نقص المخزون الإستراتيجي من الدم والمركز الوطني يحث المواطنين على التبرع    وفيات كورونا حول العالم تتخطى 95 ألفا    وزارة الثقافة توضح بخصوص استئناف تصوير الأعمال التلفزية الرمضانية    الجامعة تعلن تمديد عقود اللاعبين إلى أجل أقصاه 30 نوفمبر.. وتقرر تأجيل الميركاتو الصيفي    عبد اللطيف المكي يعلن اكتشاف التسلسل الجيني لفيروس كورونا    سوسة: تفاصيل واقعة "البراكاج" ومنفذه الأمني الرئاسي    نحو تمكين لاعبي كرة القدم بكمامات صحية لخوض المباريات في تونس    جدل بشأن السماح لشركات الإنتاج باستئناف إنجاز المسلسلات الرمضانية    وفيات كورونا تتخطى 15 ألفا في الولايات المتحدة    الأمن يتدخل لإيقاف الحفل الفني في بلدية دار شعبان الفهري    اتحاد الناشرين العرب يدعو الحكام العرب لمساعدة أهل القطاع على مجابهة تداعيات كورونا    بعد "اقعد في الدار" للبنى نعمان وبدر المدريدي.. الفرقة الوطنية للموسيقى تطلق "تونس تتنفس موسيقى"    معهد الرصد الجوي: اليوم الأول من رمضان يوم 24 أفريل    المكتب التنفيذي لحركة النهضة يؤكد تضامنه مع "الشخصيات الوطنية الواقعة تحت طائلة التهديد الإرهابي"    ائتلاف الكرامة يجدّد مطالبته لفرنسا بالاعتذار على “جرائمها الوحشية” في تونس    تعرّض أرصدة عدد من مستعملي البطاقات البريدية إلى عملية تحيّل الكتروني    وقف اطلاق النار في اليمن يؤكد حرص المملكة على حماية الاشقاء الابرياء ومزيد دعم العمل الاغاثي    بعد تسجيل 15 اصابة جديدة.. الصباح نيوز تنشر خريطة الوضع الوبائي    عثر على كنز داخل ضيعة فلم يكتفي به واصطحب عصابة تنقيب لاستخراج المزيد لكن.....    نيرمين صفر تتراجع عن قضيتها ضد مهددها بالقتل اثر ظهور والدته باكية    يوميات مواطن حر: البراءة تغذيها الاحلام البريئة    كورونا.. أمريكا تتخطى 15 ألف وفاة    بالفيديو: حمادي بن جاب الله: الزموا مواطنكم..اليوم أئمتنا أطباؤنا    صفاقس: أفلس محله التجاري وتورط في الديون فحاول قتل زوجته    حسن بن عثمان: لعنة الله على اوباش حرية التعبير    البنك العالمي: "الحكومة التونسية تواجه وضعا اقتصاديا هشا جراء انتشار وباء كورونا"    صلاح الدين المستاوي يكتب لكم: الغلاة والمتشددون ''لقوا مدينة فارغة قاموا فيها الاذان''    صالح البكاري يكتب لكم: العلماء والإصلاح الديني    أبو ذاكر الصفايحي يؤيد ويؤكد: لشيخنا السلامي كل التأييد في ضرورة اعتماد الأغاني والأناشيد    النفيضة.. إنقلاب شاحنة ثقيلة محملة بالزيت النباتي    احتمال تقليص الدول المستضيفة لمباريات الأمم الأوروبية 2021    نيجيريا تعفو عن سجناء فى إطار مكافحة انتشار كورونا    جدل حول استئناف تصوير المسلسلات الرمضانية    بنزرت: