هؤولاء مرشحو النهضة لرئاسة الحكومة..    الكتل البرلمانية تتجاهل مبادرة عبير موسي لعزل النهضة وجعلها في المعارضة    لجنة الفلاحة بالبرلمان تندّد بمنع سمير الطيب عقد جلسة استماع حول الأمن الغذائي    يونيسيف: تشريد 90 ألف طفل في ليبيا منذ بدء حفتر هجومه المسلح    تونس : عجز ب 6 مليارات في ميزانية النادي الصفاقسي    وزارة الصحة تدعو الشباب بين 25 و35 سنة إلى التلقيح ضد الحصبة    وزارة الدفاع: لم تجتز أيّ طائرات دون طيّار المجال الجوي التونسي    محسن مرزوق: أطلب من كافة نواب الشعب الأحرار التحقيق في ما حصل لعبير موسي    النادي الإفريقي: الحاج علي تحت تصرف الدريدي.. تأهيل جماعي للمنتدبين.. ووصول بطاقات الانتقال الدولي لخليفة والزمزمي    جماهير الترجي قبل الدربي : أفراحنا ستتواصل    صفاقس: الإطاحة بشبكة إختصت في تزوير البطاقات البنكية    اسبوع أفلام المقاومة والتحرير بمدينة الثقافة من 20 الى 26 جانفي الجاري    قفصة: معرض الكتاب بالمركب الثقافي ابن منظور من 15 جانفي إلى 6 فيفري 2020    بالصور/ في شراكة الاولى من نوعها: اتصالات تونس وإذاعة جوهرة و جوهرة تيليكوم يطلقون "جوهرة موبايل"    الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان تتسلم مقرها الجديد بالعاصمة    نابل: وقفة احتجاجية لعدد من أصحاب وسائقي سيارات الاجرة الفردي    تطورات وفاة رقيب في "براكاج" بالميترو.."الصباح نيوز" تتحدث مع مصدر أمني ومسؤولة ب" نقل تونس"    البنك الوطني للجينات.. سفينة نوح لانقاذ التراث الجيني من المخاطر المحدقة به    الحكومة الليبية تطالب بدعوة تونس وقطر لمؤتمر برلين    “كان” اليد.. انتصاران ساحقان لمصر والمغرب    غدا السبت.. عرض فيلم "أحمد التليلي : ذاكرة الديمقراطية " بالمركز الجهوى للفنون الدرامية بقفصة    رفيق المحمدي مدربا جديدا لشبيبة القيروان خلفا للحيدوسي    تورطوا في محاولة قتل تاكسيست وسرقات.. تفكيك أخطر وفاق بجبل جلود    مصدرو زيت الزيتون يطالبون بالترفيع في حصة صادراتهم نحو الاتحاد الأوروبي    "الطفلة المعجزة".. دفنت في الجليد 18 ساعة وخرجت حية    حفتر يستبق مؤتمر برلين بإجراء مباحثات في أثينا    تعيينات جديدة بوزارة الثقافة..    BIAT عبد الكافي إما رئيس حكومة أو مدير عام    سوسة: إلقاء القبض على شخص محل 14 منشور تفتيش في قضايا مختلفة    جمال بركات ل"الصباح نيوز": اليوم نيانغ من أفضل حكام القارّة.. واختياره للدربي موفّق    النجم الساحلي: حمزة لحمر يتقدم بشكوى للمطالبة بمستحقاته المالية    لبنان: إضراب وغلق الطرقات في أسبوع الغضب    مارشي صفاقس: أسعار الخضر والغلال اليوم    القصرين : تعليق الدروس بالمدرسة الإعدادية بحي الزهور إحتجاجا على الإعتداءات المادية واللفظية المتكررة    وفاة الممثلة المصرية نادية رفيق    صورة/بسبب مريم الدباغ: تلميذة تطرد من القسم..وهذه التفاصيل..    القلعة الكبرى.. سقوط عامل نظافة من شاحنة    سوسة..