خطية مالية ب10 آلاف دينار ضد إذاعة القرآن الكريم من أجل خرق الصمت الانتخابي    البنك المركزي: تطوّر المداخيل السياحية المتراكمة    الاتحاد الأوروبي يعاقب ليفربول ومانشستر سيتي    بعد دقائق على عقد قرانه... دهسته خطيبته السابقة بسيارتها!    غدا قرعة”كان” كرة اليد تونس 2020    انتحار عسكري شنقا    ايرادات الشركة العامة للمصافي تتراجع بنسبة 24 بالمائة في ظل توقعات بتحسن العائدات التصديرية خلال الربع الاخير من 2019    انتقاضة ''الواتس أب'' في لبنان.. هل تسقط حكومة الحريري؟    الاتحاد الأوروبي يوافق على اتفاق بشأن ''بريكست''    وسائل إعلام عبرية... الكيان الصهيوني يتأهب لمواجهة محتملة في الجولان المحتل    أثار جدلا واسعا/ اخراج إمام معزول من فضاء تابع لجامع الزيتونة بالقوّة العامّة.. وهذه التفاصيل    مشروع قانون الميزانية لسنة 2020 وتحديات تعبئة الموارد والمديونية    قطر تعلن عن شعار “الموندياليتو”    عصام المرداسي ل"الصباح نيوز": فتحي جبال الأفضل لتدريب السي أس أس..ومن العيب أن تغيب البطولة على صفاقس من 2013    الاتحاد الإسباني: تأجيل مباراة برشلونة وريال مدريد    هام/ وزارة التجارة تحدّد الأسعار القصور ل”الزقوقو”    الادارة الجهوية للتجارة بتونس تشرع في سلسلة حملاتها لمكافحة الاحتكار في قطاع التبغ    الطفل الذي يختلق قصصًا خيالية مفرط الذكاء ... لكن يجب الحذر    مدير المعهد الوطني للتراث ل"الصباح نيوز": لا "تزيين" ولا "اعتداءات" بالمدينة العتيقة او بمسرح الجم...    أيام قرطاج السينمائية تحفظ نصيب المساجين من الأفلام    النائبة سماح بوحوال توجّه رسالة لقيس سعيد    عدد جراحي اليد في تونس لا يتجاوز 50 جراحا    أبرز اهتمامات الصحف التونسية ليوم الجمعة 18 أكتوبر    قفصة.. القبض على 10 مفتش عنهم في جرائم حق عام    نابل .. إحالة طفلين على أنظار القضاء بتهمة سرقة مؤسسة تربية    استعدادات حثيثة لانطلاق الموسم الفلاحي وجني الزيتون    رسالة من ابنة مارتن لوثر كينغ إلى مؤسس فيسبوك    لبنان: الحريري يستقبل النابغة التونسي امير الفهري    وزارة الثقافة تدعو إلى صيانة حرمة المواقع والمعالم التاريخية وعدم تشويهها    انطلاق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الدولي لفيلم مكافحة الفساد    أيام قرطاج الموسيقية ..«أليف» عرض تونسي فلسطيني يأسر قلوب المتفرجين    كرة القدم : “مساع حثيثة من اجل برمجة مباراة ودية بين الجزائر وفرنسا”    نائب عن حركة النهضة: إعادة الانتخابات أقل كلفة من خمس سنوات عجاف    مرض فتّاك يشبه الانفلونزا يهدد بقتل 80 مليون شخص!    مسؤولو نادي العلمة يدعمون مجهودات الإفريقي لاستعادة النقاط الست    لاستكشاف السوق الكينية .. غدا بعثة أعمال تونسية في نيروبي    خطة للنهوض بالطاقات المتجددة من شبكة «تونيكري»    بعد قصة الأنفاق، العماري يثير حملة ساخرة بعد أن شبّه تونس بإيران والسودان وأعلن سقوطها تحت حكم الاخوان    فرنسا تحبط عملا إرهابيا استلهم مدبره خطته من هجمات 11 سبتمبر    فيديو: سامي الفهري يُوجّه رسالة لأعداء قناة الحوار التونسي    هكذا ردّ كاظم الساهر على شائعة وفاته بالسم    وزارة الداخليّة تكشف تفاصيل الاطاحة بكهلين قاما بسرقة هاتف جوّال