محتجون يغلقون الطريق السريعة صفاقس قابس من أجل قوارير الغاز    لاعبة ترفض الوقوف دقيقة صمت على رحيل مارادونا! (صور)    عاجل: 41 حالة وفاة و 518 إصابة جديدة بفيروس كورونا في تونس    الجزائر: تبّون يغادر المستشفى بألمانيا    المشيشي يلتقي رئيسة اتحاد قضاة محكمة المحاسبات ( فيديو)    البنك المركزي يبقي على نسبة الفائدة المديرية دون تغيير    التاس ( TAS ) يرفض مطلب الهلال الرياضي الشابي    صفاقس: تواصل نقص قوارير الغاز المنزلي ومساعي من أجل تمكين الجهة من كميات إضافية    بعد آخر ظهور له في شهر ماي الماضي للإعلان عن عيد الفطر، عثمان بطيخ يظهر من جديد ويستقبل سفير سلطنة عمان    اتحاد الأطباء العامين للصحة العمومية ينفّذ إضرابا بأربعة أيام    صور.. من هو الرجل الذي أثار الجدل بملابس النساء ؟    الفيلم التّونسي "طلامس" للمخرج علاء الدّين سليم يفوز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان الفيلم العربي بزوريخ    تونس تفوز بجائزتين في المسابقة العالمية لجودة زيت الزيتون البكر الممتاز    بنك الجينات يستعيد أكثر من 1700 عينة أعلاف من استراليا.. وتواصل معظلة العينات المنهوبة    اليكم سعراللتر من زيت الزيتون هذا الموسم    أربعينية نعمة تأجلت...    ''المزّة بنت الأقرع'' ..أول رد لأحمد بدير على التنمّر    لمدة أسبوع.. أعوان "الستاغ" يواصلون إضرابهم.. والخدمات معطلة    منظمة البوصلة: البرلمان مازال يعاني من ضعف الأداء على المستويين التشريعي والرقابي    الترجي الرياضي: تمزق عضلي لليعقوبي.. راحة بأسبوعين للدربالي وبالصغير.. واجتماع لحسم القائمة الإفريقية    الترجي الرياضي: راحة بأسبوعين للدربالي واليعقوبي وبالصغير    لأول مرة في تونس انطلاق حملة وطنية لتلقيح الأطفال دون سن الدخول الى المدرسة ضد التهاب الكبد الفيروسي صنف « أ »    سيدي بوزيد: وقفة احتجاجية لمهندسي المؤسسات والمنشات العمومية    تفاصيل جديدة حول اغتيال عالم الطاقة النووية الإيراني..رشاش جرى التحكم به عن بعد أطلق الرصاص من مسافة 150 مترا    النجم الساحلي – 31 لاعبا في القائمة الافريقية    أشد فتكا من كورونا..تحذير من مرض قاتل    بنزرت: وفاة شيخ دهسا بشاحنة في مدخل الميناء التجاري    منزل جميل .. ضبط شخص بصدد خلع محل مسكون    ليبيا.. عقد الجولة الرابعة لملتقى الحوار السياسي الثلاثاء    اكتشاف نوع غريب وجديد من التفاح    مذكرات نادية لطفي تكشف.. سعاد حسني لم تنتحر وهذه حقيقة زواجها من عبد الحليم    أريانة : انتهاء أشغال طريق سكرة المرتبط بمحول المطار خلال السداسي الاول من سنة 2021    نهضة بركان يرفض خوض السوبر الإفريقي في مصر    إضراب عام في معتمدية السند    اتحاد الشغل وقرطاج ضد التنسيقيات و النعرات الجهوية ؟    شاب جزائري في مغامرة فريدة.. 1774 كيلو مترا على ظهر حمار    بين العوينة والبحيرة ..تفكيك شبكة لترويج المخدرات بالمؤسسات التربوية    سيدي بوزيد: وفاة شاب أضرم النار في جسده أمام مركز الأمن    حفوز: حادث انقلاب شاحنة يخلف 5 جرحى    القبض على مروع المواطنين بالمدينة العتيقة ..    عاجل: وفاة طفل ال3 سنوات بالحمامات    ميزانيّة الدولة 2021.. البرلمان يشرع في مناقشة ميزانيّة مهمّة وزارة الداخليّة    "ما يقع إلا الشاطر".. محمد رمضان يسقط أرضاً على المسرح    الكاتب المسرحي عزالدين المدني ل«الشروق» «عزيزة عثمانة» هديّتي لعزيزة بولبيار    اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ...73 عاما على «تقسيم » نال من فلسطين و مكّن الصهاينة    هل فعلاً قتل ملتقط السيلفي مع جثة الأسطورة مارادونا؟    