها فسألني: ما هو الأنسب عمله والمبادرة به ، إن كان المطر يهطل غزيرا ، فتسرّب الماء من فُتحة في السقف ، تنشيف الماء على الأرض أو إصلاح السقف ؟ أليس الإسراع بإصلاح السقف أنسب ؟ أي العناية والاهتمام بالأصل والمنبت ، هو الحل المتعقل الوجيه ، الذي يضمن دوام السلامة ودرء الخطر حاضرا ومستقبلا ؟
هذا – حسب رأيي - هوالحلّ في ما يتعلّق بالزراعة والمنتوج الفلاحي, لكن ، قيل لي والتبعية على القائل ، أن الميدان غزته قوى لا علاقة لها بخدمة الأرض ، ولا تفهم متطلبات الزراعة ، التي لها خاصياتها وأتعابها ، فهي حقا مضنية، لا يعرف صاحبها الفتور ولا راحة. عرفت هذه الحقيقة ، وأنا في العشرينات من عمري ، من مزارعين شهيرين ، أولهما تونسي عمر الباجي من الكاف ، والثاني إيطالي فرنتشسكو ولقبه بارتروني على ما أظن ، وضيعته في منطقة غرنبالية. رأيت عمر، رغم شهاداته الجامعية ، يخرج إلى " الهنشير" على الخامسة صباحا ، ولا يعود إلا مع غروب الشمس. وكانت مدرسة الفلاحة ترسل له طلبة للتكوين والتمرّن على العين ، فكان بعضهم يسقط من التعب فيخاف عمر، ويُشهد من حوله أنه لم يطلب منهم ما هو ليس فاعله مثلهم. أما الإيطالي ، وكان مهندسا زراعيا متخرجا من كلية باليرمو ، فكان قد حفر ثُقبا في الجدار قرب فراشه ، أدخل فيه عودا خشبيا ، وكان يصحو مرات في ليالي سقوط الجليد ، فيسحب العود ويلمسه متفقدا رطوبته . فإذا وجده مبلّلا ، نهض مسرعا ، ونادى العمال ليشعلوا النيران ويكثروا الدخان ، حماية للمغروسات من الجليد المميت. هذا بعض ما بقي بالذاكرة أيام كنّا ، ولا تسل كيف كنّا كي لا يأتيك الجواب الصارخ ، جواب نأبى الإفصاح عنه ، كي لا نردّد قول الإمام علي رضي الله عنه : رُبَّ يومٍ بكيتُ منهُ فلما صرتُ في غيره بكيتُ عليه.
لقد حان الوقت أن يتقدّم القادرون المخلصون العارفون لإنقاذ تونس من التيارات الدخيلة ، والمؤامرات الرذيلة ، والتناحر المميت ، والشروع حالا في تنفيذ ما لا يحتاج طويل البرمجة والتخطيط ، حتى يسترجع الشعب ثقته في نفسه وفي مسؤوليه ، وليبدأ الأكفاء حالا في وضع ما يرتأونه صالحا من مخططات ، لبعث القطاعات المنتجة ، وأول وقبل كلّ شيء أن ينظر إلى المشاكل والحاجيات ، وما تتطلبه من حلول ، بعين تونسية محلية ، ويعول أولا وقبل كل شيء على الذات والإمكانات الوطنية ، فتشرع الآلة في الحركة ، فيأتي بعدها الثقيل الكبير، الذي قد يحتاج إلى الاستعانة بالكفاءات العلمية والمادية الخارجية. ولنتذكر دائما أن الأقربين أولى بالمعروف وأن " المتغطي بمتاع الناس عريان".
مدريد 18 – 2 – 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.