كأنه الأمس البعيد يتمثّل أمامي. وكأني ذلك الطفل الصغير الذي أودعه والده عند مدير المدرسة الابتدائية بنعسان.. المرحوم سيدي حمادي هميلة في عملية هي أشبه ما تكون بالسنة التحضيرية. أخذتني الرهبة اليوم وأنا أتناول القلم والورقة لأخط ذكرياتي مع اليوم الأول في المدرسة. فلقد كانت للعودة هيبتها ولليوم الأول رهبته.. وشعرت في داخلي بفيض من الأحاسيس هي بين شوق وحنين لأيام بسيطة كان فيها كل شيء بسيطا.. أحاسيس تستقر كما الغصّة في الحلق على أتراب تفرّقوا وعلى تفاصيل ضاعت في زحمة السنين وعلى معلمين ومديرين أحببناهم رغم بعض الشدّة ورغم مذاق جلدات العصا التي لم يكن ينجو منها أحد. مازلت أذكر تفاصيل التحضيرات لليوم الأول. ومازلت أذكر فرحي الطفولي بأول محفظة يشتريها لي الوالد رحمه الله.. ومازلت أذكر كل الأدوات وكم كنت أنثرها وأعيد ترتيبها داخل المحفظة. مازلت أذكر كيف كان يسارع أخي الأكبر إلى نجدتي حتى أتعوّد على كيفية رفع ذلك الزر اللعين وفتح المحفظة.. وعبثا حاول. أول ما دخلنا القسم وطلب منّا معلمنا (1960) وقتها يدعى سيدي عبد الكريم أخذ اللوحة والطباشير انقضضت على ذلك الزر اللعين ومن رهبتي نسيت طريقة سحبه.. ومضت دقائق وأنا «أتصارع» معه وقلبي يكاد يقع من الخوف إلى أن تفطن لي سيدي عبد الكريم وساعدني على فتحها وقد ارتسمت على محياه ابتسامة مازالت ماثلة في مخيلتي.. لم تقف معاناتي في ذلك اليوم المشهود مع المحفظة.. بل تواصلت مع الريشة حين طلب منّا المعلم أن ننسخ حروفا على كراس القسم. أخذت الريشة بالمقلوب. نقعتها في الحبر وكتبت حروفا ليست كالحروف.. علّق عليها سيدي عبد الكريم وهو يعيد لنا الكراسات من الغد بسؤال مازال يرن في أذني «ياخي تكتب أنت والا تحرث»... للّه درّها تلك الأيام... كم كانت بسيطة.. وكم كان حرث ذلك الزمن جميلا.. فهو حرث يتبعه حصاد وفير.