داخل المترو    العمل من أفضل العبادات    نحتاج الى تطهير القلوب    في الحب والمال/هذه توقعات الابراج ليوم الجمعة 18 أكتوبر 2019    منزل بورقيبة.. القبض على محكوم ب28 سنة سجنا    شراكة جديدة بين اتصالات تونس و«بولينا القابضة»    7 نصائح تعمل علي حرق دهون البطن    التداوي الطبيعي : فوائد الزيوت الطبيعية    شان 2020 .. المنتخب التونسي يجري أول حصة تدريبية في الرباط    إشراقات .. مدرسة المعذّبين    بعد التهديد بتفجير قناة «الحوار» ..ردة فعل طبيعية أم نيّة سياسية خبيثة؟    سفارات أجنبية وعربية في بيروت تتخذ إجراءات على وقع الاحتجاجات بلبنان    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم وغدا..    حي ابن خلدون .. بائع الفواكه الجافّة حوّل محله إلى وكر لترويج المخدرات    جنبلاط: لا أياد خفية وراء الانتفاضة الشعبية    عز الدين سعيدان: تونس في حاجة إلى قروض اضافية لتحقيق التوازن في الميزانية    إنجاب الأطفال يطيل شبابية دماغ النساء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : أين الحقيقة
نشر في الصريح يوم 08 - 07 - 2019

سبق لي القول كم مرّة ، أنّ ما يُقرأ ويُسمع بتكرار وبلا انقطاع ، ممّن جاؤوا بما لهم من زاد ، أو وُضِعوا بإشارة من عليٍّ قدير، أو نصَّبوا أنفسهم على مرتفعات الدّعاية والإشهار، التي نسمّيها خطأ وغرورا ، إعلاما ، وهم يبلغوننا بأنّ المجتمعات ، والإنسانية قاطبة ، حققت ما كانت تحلم به الجماهير في كلّ مكان وأوان ، وهو طريقة تنظيم وتعايش المجتمعات في سلم وأمان ، طبقا لمبادئ وسنن وقواعد ، يؤمن بها الجميع ، فيحترمها الجميع ، لأنها تضمن حقوق الجميع ، إذا قام الجميع بواجباته المفروضة أصلا من تلك المبادئ والسنن. قالوا وأضافوا بأنّ ما حُقِّق هو أفضل ما وصلت إليه الحضارة الحالية ويعنون طبعا ، كما فهمت القارئة وفهم القارئ ، يعنون الديمقراطية ، معتبرينها أحسن ما أُنْجِز وما يتمتع به الفرد من حقوق حيث طبِّقت هذه الديمقراطية المُثلى.
لا ينكر عاقل بأن الديمقراطية المعروفة حاليا ، هي خير ما وصلت إليه الشعوب والمجتمعات من نظم حكم وتسيير، وتنظيم لشؤونها وأمورها. لكن من ثَمَّ إلى اعتبارها كاملة وأمثولة ، هناك شوط بعيد عميق. أوّلا الكمال لله وحده ، وليس في ما يأتيه أو يفعله أو يضعه البشر كمال ، إذ لا مناص له من الخطئ والزلل والإنحراف. فهل حقّا يؤمن المنادون " بجمال وحسن " الديمقراطية بأنها كاملة مكتملة ، لا عيب فيها ولا خطأ ؟ وأنّ تطبيقها حيث "انتصبت " ، أو نصّبوها ، هو فعلا عادل ، نزيه ، محترم لما احتوته من مبادئ ، وقِيَم ، وسُنن ، وتراتيب ؟ أم أنّهم ، كما اعتادوا في كلّ ما يأتون ويفعلون ، يريدون غسل أدمغتنا ، فنعدل عن إعمال البصيرة فلا نرى الأمور على حقيقتها ، بما فيها من جيّد ورديئ ، وحسن وقبيح ، وعادل وظالم ، ومُحايد ومنحاز ، وغير ذلك ممّا يُفترض ويجب أن تضمنه الديمقراطية ، إذا هي طُبِّقت كما يجب أن تُطبَّق ، وسلم تطبيقها من سوس الأنانيّة ، وحبّ السيطرة ، والتلذّذ بالهيمنة ، واتباع المحسوبيّة ، وشراء الضمائر، وتهميش المساواة ، وما إلى ذلك ممّا ساد وانتشر، حتى أصبح غيابه وفقدانه شذوذا يلفت الانتباه والنظر، ويُعتبر لدى الكثيرين خروجا عن المعتاد.