من الأعماق.. .«بلادي لستُ أعرفُها»!    جديد الكوفيد...الرسامة أميمة الخزار ل«الشروق»...الألوان تقهر كورونا    عليكم بمعجون الأسنان    لأول مرة في البيت الأبيض.. فريق اتصال نسائي بالكامل    طبيب مارادونا يتحدث.. ويكشف كواليس الساعات الأخيرة    بدء أول عملية شحن كبيرة للقاح كورونا    ديوان المعابر الحدودية: الحركة بين تونس وليبيا تتم بنسق تصاعدي    التوقعات الجوية ليوم الاثنين 30 نوفمبر    محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: اللغة والهوية    أبو ذاكر الصفايحي يسأل بإيجاز واختصار: أليس خلق الإيثار أفضل سبيل لإنقاذ هذه الديار؟    حسن بن عثمان: هذا ردّي على هؤلاء الذين ينعتوني ب"السكّير"!    أولا وأخيرا: تنسيقيات الصعاليك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نوفل سلامة يكتب: على خلفية جريمة اغتيال مدرس مادة التاريخ الفرنسي «صامويل باتي»: هل المدرسة اللائكية الفرنسية في أزمة؟
نشر في الصريح يوم 19 - 10 - 2020

جريمة بشعة حصلت يوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري هزت كامل فرنسا ذهب ضحيتها مدرس فرنسي يدعى " صامويل باتي " يدرس في مادة التاريخ والجغرافيا لتلاميذ الإعدادية بعد أن قدم درسا في حرية التعبير والتعايش السلمي مستعملا عرض صور مسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم كانت صحيفة شارلي إيبدو قد نشرتها سنة 2012 وتسببت حينها في هجوم عنيف على مقرها من قبل عناصر متطرفة أودى بحياة 12 شخصا كان من بينهم رسامي كاريكاتير معروفين وقد كان دافع من قام بالهجوم حسب التحقيقات هو الانتصار إلى الدين الإسلامي الذي يتعرض حسب ظنهم إلى إعتداء كبير وتشويه من خلال الإساءة إلى شخص الرسول وتقديمه في صور كاريكاتورية مهينة لا تليق بهذه الشخصية الدينية الاعتبارية في حياة المسلمين و التي تلقى التقدير والاحترام الكبيرين في العالم الإسلامي وفي قلوب اتباعه.
وقد تزامن هذا الاعتداء الأخير على هذا المدرس بعد ذبحه في الطريق العام من طرف طالب مسلم شيشاني من أصول روسية كان قد قدم منذ سنوات إلى فرنسا لاجئا مع أسرته المسلمة مع بداية محاكمة من تسبب في الهجوم على مقر جريدة شارلي إيبدو ومع الخطاب المرجعي الذي توجه به منذ أيام قليلة الرئيس " امانويل ماكرون " إلى الشعب الفرنسي يشرح فيه مشروع " قانون الانعزال " الذي أعده وزير الداخلية الفرنسي ويعتزم تقديمه إلى مجلس نواب الشعب للمصادقة عليه في محاولة من الدولة الفرنسية لمحاصرة ما بات يعرف في فرنسا بظاهرة الإسلام العنيف أو الاسلام الراديكالي ومعالجة ظاهرة التدين العنيف الذي بات يعرفه شباب الجيل الثالث والرابع من الجالية المسلمة التي تنعزل اليوم في تجمعات سكنية منفصلة عن المجتمع الفرنسي الأصلي وترفض الاندماج فيه في مظهر يصور العداء الذي تكنه هذه الجالية المسلمة للدولة ولقوانينها وفي محاولة لفك الارتباط مع قيم الجمهورية وثقافة العلمانية التي تنظم حياة الأفراد وتحكم المجتمع الفرنسي بعد أن بدأ ينمو شعور قوي بأن الدولة الفرنسية لا تفعل شيئا للأقليات المسلمة التي تعيش أوضاعا متردية نتيجة سياسة الاقصاء والتمييز العنصري والتهميش الذي يمارس ضدها بما يجعل من أفرادها مواطنين فرنسيين من الدرجة الثانية.