القبض على 10 أشخاص بصدد اجتياز الحدود البحرية خلسة    العجبوني:”التيار الديمقراطي ضد أي شخصية مقترحة لرئاسة الحكومة من النظام السابق”    حجز قطع أثرية في كل من صفاقس وقبلي    أكبر هجرة بشرية داخلية في العالم تبدأ من جديد    جماعة دينية تقتل 7 أشخاص في عملية "طرد للأرواح الشريرة"    تفاصيل بيع تذاكر مباراة الترجي الرياضي التونسي والنادي الإفريقي    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الجمعة 17 جانفي 2020    السلامة المرورية مقصد شرعي    منبر الجمعة: الإخوة في الدين اسمى العلاقات الانسانية    أذكروني أذكركم    الجمعة: حالة الطقس ودرجات الحرارة    ضباب كثيف وتحذير لمستعملي هذه الطرقات    ما علامات نقص الفيتامينات والمعادن‬ في الجسم؟    أطعمة تفقدك ابتسامتك    سيعقد يوم الأحد المقبل..السراج وحفتر سيشاركان في مؤتمر برلين    عروض اليوم    فيروس غامض يؤدي لثاني حالة وفاة في الصين    تونس تشارك في الدورة الخامسة ''لايام زيت الزيتون البكر بباريس'' من 16 الى 18 جانفي 2020    نواب الشعب يصادقون على إحالة قرض رقاعي بقيمة 500 مليون أورو لفائدة الدولة    تقدم موسم الزراعات الكبرى للموسم 2019 /2020    في الحب والمال/هذه توقعات الابراج ليوم الخميس 16 جانفي 2020    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : كان يا ما كان
نشر في الصريح يوم 23 - 02 - 2019

يحكي أنه كان ، في قديم الزّمان ، وسالف العصر والأوان ، بلد من البلدان ، أخضر كالجنان ، وهبه الرؤوف الرحمن ، مما ينبت في الأرض ألوان ، زيتون ونخل ورمّان ، شعبه نشيط يقظان ، سخّر للعمل الأبدان ، وللعلم الأذهان ، فاحتلّ رغم حجمه المكان ، المرموق حسب كلّ العارفين الأعيان ، فعاش في سلم وأمان ، إلى أن أصابه سرطان ، اسمه استعمار، فوقف ضده وثار، بكباره والصغار، واهتدى رؤساؤه الأخيار ، إلى سبل التنظيم والإنتصار، فتأسست الاتحادات ، للعمل والفلاحة والصناعات ، وتكوّنت الجمعيات ، للطلبة والطالبات ، وكذلك الوداديات ، لكل المهن والاختصاصات ، فتشابكت السواعد والأفكار، وتآزر الكبار والصغار، فعمّت المقاومة الأحياء والديار، إلى أن لاذ الدخيل الظلوم بالفرار.
هكذا تُحوصل الخرافة فصلا من حياة شعب ، ونحن نعلم أنّ لكلّ خرافة دروسا وعبرا. فكيف أمكن ذلك الشعب تحقيق ما حقّقه ؟ أمكنه ذلك معوّلا على الله وعلى نفسه ، وكما جاء في الخرافة ، تكاتف الجميع وتعاون ، توحّدت القوى وتمركزت فأصبح الضعف قوة ، والفقر غنى ، والكلّ يعمل من أجل مصلحة الكلّ ، عكس ما يجري ويُشاهد اليوم ، إذ لا نرى طوال سبع سنيين ، في تونس وغيرها من بلدان المنطقة ، غير الباحثين عن التأخر ومزيد الجمود ، ولو كان الثمن دماء أبناء تلك البلدان ، من الأبرياء والمساكين. فلنعد إلى الخرافة إذن عسانا نجد التفسير والسبب, تقول الخرافة:
كان شعب ذلك البلد ، يكدّ ويجد ، يحرث ويزرع ، كي يأكل ويشبع ، فكثرت لديه الحبوب والثمار، فاحتاجت إليه الدول الكبار، إذ كل ما ينتجه محبوب ، من كل من يذوقه مطلوب ، فزاد حبّ المواطن أرضَه ، وجعل خدمتها من فرضه. تكتّل إذن وكد، وحرث واجتهد ، فنشطت الاتحادات ، عمّالها استعادوا بعض ما فات ، من حقوق وعلاوات ، ازدهرت التجارة وأنشئت صناعات ، وتطورت الفلاحة بحديث الآلات ، إلى أن تحققت الآمال، وجاء الاستقلال...
