كانت أمي رحمها الله تعالى في أرضه وفي سماه تقول اذا لاحظت ميل الناس الى شيء جديد وتركهم وتخليهم عن شيء قديم راح زمانه وذهب ورحل وانقضى وتاه (طاح الجديد على القديم رماه) وانني لا أجد أفضل من هذا القول لأقوله بعد ما راى العالم كله انقضاء ورحيل زمن الجرائد الورقية الواحدة تلو الاخرى والكبرى منها قبل الصغرى، وهذا حكم الزمان الذي لا راد لحكمه وأمره مهما حاول ومهما تعب ومهما اجتهد الانسان... فالعصر اليوم لم يعد عصر الورق والحبر والقلم ولا هم يحزنون وانما اصبح عصر الشاشة وعصر الاتصال عبر القنوات الفضائية وعصر انتشار الخبر السريع وعصر مقالات وجرائد ومواقع الالكترون فكيف تستطيع الجرائد الورقية التقليدية البطيئة ذات المشية الحلزونية أن تواكب هذا النسق السريع من الكتابات ومن الاتصالات التي توصل للقابع في بيته والجالس على كرسيه والمتمدد على فراشه والمتغطي بغطائه كما مهولا من المقالات ومن الأخبار ومن المعلومات بمجرد ان يمرر اصبعه على شاشة صغيرة لا يتجاوز طولها وعرضها بعض السنتمترات ؟... فهل يعقل ان يكون الانسان محتاجا بعد هذا الإختراع العلمي العجيب الى شراء جريدة ورقية صامتة جامدة تتجاوزها في كل ساعة بل في كل دقيقة بل في كل لحظة الأحداث المتلاحقة المتسارعة لتجعلها في نهاية كل يوم اثرا من الاثار البالية في خضم امواج احداث الحياة المتحركة الجارية.؟..من أجل كل هذه الأسباب وغيرها عجزت الجرائد الورقية على مواكبة تطور الحياة البشرية وإنني أجزم أن كل ما له صلة بعالم الاوراق والحبر والاقلام سياتي عليه لا محالة يوم ايضا ويصبح احببنا ام كرهنا نسيا منسيا محفوظا في ارشيف وفي متاحف الزمان وقد ياكله التلف وقد يغمره الاهمال ويدفنه النسيان بل قد يصبح اضحوكة وطرفة ونادرة من طرف ومن نوادر تاريخ الانسان ولا شك عندي انه سيأتي على البشرية زمان يضحك فيه اللاحقون من السابقين ويتعجبون لامرهم كيف عاشوا وكيف تعاملوا وكيف وجدوا متعة ولذة ونشوة في قراءة اوراق ميتة جامدة ليس فيها حركة ولا نبض ولا اصوات ولا وموسيقى ولا ألحان؟ وانني اشهد الله رب العالمين انني كثيرا ما أصبحت أعجب لأمري في السنوات السابقة كيف كنت اقضي الساعات والساعات وانا اكتب المقالات تلو المقالات على القراطيس والأوراق ثم ارسلها بالبريد في تعب وفي جهد جهيد وكيف كنت اقتني الجرائد الورقية من الأكشاك واملأ بها غرفتي وبيتي وخزانتي حتى تكاثرت وتكدست علي من فوقي ومن تحتي وعن يميني وشمالي وحتى اصبح وجودي معها ووجودها مصدر ضيق ومبعث حرج لا يتحمل ولا يطاق وكيف كنت احملها اسبوعيا تقريبا الى الحماصين حتى يقبلوها مني ويريحوني من حملها ومن اكداسها في اقرب وفي اسرع حين فهل هذا أفضل أم كتابة وقراءة المقالات الكثيرة في وقت قصير من جهاز صغير لا يتطلب حفظه وحمله تعبا ولا جهدا كثيرا نعم هذا ما جعل الجرائد الورقية تسقط امام الجرائد الالكترونية الواحدة تلو الأخرى بالضربة القاضية او برمي المنديل وهذا امر لا يحتاج المرء في اثباته الى برهان ولا الى دليل فهل بقي لجيل القرطاس والورق والحبر والقلم الا ان يعترفوا بالهزيمة والا ان يتحملوا ما اصابهم وما سيصيبهم في الحنين الى ماضيهم من الحسرة ومن الألم؟ وهل بقي لهم الا ان يترحموا على زمانهم الذي ولى وذهب وراح الى الأبد والا ان يرددوا بشيء من العطف والحسرة والحنين تلك الأغنية الجميلة التي تواسي كل متحسر وكل متالم وكل متوجع وكل مفارق وكل مودع (الي تعدى وفات زعمة يرجع والا نموت بعلتي نتوجع) اما ان كان هؤلاء المتحسرون وهؤلاء المتالمون من الأدباء فليرددوا في شيء من النحيب ومن البكاء قول الأعشى الذي راجع نفسه فتكلم وسال كما سمعناه ذلك وكما حفظناه عن الأول(ودع هريرة ان الركب مرتحل وهل تطيق وداعا ايها الرجل)؟ فوداعا ايتها القراطيس والأوراق والأقلام بعد ان ملات مشكورة حيزا طويلا من عمر الزمان ورحمك الله رحمة واسعة ورزق اهلك وذويك جميل الصبر والسلوان…