ما حصل هذه المرة مع الاعتداء المدان و الذي يرفضه المسلم قبل غيره و ذهب ضحيته مدرس فرنسي جراء تنامي مظاهر التعصب الديني والذي يعكس أزمة حادة تعيشها الدولة الفرنسية في قيمها و في علاقتها بالدين الإسلامي وفي علاقتها بالأقليات المسلمة التي تشعر أن الجمهورية الفرنسية تزيد من اغترابها وعزلتها ، أنه رغم بشاعة العمل الاجرامي الذي خلف خروج مظاهرات كبيرة غاضبة عرفتها أغلب مدن فرنسا منددة بما بات يعرف بتنامي ظاهرة التطرف الاسلامي وظاهرة التخلي عن قيم الجمهورية الفرنسية المبنية على فكرة التسامح و الحرية والإخاء إلا أن هذه الجريمة قد فتحت نقاشا كبيرا لعل فرنسا تعرفه لأول مرة وهو نقاش فكري يحاول أن ينظر لما حصل من زاوية أخرى غير استراتيجية التخويف من الاسلام واتهام المسلمين بالتطرف ويحاول أن يفهم لماذا وكيف تعرف فرنسا موجة من الاعتداءات باسم الدين ؟ ويحاول أن يسأل ألسنا نحن الفرنسيين من يتحمل جانيا من المأساة ؟
لقد طرحت حادثة ذبح هذا المدرس سؤال المدرسة الفرنسية اللائكية وفرض البحث عن إجابة لسؤال ماذا يحصل في المنظومة التربوية التي لم تقدر أن تضمن احترم قيم العلمانية وتلتزم بقانون اللائكية لسنة 1905 ؟ حيث تساءل بعض الفرنسيين ألسنا نحن المسؤولون فيما حصل ؟ ألم نكون نحن المخطئون حتى وصل بنا الحال إلى ما وصل إليه الآن حينما تخلينا عن قيم العلمانية في مدارسنا و تركنا جانبا قيم الجمهورية في الدرس المدرسي ؟ وفي علاقة بما حصل لهذا المدرس فقد طرح السؤال حول مدى إلتزام المعلمين والأساتذة بالإجراءات البيداغوجية المعتمدة في المدرسة التي تفرض أن لا تدرس المدرسة الفرنسية الايمان والاعتقاد الديني وأن لا تتعرض لدين الآخرين على اعتبار وأن المدرسة كما قال الرئيس ماكرون هي فضاء وإطار لتلقين مبادئ الجمهورية وليس من مهامها تدريس الدين لأن دورها حسب قوله يكمن أساسا في تكوين مواطنين لا مؤمنين فالمدرسة مجالها مختلف عن مجال الكنيسة التي تختص بتعليم الناس تعاليم الدين وهذا يعني أن المدرسة الفرنسية كما تأسست على قيم الجمهورية وقانون العلمانية لا تهتم بالروحانيات التي تبقى شأنا خاصا يهم الشخص وحده في حين أن تدريس اللائكية هو مطلب المجتمع ولعل خطأ المدرس الضحية في كونه لم يلتزم بالفكرة اللائكية وأقحم الدين في درس في مادة التاريخ من المفروض أن لا يكون للإيمان مكان فيها .
سؤال محرج آخر طرح بمناسبة هذه الحادثة التي وصفت بكونها صورة من صور التعصب الديني الذي بات يجتاح فرنسا في السنوات الأخيرة يلامس هو الآخر المسألة البيداغوجية التي تخلت عنها المدرسة الفرنسية العلمانية وهي تقديم درس في تعليم قيم الجمهورية المؤسسة على فكرة الأخوة والحرية والمساواة حيث يفترض أن تتجنب المدرسة الحديث في الشأن الديني ولكن إذا ما قرر مدرس أو استاذ التحدث في الدين فإن حديثه وجب أن يكون في كنف الاحترام ومن دون التعرض إلى مشاعر المتدينين وخال من احتقار شعائرهم ومن دون تقديم درس يفهم منه سلوك عنصري أو ازدراء بمعتقد الأقليات وفي علاقة بالمدرس الضحية فإن البعض يوجه له ارتكاب خطأ بيداغوجي حينما أراد أن يتعرض إلى قضية دينية من خلال استعمال رسوم كاريكاتورية مسيئة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم وقرر الحديث في موضوع حرية الرأي والتعبير من مدخل ازدراء الأديان فوقع في محظور العنصرية المخالف لمبادئ اللائكية التي قامت عليها المدرسة الفرنسية إلى جانب ارتكابه خطأ بيداغوجي ثالث وهو مطالبته من التلاميذ المسلمين أن يغادروا قاعة الدرس إذا ما اعتقدوا أنهم قد يشعرون بالإهانة من خلال عرض الرسوم المسيئة لنبيهم والحال أن الدرس اللائكي يفضي إلى تقديم درس جماعي يشارك فيه الجميع بقطع النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني أو الفوارق الاجتماعية فمطالبة هذا الأستاذ من بعض التلاميذ بمغادرة القسم لتقديم درس من دون موجب هو خطأ قد ارتكبه فيه مخالفة صريحة لقيم المدرسة اللائكية ويضع كامل المنظومة التربوية محل تساؤل كبير لفهم أوصلنا إلى هذه الوضعية ؟ ولفهم كيف حصلت عملية قتل هذا المدرس في مجتمع يفترض أنه علماني يضمن للجميع حرية التعبير والاعتراف المتبادل والعيش المشترك في كنف الاحترام والمحبة والإخاء والمساواة.
إن أزمة العلمانية الفرنسية ومن ورائها أزمة المدرسة الفرنسية في كونها لم تفهم أن الدين الإسلامي قد أعاد رسم صورة مشرقة للأنبياء معاكسة تماما لصورتهم في التوراة واسترجعت مساحة نيرة كانت المسيحية والكتاب المقدس قد سلبها منهم وهكذا سطعت صورة كل الأنبياء في القرآن الذي أعاد بناء التصورات الخاصة بالمسيح على نحو يليق بنبي جاء ليغير الواقع في زمن ترذلت فيه الأخلاق وساءت فيه القيم الدينية فكان التقدير الكبير للنبي موسى وعيسى قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه أخلاق المسلمين التي تضمن التعايش الحقيقي بين الأديان وتحقق الطمأنة الحقة لا المزيفة للأخوة والمحبة والمساواة بين الجميع المطلب الذي يريد المسلم الفرنسي أن تعامله به الجمهورية الفرنسية والدولة العلمانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.