لماذا التعامي إذن عن العيوب واعتبار كلّ لمّاع ذهبا ؟ ألجهل الصائحين بالمديح فغرّتهم الألفاظ والتعابير؟ مُستَبعد هذا الاحتمال كلّ البعد ، لأنّ أصحاب القول والكلمة العليا ، قد يوصفون بكلّ العيوب باستثناء الغباوة والجهل ، إلا إذا انتحلوه واستعملوه ذريعة . لماذا إذن لا يذكرون عيوب الديمقراطية – كما تطبّق هنا وهناك – ولا يذكرون سوى محاسنها وفضائلها ؟ لحاجة في نفس يعقوب. حاجة يحتاج شرحها وذكر مسبّباتها إلى وسائل من علوم عدّة أولها علم النفس وآخرها علم الاقتصاد مرورا بعلم توجيه الجماهير وإخضاعها تقنيّا وسلميّا ، طائعة مقتنعة. دعونا نخرج قليلا عن الطاعة العمياء ، ونعمل الفكر والعقل – ولو كان مغسولا مخدّرا – لنرى ، ولو لبرهة ، حقائق الأمور وواقعها بمثال بسيط. لو كان لمواطن ما ، متجرأو ضيعة أو أيّة نشاطات يسترزق منها ، وأراد القيام بفريضة الحجّ مثلا ، فلمن يوكل العناية بشؤونه وعائلته ؟ أليس لصديق يعرفه حق المعرفة ، يعرف مقدرته وإمكاناته ، ويثقه ويأتمنه على ماله وحريمه ؟ بَلا ! هكذا اعتاد الناس ولا يزالون ، وما زالوا يتصرّفون بهذا التعقّل ، بغية الاطمئنان على ما يوكل به ويُكلّف به الغير، حتى تُضمن سلامته وتسلم مردوداته. أليس هذا أساس التصرّف الواجب اتّباعه " ديمقراطيّا " عندما يتعلّق الأمر باختيار النواب الذين سيكلّفون بتسيير أمور وشؤون ومصالح الشعوب ؟ العقل والمنطق يجيبان بنعم ، هكذا يجب أن يكون . لكن لم يُتَّبع هذا الإجراء بأيّ شكل من الأشكال ، في أيّ بلد من البلدان ، كبيرها وصغيرها ، المتقدّم منها وغير المتقدّم ، ممّا يفرض على المرء المتابع سؤالا هو: لماذا ؟ لأنّ أصحاب القول والفصل يريدون المظهر لا اللبّ ، يريدون الأسماء لا مسمياتها. فلا الناخب يعرف النائب الذي يمثله ويتحدث باسمه ، ولا النائب يعرف ما يجب عليه معرفته عن منوّبيه ومنطقتهم واحتياجاتهم ، وإن عرف فمعرفته سطحية ، ولا اتصال ولا علاقة بين النواب ومنوّبيهم ، والحاكم يعيش في أبراجه العالية ، تصله أخبار الشعب عن قنوات إعلامه غير مضمونة الصدق والواقع على اصله ، إذ كثيرا ما تنمّق وتزخرف ، أو تضخّم أو تصغّر لحاجيات عدّة ، منها مماشاة رغبة الحاكم. الحاكم المنتخب العائش بعيدا منفصلا عن ناخبيه ، غير ملتحم بالذين أجلوسه على كرسيّ الحكم ، كي يلمس مشاكلهم ومعاناتهم ، وإن فعل ذلك ، فعن طريق الإذاعة بالصوت والصورة حيث يعرف المطلعون كيف تهيّأ وتنظم الأسئلة وأجوبتها.
هل يعني هذا أنّ ما عدّدنا من العيوب والنواقص يستعصي تغييرها أو إصلاحها ؟ طبعا لا! وهل يعني أنّ الذين عليهم محاولة ذلك يجهلون وجود تلك العيوب ؟ لا يجهلونها طبعا فهم أحرى وأجدر بمعرفتها. لماذا لا يحاولون الإصلاح إذن ؟ أكرّر جوابي عن ذلك فأقول: لحاجة في نفس يعقوب. أما الحلول فممكنة ، والوسائل كثيرة وما مفقودة إلا الإرادة. وهذه على ما يبدو تحول دونها الأحزاب وهيمنتها على الساحة السياسية مما جعل المواطنين يصوتون لحزب لا لشخص أو اشخاص ، فايّ تغيير يُفقد الأحزاب مكانتها وتسلطها. فهذا الرّأي أو هذا الاقتراح يحيلنا إذن على السلطة التشريعّة التي من واجبها ، والحالة هذه ، تغيير قانون الانتخابات حتى يتمكّن المواطنون من انتخاب والتصويت لأفراد لا لقوائم وأحزاب ، وما هذا الرّأي إلا نموذج على أن الإصلاح ممكن وجائز وضروريّ ، وأنّ اعتقاد الكمال في أيّ عمل بشري خطأ وضلال ، وأنّ التقدم العلمي التقني ذا السرعة المذهلة ، يجب أن يقابله تطوّر بشريّ ، تطوّر اجتماعي حتى يتمّ التوازن والاعتدال ، وهذا التطوّر رهين النضج الكامل والحرية الحقة يتمتّع بها المواطنون ، وخير ما على الساحة حاليا ، من أنظمة سياسيّة هو النظام الديمقراطي رغم عيوبه ، التي تفرض البحث عن إزالتها أو التخفيف من مضارها.
إذا تبصّرنا في كلّ هذا عرفنا أنّ المسؤوليات كثيرة والواجبات أكثر ، وعرفنا أنها غير منحصرة في شخص أو هيأة أو هيكل ما ، لأنها مسؤوليات وواجبات جماعية ، لكل مصلحة وإدارة وهيأة ومجلس وجمعية ، ولكل مجموعة وطنية أو تنظيم ، دور خاص به عليه إنجازه كي يتمكّن غيره من إنجاز ما عليه إذ الأعمال والمُنجَزات مترابطة متشابكة ، يتوقف إنجاز هذا على إتمام ذلك. لو تجسمت كلّ هذه الآراء وتنفيذها في صورة لرآها المتتبّع أشبه بسرب نمل متضامن متلاحم ، يجري كلّ واحد في اتجاهه بحمله وثقله ، بتناسق وتلاحم مع الآخر والنهاية ليست سوى حمل المؤونة إلى الغار لتحفظ قبل نزول المطار وهبوب العواصف.
مدريد في 24-6-2019.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.