يفرض الصّدق والأمانة ، التوقف عند إشارة الخرافة إلى الاتحادات ، وإلى خدمة الأرض ، لأن ذلك يذكرني بحقيقة منسية من الجميع ، أو تناساها هذا وذاك ، وإلا فأنا جاهل وأعمى. فسبع سنوات مضت ، على ما سمّي ثورة – لحاجة في نفس يعقوب ولا شك – لأنها لم تكن قط ثورة ، وسمّي ربيعا وهو خريف ثقيل ، برطوبة وعرق أجوائه ، برياحه وغيومه ، وها هو الشتاء قد حلّ ، والربيع يبقى في التمنّي والأمل. طيلة كلّ هذه السنوات سمعنا كل الأصوات ، وكثر الكلام عن كل القطاعات ، إلا قطاع الزراعة الذي ، حسب جهلي ، لا تزال ، وما زالت ، قوام الاقتصاد في البلاد. أم هي تونس اصبحت صناعية وأنا لا أدري ؟ حتى وإن صارت صناعية ، أقول كأني عارف خبير، فهي كغيرها ، لا غنى لها عن الزراعة وفلاحة الأرض ، وإلا مدّت يدها طالبة غذاءها. لست أدري هل مواطنيَّ المحظوظين بالعيش تحت سماء تونسية ، يرون صورتها الحالية ، كما نراها ونسمع عنها في الخارج. صورة جعلت كلّ من عرفها وأحبها يسأل ويتساءل " ما الذي حدث لتونس ؟ ما لها تونس تغيّرت ؟ إنّ صورة تونس الأكثر بروزا ووضوحا حاليا ، هي صورة السائل المستجدي ، يده ممدودة للقاصي والداني - والثاني أضرّ من الأول - ممدودة تنتظر الهبة والعطاء. لكن لندع هذا فهو نغمة أخرى ، ولنعد للزراعة والفلاحة ونسأل: لماذا تحرّكت ونشطت الاتحادات الأخرى واتحاد المزارعين نائم أو أخذته غفلة ؟ كان الاتحاد العام للفلاحة التونسية ثالث ثلاثة ، كانوا قوام الاقتصاد وركيزة المقاومة. لكن أرادت بعض الأغراض ، بناء على ادعاءات غير واقعية وحتى ملفّقة ، حلّ الاتحاد الفلاحي ، فصدرت الأوامر بحلّه فنفذت ، وأُتلفت وثائقه وسجلاته ، وأوتي باتحاد جديد هو المتواجد اليوم وكأنه لم يكن. لأنّ الفرع غير الأصل ، وأنّ المصطنع غير الطبيعي التلقائي ، وأنّ كلّ ما هو في خدمة الشعوب لابدّ لنجاحه من انبثاقه من صميم تلك الشعوب ، ينبت من أسفل ، وينمو فيصعد طالبا العلى ، والعكس هدر ومضيعة الجهد والوقت.
إنّ تونس ، إلى تاريخ الناس هذا ، لا تزال بلدا زراعيا ، ونأمل أنه بقي ويبقى محافظا مهتما معتنيا بهذا القطاع ، ولو دخل صفوف الدول الصناعية. لأن الزراعة أساس الحياة ، ومهما بلغ المرء من التطور والرفاه ، يبقى دائما يحتاج إلى الطعام والغذاء ، والأفضل والأيسر والأضمن ، أن يكون غذاؤه من إنتاجه وثمرة أرضه ، لأنه كما تقول الحكم : ما حكّ جلدك مثل ظفرك ، والمدّثر بما ليس له عارٍ فاقد الغطاء ، وكلّ نفس بما كسبت رهينة.