منع جولان وسائل النقل الخاصة بتينجة ومنزل بورقيبة في عطلة نهاية الأسبوع    مانشستر يونايتد يساهم في جهود محاربة فيروس كورونا    توزر: تفكيك عصابة سرقة فسائل النخيل    سيدي حسين.. الاحتفاظ بعطاربسبب احتكار السميد    الوسائد تتحول إلى فساتين أنيقة في تحدي الحجر الصحي عبر "إنستغرام"    ظروف كارثية للاعبي الافريقي في الحجر الصحي واليونسي اختفى    تاجيل صرف المساعدات الاجتماعية الى يوم الاثنين    4 مواقف تمنح بايرن ميونخ لقب "قاهر فيروس كورونا"    مركز دراسة الإسلام والديمقراطية يوزع مساعدات على الطلبة الفلسطينيين    فوبيا كورونا.. الأذان يصدح لأول مرة بكولونيا الألمانية    رأي/ كورونا كوفيد-19 : أي تأثيرات جيوستراتيجية على الإقتصاد العالمي ؟    غازي الشواشي يدعو لتحويل أزمة كورونا الى انطلاقة جديدة    مداهمة مستودعات اكبر مهرب في الجنوب وحجز كميات كبرى من المواد الغذائية    دعوة عاجلة إلى السلطات العمومية لضمان استمرار النفاذ إلى خدمات الصحة الجنسيّة والإنجابيّة    مورينيو يعترف بخرقه قوانين العزل التام مع لاعبيه    المظيلة.. احداث تنسقية محلية ظرفية لجمع الاعانات    سلامة أسامة الملّولي من فيروس كورونا    صحيفة إسبانية: نصائح النبي محمد لمواجهة كورونا مذهلة    بنزرت: احياء ذكرى عيد الشهداء وسط إجراءات خاصة بسبب فيروس « كورونا » المستجد    التونسي يستهلك الخبز في الحجر الصحي أكثر من رمضان    استهداف أكبر قاعدة أمريكية في أفغانستان ب5 صواريخ    جامعة الكرة تؤجل استخلاص ديون النوادي    أمير سعودي يرد على خبر إصابات بكورونا في العائلة الحاكمة    القناة الثانية: "شوفلي فن.." الخيار الذي تأخر!    طقس اليوم الخميس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : أين الحقيقة
نشر في الصريح يوم 08 - 07 - 2019

سبق لي القول كم مرّة ، أنّ ما يُقرأ ويُسمع بتكرار وبلا انقطاع ، ممّن جاؤوا بما لهم من زاد ، أو وُضِعوا بإشارة من عليٍّ قدير، أو نصَّبوا أنفسهم على مرتفعات الدّعاية والإشهار، التي نسمّيها خطأ وغرورا ، إعلاما ، وهم يبلغوننا بأنّ المجتمعات ، والإنسانية قاطبة ، حققت ما كانت تحلم به الجماهير في كلّ مكان وأوان ، وهو طريقة تنظيم وتعايش المجتمعات في سلم وأمان ، طبقا لمبادئ وسنن وقواعد ، يؤمن بها الجميع ، فيحترمها الجميع ، لأنها تضمن حقوق الجميع ، إذا قام الجميع بواجباته المفروضة أصلا من تلك المبادئ والسنن. قالوا وأضافوا بأنّ ما حُقِّق هو أفضل ما وصلت إليه الحضارة الحالية ويعنون طبعا ، كما فهمت القارئة وفهم القارئ ، يعنون الديمقراطية ، معتبرينها أحسن ما أُنْجِز وما يتمتع به الفرد من حقوق حيث طبِّقت هذه الديمقراطية المُثلى.