إن هذه لعمري آراء تلقائية بسيطة ، تدور في ذهن وخلد كلّ إنسان ، يعرفها الكبير والصغير. لكن ما يقلق ويثير التساؤل هو لماذا صمت صوت الفلاحين ؟ لماذا يسمع الكلام عن كلّ شيء إلا عمّا له صلة بالزراعة والفلاحة ، وخدمة الأرض والعناية بالمنتوج الغذائي ؟ لماذا غضّ الطرف هذا ؟ هل هو إهمال وعدم تقدير القطاع حق قدره ؟ أم في نفس يعقوب غاية ؟ من ، والمسرح العام العمومي التونسي كما نشاهده اليوم ، يزخر" بالعارفين " ، يستطيع إنارتنا وإرضاء حب اطلاعنا وتطفلنا ؟ لأنّ من يجرأ ويتشجع ويغامر مثل ما فعلنا ، فيبحر في أعماق الإحصائيات ، سيصاب بصدمة يخاف منها على قلبه. إنّ أوّل ما صادفني ، وأنا اسأل الإحصائيات " الرّسميّة " هو أنّ الواردات من الحبوب مثلا ، الحبوب التي كانت البلاد تغذي بها الآخرين ، تضاعفت سنة 2015 بنسبة 32% بينما الإنتاج انخفض بنسبة 30% ، وتوريد المواد الغذائية بلغت نسبة العجز فيه 9% فتعجّبت بل ذهلت ، حتى أنّني لم أنتبه ولا لتاريخ هذا العجز. فقد عدلت عن متابعة البحث والتنقيب ، خوفا على قلبي المعرّض منذ سنوات لأخطار الجلطة ، لأني تيقنت أن ما ستكشفه لي الأرقام لا تطمئن له نفس ولا يرتاح له بال. تذكرت وأنا حائر ذاهل ، ما قاله لي الدكتور تُقدمير، طبيب ليبي من أصل تركي ، متحدثا عن الأمراض البشرية والطبيعية وغيرها فسألني: ما هو الأنسب عمله والمبادرة به ، إن كان المطر يهطل غزيرا ، فتسرّب الماء من فُتحة في السقف ، تنشيف الماء على الأرض أو إصلاح السقف ؟ أليس الإسراع بإصلاح السقف أنسب ؟ أي العناية والاهتمام بالأصل والمنبت ، هو الحل المتعقل الوجيه ، الذي يضمن دوام السلامة ودرء الخطر حاضرا ومستقبلا ؟
هذا – حسب رأيي - هوالحلّ في ما يتعلّق بالزراعة والمنتوج الفلاحي, لكن ، قيل لي والتبعية على القائل ، أن الميدان غزته قوى لا علاقة لها بخدمة الأرض ، ولا تفهم متطلبات الزراعة ، التي لها خاصياتها وأتعابها ، فهي حقا مضنية، لا يعرف صاحبها الفتور ولا راحة. عرفت هذه الحقيقة ، وأنا في العشرينات من عمري ، من مزارعين شهيرين ، أولهما تونسي عمر الباجي من الكاف ، والثاني إيطالي فرنتشسكو ولقبه بارتروني على ما أظن ، وضيعته في منطقة غرنبالية. رأيت عمر، رغم شهاداته الجامعية ، يخرج إلى " الهنشير" على الخامسة صباحا ، ولا يعود إلا مع غروب الشمس. وكانت مدرسة الفلاحة ترسل له طلبة للتكوين والتمرّن على العين ، فكان بعضهم يسقط من التعب فيخاف عمر، ويُشهد من حوله أنه لم يطلب منهم ما هو ليس فاعله مثلهم. أما الإيطالي ، وكان مهندسا زراعيا متخرجا من كلية باليرمو ، فكان قد حفر ثُقبا في الجدار قرب فراشه ، أدخل فيه عودا خشبيا ، وكان يصحو مرات في ليالي سقوط الجليد ، فيسحب العود ويلمسه متفقدا رطوبته . فإذا وجده مبلّلا ، نهض مسرعا ، ونادى العمال ليشعلوا النيران ويكثروا الدخان ، حماية للمغروسات من الجليد المميت. هذا بعض ما بقي بالذاكرة أيام كنّا ، ولا تسل كيف كنّا كي لا يأتيك الجواب الصارخ ، جواب نأبى الإفصاح عنه ، كي لا نردّد قول الإمام علي رضي الله عنه : رُبَّ يومٍ بكيتُ منهُ فلما صرتُ في غيره بكيتُ عليه.
لقد حان الوقت أن يتقدّم القادرون المخلصون العارفون لإنقاذ تونس من التيارات الدخيلة ، والمؤامرات الرذيلة ، والتناحر المميت ، والشروع حالا في تنفيذ ما لا يحتاج طويل البرمجة والتخطيط ، حتى يسترجع الشعب ثقته في نفسه وفي مسؤوليه ، وليبدأ الأكفاء حالا في وضع ما يرتأونه صالحا من مخططات ، لبعث القطاعات المنتجة ، وأول وقبل كلّ شيء أن ينظر إلى المشاكل والحاجيات ، وما تتطلبه من حلول ، بعين تونسية محلية ، ويعول أولا وقبل كل شيء على الذات والإمكانات الوطنية ، فتشرع الآلة في الحركة ، فيأتي بعدها الثقيل الكبير، الذي قد يحتاج إلى الاستعانة بالكفاءات العلمية والمادية الخارجية. ولنتذكر دائما أن الأقربين أولى بالمعروف وأن " المتغطي بمتاع الناس عريان".
مدريد 18 – 2 – 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.