لا ينكر عاقل بأن الديمقراطية المعروفة حاليا ، هي خير ما وصلت إليه الشعوب والمجتمعات من نظم حكم وتسيير، وتنظيم لشؤونها وأمورها. لكن من ثَمَّ إلى اعتبارها كاملة وأمثولة ، هناك شوط بعيد عميق. أوّلا الكمال لله وحده ، وليس في ما يأتيه أو يفعله أو يضعه البشر كمال ، إذ لا مناص له من الخطئ والزلل والإنحراف. فهل حقّا يؤمن المنادون " بجمال وحسن " الديمقراطية بأنها كاملة مكتملة ، لا عيب فيها ولا خطأ ؟ وأنّ تطبيقها حيث "انتصبت " ، أو نصّبوها ، هو فعلا عادل ، نزيه ، محترم لما احتوته من مبادئ ، وقِيَم ، وسُنن ، وتراتيب ؟ أم أنّهم ، كما اعتادوا في كلّ ما يأتون ويفعلون ، يريدون غسل أدمغتنا ، فنعدل عن إعمال البصيرة فلا نرى الأمور على حقيقتها ، بما فيها من جيّد ورديئ ، وحسن وقبيح ، وعادل وظالم ، ومُحايد ومنحاز ، وغير ذلك ممّا يُفترض ويجب أن تضمنه الديمقراطية ، إذا هي طُبِّقت كما يجب أن تُطبَّق ، وسلم تطبيقها من سوس الأنانيّة ، وحبّ السيطرة ، والتلذّذ بالهيمنة ، واتباع المحسوبيّة ، وشراء الضمائر، وتهميش المساواة ، وما إلى ذلك ممّا ساد وانتشر، حتى أصبح غيابه وفقدانه شذوذا يلفت الانتباه والنظر، ويُعتبر لدى الكثيرين خروجا عن المعتاد.
لماذا التعامي إذن عن العيوب واعتبار كلّ لمّاع ذهبا ؟ ألجهل الصائحين بالمديح فغرّتهم الألفاظ والتعابير؟ مُستَبعد هذا الاحتمال كلّ البعد ، لأنّ أصحاب القول والكلمة العليا ، قد يوصفون بكلّ العيوب باستثناء الغباوة والجهل ، إلا إذا انتحلوه واستعملوه ذريعة . لماذا إذن لا يذكرون عيوب الديمقراطية – كما تطبّق هنا وهناك – ولا يذكرون سوى محاسنها وفضائلها ؟ لحاجة في نفس يعقوب. حاجة يحتاج شرحها وذكر مسبّباتها إلى وسائل من علوم عدّة أولها علم النفس وآخرها علم الاقتصاد مرورا بعلم توجيه الجماهير وإخضاعها تقنيّا وسلميّا ، طائعة مقتنعة. دعونا نخرج قليلا عن الطاعة العمياء ، ونعمل الفكر والعقل – ولو كان مغسولا مخدّرا – لنرى ، ولو لبرهة ، حقائق الأمور وواقعها بمثال بسيط. لو كان لمواطن ما ، متجرأو ضيعة أو أيّة نشاطات يسترزق منها ، وأراد القيام بفريضة الحجّ مثلا ، فلمن يوكل العناية بشؤونه وعائلته ؟ أليس لصديق يعرفه حق المعرفة ، يعرف مقدرته وإمكاناته ، ويثقه ويأتمنه على ماله وحريمه ؟ بَلا ! هكذا اعتاد الناس ولا يزالون ، وما زالوا يتصرّفون بهذا التعقّل ، بغية الاطمئنان على ما يوكل به ويُكلّف به الغير، حتى تُضمن سلامته وتسلم مردوداته. أليس هذا أساس التصرّف الواجب اتّباعه " ديمقراطيّا " عندما يتعلّق الأمر باختيار النواب الذين سيكلّفون بتسيير أمور وشؤون ومصالح الشعوب ؟ العقل والمنطق يجيبان بنعم ، هكذا يجب أن يكون . لكن لم يُتَّبع هذا الإجراء بأيّ شكل من الأشكال ، في أيّ بلد من البلدان ، كبيرها وصغيرها ، المتقدّم منها وغير المتقدّم ، ممّا يفرض على المرء المتابع سؤالا هو: لماذا ؟ لأنّ أصحاب القول والفصل يريدون المظهر لا اللبّ ، يريدون الأسماء لا مسمياتها. فلا الناخب يعرف النائب الذي يمثله ويتحدث باسمه ، ولا النائب يعرف ما يجب عليه معرفته عن منوّبيه ومنطقتهم واحتياجاتهم ، وإن عرف فمعرفته سطحية ، ولا اتصال ولا علاقة بين النواب ومنوّبيهم ، والحاكم يعيش في أبراجه العالية ، تصله أخبار الشعب عن قنوات إعلامه غير مضمونة الصدق والواقع على اصله ، إذ كثيرا ما تنمّق وتزخرف ، أو تضخّم أو تصغّر لحاجيات عدّة ، منها مماشاة رغبة الحاكم. الحاكم المنتخب العائش بعيدا منفصلا عن ناخبيه ، غير ملتحم بالذين أجلوسه على كرسيّ الحكم ، كي يلمس مشاكلهم ومعاناتهم ، وإن فعل ذلك ، فعن طريق الإذاعة بالصوت والصورة حيث يعرف المطلعون كيف تهيّأ وتنظم الأسئلة وأجوبتها.
هل يعني هذا أنّ ما عدّدنا من العيوب والنواقص يستعصي تغييرها أو إصلاحها ؟ طبعا لا! وهل يعني أنّ الذين عليهم محاولة ذلك يجهلون وجود تلك العيوب ؟ لا يجهلونها طبعا فهم أحرى وأجدر بمعرفتها. لماذا لا يحاولون الإصلاح إذن ؟ أكرّر جوابي عن ذلك فأقول: لحاجة في نفس يعقوب. أما الحلول فممكنة ، والوسائل كثيرة وما مفقودة إلا الإرادة. وهذه على ما يبدو تحول دونها الأحزاب وهيمنتها على الساحة السياسية مما جعل المواطنين يصوتون لحزب لا لشخص أو اشخاص ، فايّ تغيير يُفقد الأحزاب مكانتها وتسلطها. فهذا الرّأي أو هذا الاقتراح يحيلنا إذن على السلطة التشريعّة التي من واجبها ، والحالة هذه ، تغيير قانون الانتخابات حتى يتمكّن المواطنون من انتخاب والتصويت لأفراد لا لقوائم وأحزاب ، وما هذا الرّأي إلا نموذج على أن الإصلاح ممكن وجائز وضروريّ ، وأنّ اعتقاد الكمال في أيّ عمل بشري خطأ وضلال ، وأنّ التقدم العلمي التقني ذا السرعة المذهلة ، يجب أن يقابله تطوّر بشريّ ، تطوّر اجتماعي حتى يتمّ التوازن والاعتدال ، وهذا التطوّر رهين النضج الكامل والحرية الحقة يتمتّع بها المواطنون ، وخير ما على الساحة حاليا ، من أنظمة سياسيّة هو النظام الديمقراطي رغم عيوبه ، التي تفرض البحث عن إزالتها أو التخفيف من مضارها.
إذا تبصّرنا في كلّ هذا عرفنا أنّ المسؤوليات كثيرة والواجبات أكثر ، وعرفنا أنها غير منحصرة في شخص أو هيأة أو هيكل ما ، لأنها مسؤوليات وواجبات جماعية ، لكل مصلحة وإدارة وهيأة ومجلس وجمعية ، ولكل مجموعة وطنية أو تنظيم ، دور خاص به عليه إنجازه كي يتمكّن غيره من إنجاز ما عليه إذ الأعمال والمُنجَزات مترابطة متشابكة ، يتوقف إنجاز هذا على إتمام ذلك. لو تجسمت كلّ هذه الآراء وتنفيذها في صورة لرآها المتتبّع أشبه بسرب نمل متضامن متلاحم ، يجري كلّ واحد في اتجاهه بحمله وثقله ، بتناسق وتلاحم مع الآخر والنهاية ليست سوى حمل المؤونة إلى الغار لتحفظ قبل نزول المطار وهبوب العواصف.
مدريد في 24-6-2019.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.